الموسيقار الذي أبى أن يترجل، بل فضَّل أن يركب صهوة البيانو، ليكتشف مناطق موسيقية جديدة في إحساس وذكريات وقوة الشخصية المصرية، هو الذي علّم جيلاً كاملاً كيف يتنفس الإنسان الموسيقى بكل إحساسه، استطاع أن يعطي للموسيقى معنى آخر من الشجن، إذا اقتربت منه تكتشف شخصية قائد الأوركسترا الذي يصوغ كلماته مفاتيح موسيقية تفتح كل المغاليق بارتجال تارة وحس فني مقنَّنٍ تارة أخرى، وهي معادلة ستكتشفها في طيات هذا الحوار التالي.
«أرى» تسأل الموسيقار المصري عمر خيرت، فيجيب بتلقائية وثقة وصراحة يغلفها تواضع شديد، كانت لغته القريبة إلى الفصحى الرصينة أكثر دليل على أنه مبدع من زمن الفن الجميل، يتكلم فتدور كلماته حول السعادة والفنون، ليسير الحوار في تدفق جميل متنقلاً بين مراحل مختلفة من مشواره الفني، وبين الحين والآخر تصاحب كلماته حركات إيقاعية بين أنامل يده التي عزفت أرقى المعزوفات على طريقة مايسترو في حفل أوبرالي ضخم، فتشعر أن أصابعه تعزف في الهواء مقطوعة رومانسية جميلة تفانياً لحب العمل.
تتر البداية
في ردهة الاستقبال لحفل الموسيقار عمر خيرت في دبي الشهر الماضي بقاعة مركز التجارة العالمي برعاية شركة Du، كان انتظار مؤلف موسيقى أشهر الأفلام والمسلسلات والمسرحيات على الساحة العربية وغيرها من المؤلفات الموسيقية التي حصدت الجوائز في محافل عِدَّة، دقائق تمر لتظهر استعداده القوي المخلوط بملامح القلق الذي يعكس الذوق والحس الفني لصاحبه. الحديث معه كان ثرياً، فعلى الرغم من ثروته الفنية الهائلة، فإنَّ تواضعه في الحديث يجعلك تشعر بالبساطة. كان تتر البداية هو تحية إجلال للنشيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، يتبعه النشيد الوطني لجمهورية مصر العربية، وسط جموع الجمهور الهائل من جميع البلدان العربية.
قصص موسيقية
قصص لم تكتب لوجوه لم ترسم، هكذا يعبِّر خيرت بموسيقاه التي تحكي كل سيمفونية قصة غير مكتوبة، تجعل كل من يسمعها يسافر عبر الزمن من خلال قصة من مخيلته، يجعل الجمهور يبحر بعكس الاتجاه الطربي والموسيقي السائد باتجاه الزمن الجميل. لكل معزوفة رواية يرويها من خلال أنامله التي تعزف على البيانو، أبطالها هم أعضاء فرقته الموسيقية التي يقدمها إلى الجمهور كأنه الفرقة برمَّتها، قبل أن يوجِّه تحيته إلى الجمهور بانحناءته المعروفة التي يحتفظ فيها بيديه المتقاطعتين تجاه صدره وقلبه، في إشارة موحية بالتواضع والامتنان.
نزعة دينية
تبدأ عملية الإبداع الفني لدى خيرت بروحانية، ويرجع ذلك إلى التربية والنشأة في أجواء متديّنة بمزيج من الفن الراقي، والتجارب الدنيوية والإنسانية التي جعلته يعبّر عما بداخله ويخرجه بهذا الشكل الروحاني، يقول خيرت: «حينما أنوي تأليف عمل جديد، لا أقصد شيئاً بعينه، بل إنه يخرج بشكل عفوي، معبّراً عن شخصيتي الحقيقية»، وهذا ما يجعل المستمع إلى مؤلفاته الموسيقية يتلمس حساً روحياً.
ترجمة تصورية
تسأله كيف يمكن أن تترجم الموسيقى التصويرية أجواء العمل الفني؟ وما القدر الذي تعطيه للعمل؟ يجيب قائلاً: «من خلال تطويع الموسيقى لتتحدث بلغتها الخاصة عن المشهد والصورة، فتكون الإيقاعات الموسيقية بمنزلة المعادل السمعي أو الصوتي للقصة، أو الموقف أو الموضوع الذي يتناوله العمل الفني. أستطيع أن أقدم عملاً فنياً موسيقياً عن أي شيء، عبّرت بالموسيقى عن تاريخ العرب وحضارتهم كموسيقى تاريخية وغيرها، ومن ثم فإن الموسيقى تختلف حسب الموضوع، سواء كان حدثاً رياضياً أم فيلماً سينمائياً أو مسلسلاً».
برج الفن
هنا يكمن سر شارع 18 معمل السكر في غاردن سيتي، بناية واحدة تجمع صانعي الموسيقي بكل مجالاتها من موسيقيين وفنانين ومهندسي الصوت واستوديو التسجيل، عمر خيرت من أول سكان هذا البرج، حيث تجد مكتبه وحياته، وتربطه علاقة حميمة ببعض من تلاميذه الذين هم أيضاً سكان البناية نفسها، جمعت بينهم علاقة عمل في أغلب حفلاته، مثل أحمد الناصر ومودي الإمام وغيرهما من الفنانين، فلدينا شباب جُدد لديهم الرؤية نفسها، وتصل أعمالهم إلى الناس، مثل خالد حمَّاد وتامر كروان وعمرو أبو ذكرى.
