حين شاهدت الفيلم الأرجنتيني المرشح للأوسكار (حكايات برية)، والذي ينتمي إلى نوع سينمائي يعرف بـ(سينما الأنطولوجيا)، حيث تتضافر مجموعة قصص في فيلم واحد.. لم أكن بمفردي، بل مع مئات الأشخاص من ذوي الجنسيات المختلفة والمستويات الفكرية والاجتماعية المتنوعة، في صالة (أرينا) ضمن (مهرجان دبي السينمائي). صفق الجمهور للفيلم أكثر من سبع مرات.

أحياناً في نهاية كل حكاية من الحكايات الست، ومرات لمشاهد محددة، في هذه الكوميديا السوداء التي لم تتوقف عن حصد الجوائز خلال الشهور القليلة الماضية في مهرجانات كثيرة، إضافة إلى معدلات عالية على شباك التذاكر. شهقوا في بعض الأحيان تقززاً لمشهد تغوط، أو مبهوتين من هول المفاجأة لمشهد لم يتوقعوه، ذعروا في مرات ولكنهم ضحكوا كثيراً. حتى إنهم ضحكوا على مشاهد لا يمكن لأي منطق تبرير الضحك خلالها، مثل مشهد قتل بالحريق، أو خيانة عروس لزوجها مع طاهي الحفل على السطح في سهرة الزفاف، أو قيام رجل بوضع متفجرة في مرآب تابع لهيئة حكومية تقوم بتحصيل مخالفات المرور وركن العربات.

نحن إزاء قصص متعددة، بشخوص وعقد درامية وصراعات وسياقات مختلفة، لكنها تشترك جميعها بخيوط واضحة، مثل تحول الإنسان الطيب إلى النقيض تماماً، بل واقتراف أعمال إجرامية، في حالات الإحباط والشعور بالظلم واللاعدالة وقهر الأنظمة الاجتماعية. إنها نشوة الانتقام التي تفجر الكثير من مكنونات الشر المدفونة في كل نفس بشرية، حتى لو لم يعها صاحبها. لكن، حذار من انتقام الطيبين والبسطاء، وهذه نماذج.

1- انتقام الحبيب يجسد صراع العواطف:
في الحكاية المعنونة (حتى آخر العمر إلى أن يفرقنا الموت)، تكتشف العروس «رومينا» في حفل الزفاف، بعد أن تفرغ لتوها من الرقصة الأولى السعيدة حد الجنون، أن إحدى المدعوات كانت على علاقة مع العريس، وتسأله عن شكها فيكذب. لكنها تتأكد من الأمر، وها هي تقرر على الفور أن الرد الأمثل يكون بإذلاله وستفعل كل ما بوسعها، التودد لطاهي الحفل على السطح بعد اختفائها هاربةً مصدومةً وباكيةً من باب المطبخ، تدمير طاولات وتكسير كؤوس، ضرب حماتها، وخطابات علنية محرجة سوف تؤدي بالعريس مرة إلى البكاء ومرة إلى الرغبة بقتلها.

لكن (الهابي إندنغ) تبقى ماثلة هنا، إذ وسط المشهد المدمر، يقرران التسامح والمضي قدماً بالاقتران، في حكاية برهن فيها المخرج داميان زيفرون عن قدرة لافتة على رسم مسار حركة الكاميرا الجوالة والدوارة في لقطات ذات إيقاع سريع، يعكس إيقاع حفلات الزفاف، وأيضاً إيقاع الانهيارات النفسية المباغتة، كما أدت الأرجنتينية الحائزة على جوائز إيريكا ريفاس دور العروس المغدورة باقتدار وقوة، جعلتها، ربما تلهم نساء كثيرات من المشاهدات بطرق لعقاب الرجل الخائن، فصفقن لها كثيراً، بينما فكر الرجال غالب الظن بمعاني الوفاء والاختيار والزواج المقدس.

