مرة أخرى يطل علينا مهرجان دبي للتسوق في دورته العشرين، تحت شعار الحملة التسويقية «رحلة عشرين عاماً.. والعالم يحتفل»، لتعيش دبي على مدى 32 يوماً أجواء الفرح والترفيه والاحتفالات المبهرة مع أكثر من 150 فعالية متميزة، علاوة على الكثير من العروض الترويجية والجوائز القيمة. وقد أسهم المهرجان منذ انطلاقته في إيجاد المناخ المناسب لقيام صناعة ترفيهية ثابتة الأركان ومستمرة في دبي، وحفّز على الارتقاء بمفهوم الترفيه العائلي، ودمجه بفعاليات متنوعة تنشط الاقتصاد والسياحة بتوليفة أثبتت نجاحها. وفي دبي أيضا تسعد اللغة، وتبتهج الكلمات، بل تبتسم حين يحاول القلم أن يكتب عن ألق التراث في المهرجان، سواء كانوا مُشاركين في شتى فعالياته وفي اختلاف أماكنه، أم حتى زائرين له مستنشقين أوكسجيناً من نوع آخر، فحواه حيوية وسعادة ورونق بوجودهم في «دبي: دانة الدنيا وعشق ما له آخر».

مدينة متناقضة
جميلة هذه المدينة التي جمعت بين المتناقضات في أحضانها، حيث يحدها البحر، وتسكنها الصحراء، ويتعايش فيها جميع الناس بمختلف دياناتهم وأعراقهم. فدبي لاتزال تعيش الماضي الجميل بكل تفاصيله، الذي يعد بحد ذاته انتصارا لنظرية أينشتاين في النسبية، حيث الزمن يعود للوراء، ليطلع الزوار على بداية الحضارة الإنسانية التي نعيشها في أيامنا، ويراجع معهم تفاصيل تاريخها الأول، الذي لولاه لما كانت دبي.

إن «دانة الدنيا» في ظل طفرتها العمرانية والحضارة التي تبنيها، لم تنس ماضيها الجميل الزاخر بتراث عريق، ولم تخجل منه على أساس أنه كان بسيطاً غير ثري ومتنوع، بل تفتخر به أمام كل العالم وتحترمه بكل تفاصيله، لأنها تعتقد أنه من لم يكن له ماض فليس له حاضر، وهذا يجب أن يكون درساً لجميع الدول التي تحاول أن تستورد الحضارة الغربية وتخجل من تاريخها.

والجدير بالذكر أن مهرجان دبي للتسوق يعد متنفساً لعاشقي التراث، إذ يأتي كل عام بوهجٍ كبيرٍ حاملاً معالم التطور، وروح التراث وأريج الذكريات. فلا يزال الزائرون بشتى جنسياتهم يتوافدون على زيارة باحات التراث باختلاف أماكنها في دبي، حيث التعارف والترفيه والتنفيس عن الروح. فهنا نرى مسناً يتكئ على عصاه يناظر أطفالاً يسرحون ويمرحون، ويبتهج لابتهاجهم. وهناك عجوز تتمنى لو يعود بها الزمن للوراء لتعيش المهرجان بكل تفاصيله، ومسنة أخرى لا تملك إلا الدعاء بأن يستمر هذا الخير والتطور في دبي، وقلبها يلهج قائلاً: «عمار يا دبي».

إبداع نون النسوة
مجموعة من السيدات الكبيرات في السن في منطقة الشندغة التراثية، امتهنّ الحرف القديمة على الرغم من اندثار بعضها، إلا أنهن حرصن على إحيائها. اقتربنا من عَذابه مبارك «أم خالد» التي كانت تشبك سعف النخيل في بعضها مكونة حصيراً يستفاد منه، لتقول: «أهدف هنا إلى تدريب الأيادي الشابة على الحرف التقليدية التي مارسناها قديماً، وتأصيل روح التراث وإبقائه خالداً، إضافة إلى المحافظة على الحرفة والمنتج التراثي التقليدي وتجميع القطع التراثية والمحافظة عليها أيضاً، وتطوير وتجديد التراث ليناسب العصر ومتطلبات السوق المحلي والعالمي». وتوضح بأن كبر سنها لم يمنعها أبداً من المشاركة في أيام مهرجان دبي، لاسيما وأن وجودها جاء عن طيب خاطر، حيث تعتبر المهرجان فرصة لتنقل أريج الماضي. ولتؤكد هنا في قولها: «اللي ماله أول ماله حاضر».

