ذكريات وهواجس وأمان وتأمُّلات يحاول الفنان التشكيلي هادي يزبك أن يرسمها لوحة تؤرخ تلك المشاعر التي لا يريد لها أن تدهسها عجلةُ الأيام، يريدها أن تبْقَى راسخة رسوخ جبال لبنان الشمِّ التي تحكي هي الأخرى حكاية أجيال تعاقبت عليها بحلوها ومُرِّها. يريد أن يُوقِف الزمنَ في مكان ألِفه وأحبه منذُ صغرِه، بريشته التي تطاوع تلك المشاعر المتَّقدة بكثير من الإحساس والعواطف. هي لوحة تؤثِّث ذاكرته بمفردات الطبيعة التي علقتْ في ذهنه وأحبَّها أن تبْقى كما هي، راسمةً دقاتِ قلبه لحنين لبنان الذي يخاف أن يندثر مع الزمن وتعرجاته. هي لوحات تجسد «لبنان الحنين والزمن»، حاولَ من خلالِها أن يرسمَ تلك المشاعرَ التي تعطي البُعد الإنساني لكل من عاينها وشاهدها، تحدّث إلينا ليحكي حكاية رسام تشكيلي أصرَّ أن تكون لوحاته الناطق الرسمي لحنينه وآهاته وآماله.
التفاصيل
في لوحاته ولا سيما «لبنان الحنين والزمن»، كثير من الهواجس التي ترسم حجم تخوفه من أن تندثر تلك المعالم التي رسمها بكثير من الإحساس الذي يراود الفنان مرهف الإحساس، جبال وأشجار ومعالم رجل مسن، مفردات أحب أن تبقى عالقة في أذهان الأجيال تحْكي حكاية زمن ولَّى حاملاً معَه قصصاً وحكايات نسجها كل من الإنسان والطبيعة في توأمة لشاعرية المشهد.
يُحاولُ يزبك أن يصور المشهد بكل حواسه لا بريشته فقط، يختزن تلك المشاهد في ذاكرته ليحولها إلى مشهد مرئي تتناقله الأجيال، وكأني به يريد أن يؤرشف تلك المشاهد التي مرت أمام ناظريه ليريها لمن يهمه أمر الذاكرة. ولعل تأثره بأعمال فنانين انطباعيين مشهورين؛ أمثال داوود قرم وحبيب سرور وسيزار الجميل وعمر فروخ وعمر الأنسي، جعله ينتفض رسماً يحاكي تارة رسوماتهم وتارة يعطي للوحاته لمسته الخاصة جداً.
إلهام
يعتبر يزبك أنَّ الطبيعة هي الملهمُ رقم واحد في رسوماتِه، تحرِّك وجدانه ليرسم أجمل ما فيها، وكأني به يريد أن يغازلها بريشته لتبوح بجميع أسرارها بشيء من الدفء إلى حنين، حنينٌ طالما كان موطنَ الجذبِ لأغلب لوحاته، لأنه ببساطة يرى منها الجمرةَ التي تتقد في كيانه فتفرز خطوطاً ترتسم على اللوحة بكل انسيابية. فكل لحظة تقوي محبته للطبيعة، لا لشيء إلا لأنها تولد في داخله شجون المحب للزمن الذي احتضنته الطبيعة بدفء الأم التي تتعهد أولادها بالرعاية، فيتعاد الفنان طبيعته الساحرة بالرسم والتلوين.
فالبعد الإنساني حاضر بكل قوة في لوحاته، وإن غاب العنصر البشري في بعضها، ذلك أنه يعتبر الطبيعة ذلك الحضن الذي ضمَّ الإنسان بما حمل، على غرار ذلك الفلاح الذي ترتسم في وجهه معالم التقدم في السن، ليرسم يزبك هو الآخر ذلك المشهد الذي يختزل مرور الأيام والليالي في لوحة تؤرشف لمسيرة الكثير من معاني الزمن الذي يجر معه كل من يعايشه. ولعل اسم «العنفوان» الذي أطلقه على تلك اللوحة، ما هو إلا إخراج لمكامن الرجل الريفي الذي يأبى الضيم في أشد لحظات الأزمة ويريد أن يستنطق اللوحة لتفرز الكثير من التعابير القوية التي تدل على شهامة الرجل الريفي.
الشفافية
اختيارُ يزبك للرسم بالألوان المائية، لم يكنْ بمحض المصُّادفة وإنما كان امتداداً للمشاعر التي تفيض حنيناً، مثل الماء الذي ينفجر ينابيع في السهول والوديان ليفسر ما يبوح به من صفاء ونقاء، هي معادلة دأب عليها يزبك في لوحاته لتظل نابضةً بالمشاعر الجياشة التي لا يمكن أن تبوح بكامل أسرارها، إلا بالمسحة المائية التي يعتبرها أصدق تعبير لما يجيش في خاطره.
