رغم أنه غير مستحب ويبقى أبغض الحلال، إلا أن ازدياد الطلاق في أيامنا هذه لم يعد بالأمر الغريب وسط القصص المتنوعة والمختلفة التي نسمعها من هنا وهناك، لكن ما هو مستغرب فعلاً أن يحصل الطلاق بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من أحد الزوجين! فهذه زوجة تطلب الطلاق لأن زوجها لا يستحم، وأخرى بسبب رائحة فم زوجها الكريهة التي لا تطاق، وزوجة تشتكي من رائحة إبط الزوج، وزوج يُشبه رائحة زوجته بزفرة السمك! وهنا نسرد قصة واقعية ضمن هذا الإطار، حيث تقدمت زوجة كويتية إلى المحكمة وطلبت رفع دعوى قضائية للطلاق من زوجها لصدور رائحة كريهة منه، لم تستطع التأقلم معها أو القبول بها. وكثيراً ما طلبت الزوجة من زوجها أن يعالج أسباب هذه الروائح، ولكنه رفض بإصرار، وليس هذا فحسب، بل كان يعتدي عليها بالضرب كلما ذَكرته بهذه الروائح، وطلبت إعداد مذكرة لتقديمها إلى الأحوال الشخصية حتى تتمكن من الطلاق!
حواء: الرائحة الطيبة تجذب
أشواق الحرب، سيدة أعمال، تقول: «المشكلة باتت فعلاً تلقي بظلالها وانعكاساتها السلبية على الجانب الاجتماعي، فالزوج ينفر من زوجته بسبب انبعاث رائحة كريهة منها أو العكس، وكثيراً ما تحدث المشكلات بسبب التنافر الذي يسبب فتور العلاقات الزوجية، ومن ثم الطلاق»، وتضيف: «هناك قصص كثيرة مطوية في ملفات وسجلات المحاكم سببها الأساسي الرائحة غير المرغوبة، وغير ذلك من الأسباب الظاهرة التي ينبغي تسليط الضور عليها ومعالجتها».
توضح ميرة عبيد محمد، موظفة، أن صديقتها المقربة رفعت قضية طلاق ضد زوجها، والسبب هو أنه لا يهتم برائحة فمه! الكارثة في الموضوع أنه زوج رومانسي جداً، فهو يشترط على زوجته أن ترحب به، وأن تُقبله عند دخوله المنزل ورجوعه من العمل، وتضيف: «صديقتي في البداية لم تحب أن تجرح مشاعره، وتصارحه برائحة فمه المميتة، ولكنها جلبت له الهدايا بين الحين والآخر، كانت عبارة عن ملطفات للفم، ليعلم أن رائحته لا تطاق من دون أن تصرح له بذلك، ولكن بلا جدوى!».
«إن كانت كل امرأة تجد في فم زوجها رائحة كريهة، ستطلب الطلاق، فأعتقد أن ملفات المحاكم وقاعات القضاء ستمتلئ بهذه المشكلات»، تشير لذلك رجاء قاسم سعيد، ربة بيت، وتضيف: «إن الزوجة المحبة لزوجها والصبورة، باستطاعتها معالجة الأمر بذكاء وحنكة، وهذا ما فعلته مع زوجي فقد تحملته، لأنه في النهاية شريك حياتي، ووالد أولادي الستة، وصبرت على رائحة فمه، وجسده عموماً. ولم أطلب في يوم من الأيام الطلاق، بل على العكس حاولت أن أُغير من طباعه بأسلوب جميل، وتكلمت معه باستمرار، بضرورة تنظيف الأسنان يومياً، ومعالجة هذه الرائحة من خلال زيارة الطبيب المختص، إلى جانب ضرورة الاستحمام يومياً، وفعلاً هذا ما حدث».
بينما توضح فاطمة البلوشي، موظفة، أنه لو كان لأحد الزوجين رائحة غير مقبولة، فتنبغي هنا المصارحة بشكلٍ راق وودي، والتعاون لحل المشكلة، والمهم المحافظة على إبقاء الأمر سراً بينهما، وعدم البوح به حتى لأقرب الناس لديهما، لأنه سيضر أكثر مما ينفع. فالرجل سر زوجته والعكس، ويجب أن يتقبل كلاهما الآخر بحلوه ومره، خصوصاً إن كان حبهما متبادلاً، والسعي لإصلاح العيوب أو الأخطاء بالكلمة الطيبة، والمبادرات الجميلة غير الجارحة.
وترى جميلة الشامسي، سيدة أعمال، أنه ليس جميلاً أن يخرج من الزوجين رائحة قد تكون الشرارة الأولى للمشكلات، ورغم بساطة الموضوع إلا أنه من وجهة نظرها من الأسباب التي تدفع بأحدهما إلى النفور من الآخر.
لم تعد أم سعد تستطيع احتمال رائحة حذاء زوجها! وعلى حد قولها: «استنفدت كل أنواع الوصفات والحلول للتخلص منها لكن بلا جدوى، فقد أصبحت الرائحة تلاحقها في كل أرجاء المنزل وحتى خارجه، وسببت لها أمراضاً نفسية، فلم يكن أمامها سوى الطلاق».