9 عطور
«تصوري حتّى العطور تعرفُ الغربة وتعرف النفي»، بهذه الكلمات صاغ نزار قباني رسالة حُبّ أهداها إلى محبوبته، ولكنه لم يكُن يتخيل أن العطور ستعرف طريقها إلى الموسيقى يوماً ما، وأنها ستصحب العرافة خلال رحلتها في مصر على متن بيانو عُمر خيرت. مع شذى العطور الساحرة، بدأت حكاية الموسيقار عُمر خيرت مع مقطوعته الموسيقية الخالدة «العرافة والعطور الساحرة»، إذ تروي راقصة الباليه الكندية «ديانا كالنتي» قصتها مع تلك المقطوعة.
عندما التقت «كالنتي» بالموسيقار عُمر خيرت، طلبت منه أن يؤلف لها مقطوعة باليه موسيقية، إلى أن قررت أن تضع 9 عطور شرقية كُل ليلة أثناء أدائها الرقصات الاستعراضية، ومن هُنا جاءت فكرة المقطوعة، إذ استوحى خيرت موسيقاه من العطور التسع التي كانت تضعها الراقصة. ولم تنتهى قصة العرافة والعطور الساحرة» عند ذلك الحد، بل استخدمتها ديانا في فيلم كندي أنتج بعنوان «البحث عن ديانا»، وتضمن عدة مقطوعات للموسيقار خيرت.
اختزال مهني
رغم ثراء مكتبته الموسيقية وفريق عملة الرائع، فإن خيرت يستطيع العمل مع أوركسترا كامل في حفلات كبيرة في الوطن العربي وأوروبا، ما بين حال وآخر، فقد تتم معالجتها واختزالها لفرقة صغيرة، مثلما حدث في حفلته الأخيرة بساقية الصاوي، ساعياً إلى تلبية ما يتوقعه الجمهور، على نحو مزج فيه بين الأكثر ثراءً من الناحية الفنية، والأوفر شهرة لدى الحضور، إذ عزف خيرت بصحبة فرقته الموسيقية تيمة الحب، هويد الليل، عارفة، أنت المصري، المقطوعة الثانية والثالثة للأوركسترا والبيانو، زي الهوا، الله يا الله، ربسودية عربية، العرافة، فيها حاجة حلوة، تترات مسلسلات، وموسيقى تصويرية لدراما تلفزيونية وسينمائية، منها وجه القمر، وليلة القبض على فاطمة، صابر يا عم صابر، مكان في القلب، قضية عم أحمد، البخيل وأنا، مسألة مبدأ، مافيا، خلي بالك من عقلك، وغيرها.
ملكية فكرية
يحصل انتهاك حقوق الملكية الفكرية عند استخدام أو توزيع معزوفة تعود ملكيتها إلى جهات أخرى، ويقول خيرت عن هذا: «السرقة الفكرية هي أن يأخذ أحدهم مقطوعة من إبداع من فريق عملي بدون إذن أو تصريح لعملية الاستخدام أو التوزيع. بعض ما تشتمله هذه المواد يشمل أعمالي الموسيقية المُحملة على موقعٍ ما، إضافة إلى استخدام الملفات الصوتية دون مراعاة حقوق الملكية الفكرية الذي يعتبر من أكثر صور انتهاك الملكية الفكرية شيوعاً. ومن موقعي أناشد المختصين تطبيق القوانين الصارمة لتكون خير رادع».
إسفاف شعبي
هناك موجة ممن يدعون أنهم مطربون شعبيون، من وجهة نظرك هل تعتبر هذه موسيقى؟ وكيف تصنفها؟ يجيب خيرت عن هذا التساؤل قائلاً: «البعض يصف هذه الحالة باللون الشعبي، ولكني أصنف مثل هذا النوع بالإسفاف، وهذا هو الفرق بين أغنية الأمس وأغنية اليوم، فالأغنية القديمة كانت ثرية، والدليل أنها مستمرة في الوجدان حتى يومنا هذا، أما الآن فما نسمعه هو أغنيات تجارية هدفها تحقيق الربح، لذا قلما تجد أغنية تعيش بين الناس فترة طويلة».
وراء الكواليس
بينما يستعد عشاق ألحان عمر خيرت لحضور حفله، وسط أجواء خاصة، تبدأ بالحصول على التذاكر بعد عناء، وتنتهي بهم في أبهى صورة وسط جمهوره، يستعد الموسيقار الكبير على الجانب الآخر لحفله بطقوس خاصة لا يعرفها إلا دائرة قريبة جداً منه، تبدأ بالاطمئنان إلى البيانو الذي يعزف عليه قبل بدء الحفل بوقت مناسب. ويبدو الموسيقار الكبير شديد التركيز والهدوء في الوقت نفسه، خلال تفقده الاستعدادات الأخيرة للحفل، للاطمئنان إلى أن كل شيء على ما يرام. أما استعدادات الفرقة الموسيقية فتبدأ قبل ذلك بكثير، ويقول خيرت: «إن البروفة ضرورية لمعايشة إحساس الموسيقى، والجمهور يتفهم إحساس الموسيقار الذي يعتبر السر في مصداقيتها».