2- انتقام الأضعف يجسد صراع الطبقات:
إذا كنت تقود سيارة فارهة، وتنتمي إلى طبقة اجتماعية عالية، وتقود على الطريق السريع متجهاً نحو منطقة نائية، فكر مرتين قبل أن تهين رجلاً آخر، تظن أنه الأضعف لأنه يقود سيارة متهالكة واسمه ماريو (يبدو أنه من طبقة أدنى، لنقل فلاحاً) واسمك دييغو. ستظن أنه بوسعك إذاً أن تشتمه باستخدام حركة الإصبع تلك، لأنك معترض على أسلوب قيادته.

ستخونك سيارتك الفارهة بعد قليل وتتوقف جثة هامدة قرب الجسر، وفي هذه الأثناء لن تصلك نجدة شركة التأمين، بل سيصلك الفلاح نفسه لكي ينتقم لكرامته. بعد وقت من الهلع ومشاهد الصراع والمطاردات التي تذكر بأفلام التشويق الأميركية، ستتحول، أنت (الممثل والتر دونادو) وماريو (الممثل ليوناردو سباراغليا)، إلى جثتين هامدتين، جعلهما الحقد كتلة واحدة (مترابطة ومتصلة)! ولكن (مفحّمة). القصة المعنونة (الأقوى) تنتهي بمجيء الشرطة إلى موقع الحدث، حيث يظن المحقق وهو ينظر إلى الجثتين المتعانقتين أنها (جريمة شرف)!

3- انتقام الموظف يجسد صراع الطبقة المتوسطة:
في حكاية (قنبلة صغيرة) نتابع قصة سيمون الموظف والأب (قام بدوره الممثل والمخرج الأرجنتيني ريكاردو دارين) الذي ينتمي إلى طبقة متوسطة، كملايين المشاهدين حول العالم الذين صفقوا وسيصفقون لـ(حكايات برية)، وهو في كل مرة يركن فيها سيارته، يتضح أنه مكان غير مرخص للركن، فتشحن سيارته إلى مرآب السيارات المخالفة من قبل الهيئة النظامية المسؤولة عن تحرير المخالفات، ما يتسبب له بأضرار معنوية ونفسية ومادية تبدأ من تخلفه عن عيد ميلاد ابنه الصغير، ولا تنتهي عند فصله من العمل بعد أن يعامل بعنف موظف تلك الهيئة.

في كل مرة يجرب أن يعترض مبيناً أن على البلدية أن تضع لافتات واضحة في الأمكنة التي يحظر على السيارات الركن فيها، وإلا (كيف لنا أن نعرف؟)، يتم التعامل معه من قبل موظفي الهيئة ببرودة تامة وبطريقة آلية تخلو من التعاطف، بل وربما باحتقار لضعفه وقلة حيلته، ومعرفتهم المسبقة بأنه سيقوم بدفع المخالفة عاجلاً أم آجلاً وإلا فلن يستلم عربته. ولكن لحظة، هل على الموظف المسكين أن يظل راضخاً طوال الوقت. لديه فكرة: سوف يحصل على متفجرة ويقوم بزرعها في مرآب الدائرة النظامية ويدمر كل شيء، حينها سيتحول في الصحف الشعبية وفي الشارع إلى بطل قومي!

4- انتقام النادلة يجسد صراعاً مع الفساد:
في حكاية (الجرذان) يدخل إلى المطعم البائس في ليلة داكنة رجل فاسد، تتعرف إلى هويته على الفور النادلة الشابة، بوصفه (الرجل المسؤول عن تدمير عائلتها والمتسبب في موت أبيها قهراً). حين تطلع الطاهية ذات الملامح الباردة التي ترتسم على وجهها صور حياة قاسية مرت بها لم تخل من السجن ذات يوم، تقترح عليها أن تقوم بدس سم الجرذان في طبق الطعام الذي طلب أن يأكله. تتردد في البداية، لكنها ترضخ لإصرار الطاهية التي يبدو وكأنها تريد أن تنتقم لحياتها أو من حياتها، لا أن تساعد زميلتها فحسب.