وهذا كان حال الشابة رويدا جاسم، ربة بيت، إذ طلبت الطلاق أيضاً بسبب رائحة إبط زوجها، لقد عانت طويلاً بخجل، وتقول: «نعم، لم أعد أتحمل الرائحة الكريهة المنبعثة منه، وحصلت على الطلاق بعد أن نجحت في إقناع المحكمة بأن رائحة زوجي كريهة وقلما يستحم ولا يحافظ على نظافته الشخصية، وعلى الرغم من نصائحي الدائمة له بمعالجة تلك الرائحة، إلا أنه لم يهتم بطلبي الذي أعتبره أسهل طلب طلبته في حياتي، لكن بلا تفعيله!».
آدم: انفصال بسبب الرائحة
يوضح حمد الكعبي، موظف، أن ديننا الحنيف كثيراً ما كان يحث على نظافة الجسد، وعلى الزوج أن يتجمل لزوجته والمرأة لزوجها، حتى تشم زوجته رائحة طيبة منه لا منفرة أو مقززة.
«إن تجاهل الاهتمام بتفاصيل بسيطة يحدث مشكلات جمة، منها ما قد ينهي الحياة الزوجية بالطلاق، وقد يتسبب بالفتور العاطفي»، يُنوه لذلك عيسى الملا، موظف، ويضيف: «لا عيب إن رأى الزوج أمراً ما لا يحبه من زوجته، أن يصارحها به من دون أن يجرح مشاعرها، لأن السكوت وعدم المصارحة قد يفاقم الأمر، فيتحول إلى انفصال، وطلاق دون معرفة السبب».
عبد الكريم إسحاق المنذري، موظف، يقول: «منغصات ومنفرات كثيرة تؤثر في العلاقة الزوجية، البعض يراها تافهة، لكن الغالبية العظمى من الأزواج يجدونها من الأمور المهمة التي يجب ألا نغفلها، وهي نظافة الجسد»، ويوضح بن زوجته ليس لديها الكثير من المساوئ في شخصيتها سوى الرائحة الكريهة، الأمر الذي اضطره إلى الانفصال في غرفة أخرى ليرحم أنفه مما قد يقاسيه من هول الروائح.
ولا يخفي هاشم مراد العلي، أعمال حرة، أن زوجته غالباً ما تفوح منها رائحة دخان «الشيشة» التي تنفره من الاقتراب منها، ولكن بطريقة غير مباشرة استطاع أن يوصل لها هذا الأمر بشكل بسيط وسهل، وهي أنه بعد تدخينها بإمكانها أن تنظف أسنانها بالفرشاة، أو تمضغ علكة ذات رائحة طيبة، ويبتسم قائلاً: «بالحب والتفاهم يمكن تخطي كل شيء».
بدأ فاهم عباس اللامي، موظف، يتضايق فعلياً من رائحة الثوم والبصل المنبعثة من زوجته المهملة لنظافة جسدها، الأمر الذي دفعه إلى اتباع اللطف والكلام المعسول معها من دون أن يسبب لها الإحراج من خلال الاهتمام بنظافة جسدها أكثر، خاصة وأنه شاب عريس جديد، ومهووس بالنظافة، ويحب أن تكون زوجته كذلك.
العلاج بالجهد والصبر
«النظافة الجسدية مطلوبة في جميع الأحوال، لكن أن يهمل أحد الزوجين ذلك الأمر فهذا مرفوض تماماً»، تؤكد ذلك فاطمة المغني، استشارية أسرية، وتوضح من جانب آخر أن حل هذه المشكلة يحتاج لجهد وصبر، وهو يتوقف على الزوجين بدرجة متساوية، والأهم أن هذا الأمر يتوقف على الشخص الذي لا تنبعث منه الرائحة الكريهة في مساعدة الطرف الثاني على التخلص منها، مع إظهار الجدية، حتى لا تتفاقم المشكلة ويشعر الطرف الذي يعاني من المشكلة بأنه غير مرغوب فيه، وأن زوجته سوف تتخلى عنه مقابل ذلك. وتنصح المغني الزوجات بعدم الاستعجال في طلب الطلاق، وضرورة النصح بالتي هي أحسن، والحديث مع الزوج بما يزعجها منه بلطف.
رؤية قانونية
المحامي والمستشار القانوني سالم المفتول، يقول: «هناك العديد من القضايا الموجودة بأروقة المحاكم من قبل الزوجات ضد أزواجهن بسبب الروائح الكريهة، فلا تتعجبوا عندما تسمعون عن هذه القضايا، ولا تستنكروا هذا السبب لأنه يمكن أن يكون في تصوركم سبباً تافهاً وسخيفاً، ولكنه في النهاية سبب في هدم أسرة كاملة، ووضع نهاية لعلاقة زوجية قد تكون استمرت خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات»، ويضيف: «فإذا شم أحد الزوجين رائحة غير مريحة، قد يعزف عن الإقبال على الآخر، وليس مبالغاً فيه لو قيل إن الرائحة الجميلة والعطرة مفتاح من مفاتيح العلاقات الزوجية الجيدة والعكس صحيح».
رؤية شرعية
يؤكد الدكتور محمد الزحيلي، أستاذ في قسم الفقه المقارن في كلية الشريعة بجامعات عدة، أنه إذا كان أي من الزوجين له رائحة كريهة، يجوز للآخر اللجوء إلى القضاء لطلب التفريق، وذلك أن أياً من العيوب التي توجب النفرة وتحول دون كمال الاستمتاع بين الزوجين، فإنها تمنع من تحقيق مقصود الزواج من الرحمة والمودة. ولكن يتوجب قبل طلب الطلاق النصح بالحسنى لعل وعسى أن يأتي بنتيجة إصلاح العيب، واستمرار الحياة الزوجية.