كما حافظ الزي الشعبي الإماراتي على حضوره البارز في أيام المهرجان.، وهنا كلمات تصدر عن نفس واثقة، «سنحافظ على أزيائنا الشعبية من الاندثار وسط معمعة الحياة العصرية بتقنياتها وتعقيداتها التي تختلف اختلافا جذرياً عن نمط الحياة القديم»، همسة أدلت بها الجدة سعيدة سالم خميس، وتشير إلى حرصها على عدم تفويت المشاركة في مهرجان دبي، فالملابس التي تخيطها هنا تلقى إعجاب كل من يشاهدها. وعلى حد قولها، «أزياءنا الشعبية تتميز بأصالة نادرة، كما تتميز بالتلقائية والبساطة والوضوح، ولم تستطع الثقافة العصرية طمسها».

بينما تمنت الجدة أم راشد لو توجد يومياً في المهرجان، إلا أن ظروفها الصحية تحول دون ذلك، فهي تقوم ببيع الملابس النسائية القديمة، التي تتميز بالبساطة، وبالذوق والتناسق في الألوان.

أكلات شعبية
الجدة أم محمد تُعدّ لزائريها في القرية العالمية أكلات شعبية متنوعة، حينما اقتربت منها ودار بيني وبينها حوار سريع، علمت أن هذه هي المشاركة رقم 20 بالنسبة لها، وهذا هو عمر المهرجان. وأوضحت أنه لم يمنعها كبر سنها وإصابتها ببعض الأمراض من المشاركة في مهرجان دبي. ولدى سؤالها عما تفعله هنا، أجابت: «جئت هنا لأبرز ما يتميز به المطبخ الشعبي في الدولة من أكلات، ولا يزال الناس يقبلون عليها دون غيرها عندما تقام الموائد في المناسبات والدعوات». وتجدر الإشارة بأن الأمر الثاني الذي دفع الجدة أم محمد للتواجد في المهرجان، هو أنها وجدت في مشاركتها مصدراً لرزقها.

وهذا كان هو حال أم حميد، التي ألفت صنع وبيع الأكلات الشعبية منذ انطلاقة المهرجان إلى يومنا هذا، وتؤكد أن الهدف من مشاركتها هو إحياء بعض الأكلات الشعبية الإماراتية. وتوضح أن مشاركتها الدائمة في المهرجان هي بهدف كسب الرزق لإطعام أيتامها، ضاربة بذلك ثقافة العيب التي يراها جهالة الناس عرض الحائط.

حفاوة بلا حدود
اتخذ الجد الكيبالي، الذي يتجاوز عمره 55 عاماً له مكاناً تراثياً أنيقاً في منطقة الشندغة التراثية، إذ نصب له خيمة مزدانة بمعالم الضيافة العربية من قهوة عربية وتمر. لم أحرم نفسي من متعة حديثه، ليؤكد أن دبي ستبقى متألقة بالثقافة التراثية، فهي تؤصل لماضي الأجداد الذين تركوا منابع هائلة تبقى أملاً لكل الأجيال التي تسعى من خلالها لمتابعة مسيرة التقدم التي رسمها قادتنا. كما يأنس الكيبالي بزيارة كبار السن لخيمته، فهم يفضلون الجلوس في الخيم والعرشان التي تعد خيالاً خصباً يعيدهم إلى حيث كانوا يعيشون قديماً.

شوارع عابقة
يتمكن زوار شارع السيف من التعرف على حياة البادية التي تقربهم من الحياة البدوية الأصيلة بكل تفاصيلها، ليشعروا كأن الزمن عاد بهم إلى تلك الحياة البسيطة التي تميزت بها الإمارات قديماً، إضافة إلى العديد من الدول التي تضم تركيبتها الثقافية نفسها من هذا التراث.

كما أكد العديد من الزائرين والمهتمين والعائلات الذين حضروا فعاليات مهرجان دبي للتسوق في شارع السيف، تهافتهم على المطبخ الإماراتي بشكل خاص. لاسيما أن الطهاة استطاعوا مزج المأكولات التراثية في إطار عصري مثير، حافظ على طبيعة المأكولات التي تشتهر في الوسط الشعبي الإماراتي من جهة، واستخدم أساليب عصرية بنكهاتها وتجهيزها وعرضها من جهة أخرى.