فجأةً، يدخل ابن الفاسد الشاب، بغتة، ويقرر الأكل من طبق أبيه المسموم، حينها تقرر النادلة الانصراف عن مهمتها وتهجم باتجاه الطبق لكي تلتقطه، ما يسبب حنق الفاسد الذي لم ترق له من البداية، فيهاجمها ويستحق طعنة من الخلف من الطاهية. تعود هذه إلى السجن الذي تظن الحياة فيه (أفضل من حياتها خارجه)، يموت الفاسد، لكن مع ضحية أخرى بريئة، هو الشاب الذي تسمم، وخسر حياته بذنب لا دخل له به. هنا تجسيد لفكرة الضحية التي تنتقم من الجلاد لكنها تتحول إلى جلاد يزهق ضحية بريئة! الممثلة ريتا كورتيزي كانت الأكثر بروزاً في هذه الحكاية ولعبت شخصية الطاهية المقتولة روحها ببراعة.

5- انتقام ضد الهدف.. المموه:
في حكاية (الجائزة) يرتضي بواب يعمل لدى رجل أعمال ثري أن يساق إلى المحاكمة بدل ابن مخدومه الذي قتل امرأة حاملاً عن طريق الخطأ أثناء قيادة سيارة أبيه الفارهة. يدبر هذه الخديعة محامي الأب، بالاشتراك مع رجل الشرطة الفاسد، لقاء مبالغ مالية ضخمة. تخاض الكثير من النقاشات التي لا تخلو من ابتزاز يقوم به الحارس والمحامي والشرطي للأب، الأمر الذي يجعله في لحظة يقرر التخلي عن ابنه حفاظاً على أمواله التي ستهدر في عملية الابتزاز. حينذاك، يراعي الثلاثة الأب ويتفق الجميع على سعر ملائم في النهاية، لكن في اللحظة التي يخرج فيها الحارس من البيت مكبلاً بقيود الشرطة وتحت عدسات مصوري الصحافة، معترفاً زوراً بأنه هو من قتل المرأة، ينال عقابه بضربة قاتلة تسدد له من زوج المرأة الغاضب والراغب في الانتقام.

يموت الحارس الذي حلم بمبلغ مالي ضخم وشقة واسعة يستمتع فيها مع عائلته بعد خروجه من السجن، من دون أن يحقق حلمه، بل ويموت معه سر الحقيقة التي لن يعترف بها أحد، ولن يتمكن الشرطي الفاسد من الإعلان عنها كونه متواطئاً. هنا، تتضامن السلطة مع القانون من أجل حماية رأس المال، ويتم التضحية بالفقير وأحلامه التي لا تخلو أيضاً من فساد وتلوث في مرات.

6- انتقام سيئ الحظ من جميع مضطهديه:
لطالما كان باسترناك سيئ الحظ ومضطهداً من الجميع، أبواه، معلمه الذي لم يتوان عن وصفه بأفشل مؤلف موسيقي، الناقد السينمائي الذي وصفه أيضاً بالفاشل ودمر فرصه، صديقته التي خانته مع أحد أصدقائه وكثر غيرهم.. حياة باسترناك جحيمية، وهو، وصل إلى مرحلة كره الجميع والرغبة بالانتقام منهم كلهم دفعة واحدة.

بعد سنوات سيحقق حلمه، وهو الآن قائد طائرة، وسوف يوجه دعوة مجانية على شكل جوائز مموهة مصدرها مجهول، لهؤلاء جميعاً، لركوب الطائرة التي يكون هو قائدها، والتي سيوجهها للاصطدام ببيت والديه، واضعاً نهاية لحياته وحياة كل من عرفه واضطهده. تسلسل المشاهد في هذه الحكاية المعنونة (باسترناك) (لا تظهر الشخصية بل نسمع عنها من الجميع) في الطائرة، حيث المفاجأة بأن كل من عليها له علاقة بذات الرجل، وصولاً إلى استنتاج أن الجميع وقع في (الفخ الطائر) خلق مفارقات من الكوميديا مسلية بذكاء.