قوس قزح
الألوان عند يزبك، تلك المفردات الجميلة التي تعكس إحساسه بالمشهد الذي يختزنه في الذاكرة ليرسمه لوحة حية تؤرخ للمارّين من هنا. يريدُ أن يمزجَ بين الألوانِ الحارةِ والباردةِ ليخرج بلوحة فيها الكثير من دفء الرسام الذي يريد أن يستنطق اللوحة، عساها تحكي له حكاية المكان والزامن، مكان فيه كل التفاصيل الجميلة التي أحب يزبك أن تبقى خالدة لتدغدغ شعوره الطفولي حين كان يتراقص في شُعبِها وطرقها وجاداتها.
الثابت والمتغير
لا يمكن أن يكتمل المشهد عند يزبك إلا إذا راعى الثابت والمتغير في رسوماته، فالثابت هو الطبيعة العذراء التي لم تخذل ساكنها لتبقى كالجبل الأشم الذي يقلِّب ناظره، والمتغير هو ذلك الذي يذهب أدراج الزمن وتمحوه الأيام ليبقى مجرد صورة تستذكر رسامها أيام الزمن الجميل، يحاول أن يزاوج بين الثابت الذي يريده ثابتاً على طول الخط بينما يريد من المتغير أنْ يكون لطيفاً لا يغدر به ولا يشوِّه معالمَه حفاظاً على تلك الطبيعة التي باتت أيقونته في الرسم. الثابت عند يزبك، التراب والهواء والضوء الذي يبقى ما بقي الإحساس، أما المتغير فالشجر والحجر الذي يخاف أن يندثرا بفعل كلِّ من عادى الطبيعة.
الطبيعة الفاضلة
على غرار المدينة الفاضلة التي ينشدها الفارابي، نجد الفنان التشكيلي يزبك يحاول رسم الطبيعة الفاضلة بكل تفاصيلها الجميلة التي يحبها كل إنسان عايش الطبيعة بخضرة أشجارها وزرقة سمائها وبحرها، يريد من ذلك الفلَّاح الذي يضربُ في الأرض، أنْ يتعهدها بكثير من الحنان، حتى تبقى على عنفوانها كما يريدها في لوحته. وفي الوقت ذاته فإنه يرسم ملامح الإنسان الذي يلامس الأرض بعنفوانه وأصالته لتبقى سخية عليه.
فنان المهجر
كأي فنان يتوق لرؤية بلده في كل حين عندما تصارعه الغربة بكل تقلباتها، يجد يزبك نفسه معززاً بكثير من الحب لبلده لبنان، ليرسم أجمل الصور التي تؤرخ لمراحل عاشتها لبنان بحلوها ومرها وباستقرارها وحروبها، بتنوعها الذي تدفعه أن يرسمها باقة ورود من كل التشكيلات، مشكلة أجمل فسيفساء تحكي حكاية بلدٍ لايزال يعيش واقفاً بكافة تنوعاته. ويصر في ذات السياق أن يعاين الفنان المشهد حتى يرسم بأحاسيسه، لا أن ينقل من صورة فوتوغرافية، حتى يصل إحساس اللوحة إلى المشاهد.
لبنان الأمس
مجموعة التحف الفنيّة التي كشف عنها هادي في أوّل معرض له في المدينة، أعطتنا لمحة عن جمال الطبيعة وحرارة التقاليد اللبنانية. وقد تضمّن المعرض خمسين لوحة رُسمت بألوان مائيّة لتجسّد لبنان الأمس الشاعري والريفي، مثيرة الحنين إليه. وبحسب هادي، ما يميّزه عن غيره هو أنّه يسعى إلى إضافة شيء جديد إلى موضوعات لوحاته أو ألوانها. ولكي تعكس أعماله الفنّية الصورة الحقيقية للواقع، يمضي هادي ساعات طويلة في قرى لبنان الجبلية، راسماً لوحاته مباشرةً من الطبيعة.
إشادة
بعض النقاد المشهورين، أمثال الكاتب والشاعر اللبناني توفيق عوّاد والناقدة الفنّية مي منسّا، انبهروا بأعمال هادي وأشادوا بها. فقد أبدى توفيق عواد إعجابه بأعمال هادي، إذ يرى أنه يرسم ما يكتب، كما أنها تعكس بامتياز الحنين إلى الوطن وتولّد حواراً بين العين والفكر. وأشادت مي منسّا بلوحات هادي قائلة: إنّها تمنح الشخص الذي ينظر إليها شعوراً بالسلام والسكون وتجسّد تماماً كَمْ يشتاق إلى ثقافة الماضي.