ويتضمن الشارع أيضاً بعض الحرف التي يقوم بها الرجال كبار السن، ومنها صناعة الألياخ؛ وهي عبارة عن شبكة الصيد البحري، ولم تأت مشاركة هؤلاء عن هباء، بل تأكيداً أن هذه الصناعة ستدوم وعلى جيل اليوم أن يعرفها.

وسيتمكن الزوار بلا شك من التقاط أنفاسهم والاسترخاء مع تناول وجبات طعام خفيفة من الأكشاك المنتشرة على طول شارع الرقة، التي تحتوي على خيارات متنوعة من الأكلات التراثية والحلويات وغيرها.

زيارة الشواب
شهدت أيام المهرجان زيارات جميلة للشواب، الذين لم يمنعهم مكوثهم على كرسي متحرك من حضور الفعاليات الثقافية والتراثية في قرية التراث بالشندغة. فالجد سالم بدأ يحدثنا عن ذكرياته، وحينما سألته «هل تحن للشندغة؟»، وليتني لم أسأله، دمعت عيناه قائلاً: «ومن منا لا يحن لبيته!» وقال مازحاً: «أتريديني أن أضربك على طرح مثل هذا السؤال؟»، مبدياً سعادته الكبيرة على تواجده في هذا المكان الذي أدخل في نفسه أفواجاً من الحنين للماضي.

وعلى الرغم من فقدان الجد بو عبدالله لبصره، إلا أنه حضر للمهرجان على كرسيه المتحرك، ويوضح أن مهرجان دبي يعتبر ملتقى جميلاً لكبار السن من الجنسين، حيث يمضون فيه وقتاً يستعيدون فيه شيئاً من عبق الماضي.

فنون وأهازيج
زوار فعاليات مهرجان دبي للتسوق في أماكن شتى، يلتفون يومياً حول الفرق الشعبية الإماراتية التي تقدم عروضها ورقصاتها الشهيرة وسط أجواء احتفالية مليئة بالبهجة ومعايشة مظاهر من ماضي الأجداد، حيث توجد فرق العيالة والحربية والرزفة والليوة، بعروضها الشيقة كاليولة وغيرها التي يتفاعل معها الجمهور. ويردد أعضاء هذه الفرق خلال رقصاتهم قصائد يتقنونها تعكس الحياة التي يعبرون عنها كما يرتجلون بعض الأشعار.

صناعة الفضيات
تعتبر أم فريد إحدى الجدات البارعات في صناعة الفضيات وزخرفتها، وتؤكد أن مشاركتها في مهرجان دبي للتسوق يأتي من منطلق حرصها على مواصلة مسيرة وطريق الآباء والأجداد في الحفاظ على الإرث الوطني المتمثل في الصناعات الحرفية ومنتجاتها، وتقول: «أمتهن صناعة الفضيات منذ 21 عاماً، حيث أقوم بصناعة الحلي الفضية، وعملية الزخرفة والنقش على الخنجر والسكين والأحزمة الجلدية». وتوضح بأن صناعة الفضيات تحتاج إلى دقة واتقان في الصنع وجودة في الإنتاج، كما أنها تحتاج إلى ملكات إبداعية متنوعة، وتلك المهارات تختلف من حرفي إلى آخر، وهنا نجد تفاوتاً في المنتجات الحرفية، وهناك خيارات متعددة ترضي جميع المهتمين بالحرف. وتبدي سعادتها بزبائنها الذين لا يكتفون فقط بشراء ما تصنعه يديها، وإنما يجلسون معها أيضاً ويحاولون الاستفادة من خبرتها في صناعة المصوغات والمشغولات الفضية.

الطب الشعبي
اتخذ الجد بو مايد له ركنا لبيع الأدوية الشعبية القديمة، وتعرفت على مهنته في الطب الشعبي المصنوع من الأعشاب الطبيعية، ويساعد الناس بصرف الأعشاب المناسبة لهم بعد التأكد من تفاصيل آلامهم وأوجاعهم. فهو يداوي وجع الرأس، والربو، والثعلبة، وأمراضاً كثيرة. حيث يأتيه المريض ويقول بالضبط ما هو وجعه، ليجهز له الدواء بعد ذلك. وأحياناً يكون العلاج بالمسح بواسطة الزيوت والمواد الطبيعية لأوجاع الظهر والأرجل مثلاً، وهو لا يطلب الكثير مقابل العلاج، فالمبلغ يتفاوت حسب نوع المرض.