باتت المعرفة من أهم مقومات النهضة لدى الأمم، ولعل الأرقام والألقاب التي حققتها الأمم المتقدمة في التميز والابتكار والأمن والاستقرار، كانت من مُخرجات المعرفة التي لاتزال تؤسس لمجتمع قادر على مواجهة التحدّيات. مجتمع خالٍ من الفراغ المعرفي الذي قد يؤدي إلى تبعات خطيرة تصل إلى حدّ الجريمة، هي أفكار ورؤى حاولنا استخراجها من أولي المعرفة على غرار د. لانا مامكغ، وزيرة الثقافة الأردنية التي تسخّر عمرها من أجل أن تبقى المعرفةُ العنصر الذي يحرّك كل ساكن يتحرك معه الإنسان من أجل بناء شخصيته وأسرته ومجتمعه، ليكتمل عقد التألق والتمكين بكل معانيه السامية. وقد كان لنا معها هذا اللقاء على هامش مؤتمر المعرفة الأول الذي عقدت فعالياته في دبي.

خلفية ثقافية
بشوشة وصاحبة حضور آسر، تستطيع أن تجتذبك بتلقائيتها بعيداً عن البروتوكول الذي يحيط بالوزراء وأصحاب السعادة، د. لانا مثقفة قبل أن تكون صاحبة حقيبة وزارية في الأردن، فقد قضت حياتها بين التأليف والإعداد والتنقيح على غرار إعداد وتقديم برنامج «هم والقانون» وإعداد وتقديم برنامج «تأملات» في الإذاعة الأردنية عام 2000. كما أنها كاتبة لنصوص درامية في التوعية القانونية للإذاعة الأردنية، هي جملة من الأفكار والرؤى تحاول أن تبعث بها رسائل في كل مكان تحط فيه، من أجل أن يكون الإنسان العربي ملمّاً بالدرجة الأولى بما يحيط به، على غرار حضورها في مؤتمر المعرفة الأول الذي نوهت بدوره في ترسيخ المعرفة عند الشباب العربي، وتمكينه للحصول على المعرفة من أجل المساهمة في بناء ذاته وأسرته ووطنه على أكمل وجه.

تعددت المصادر والمعرفة واحدة
تشيد وزيرة الثقافة الأردنية بالدور الفاعل الذي تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي بكافة وسائلها في بناء شخصية الإنسان العربي معرفياً، ولكنها في الوقت ذاته تشدد على ضرورة عدم الاكتفاء بها والتحذير من بعض الأفكار التي تندس في طياتها، وضرورة تمحيصها وتصفيتها من قبل أُولي الاختصاص من مدرسين وعلماء نفس ودين وأولي الأمر للخروج بنتائج أمثل تعود بالفائدة على المتلقي العربي، مشيرة إلى أنه لابد من دور محوري للجامعة العربية من أجل تقنين التعامل مع الإنترنت للحد من ظاهرة الأفكار الهدّامة التي تدمر القيم المثلى للمجتمع العربي. فالتنويع في المصادر حسنة لكن مع حسن الاستغلال.

حصانة العقل
تشير د. لانا إلى أن العقل العربي جبار وقابل لإعطاء الكثير للإنسانية لذلك، تقول الوزيرة إنه لابد من استغلاله عبر توجيهه التوجيه الأمثل للنهوض بعقل يرفع التحديات في أصعب المحطات والمواقف. كلام تشدد عليه د. لانا لما له من الأهمية في تنوير الإنسان وإعطائه الجرعة الكافية من المعرفة، سواء في المدرسة أو الجامعة أو المعهد، من خلال خلق مناهج تواكب الحضارة العالمية بعيداً عن التلقين. تريد مامكغ من أولي الاختصاص في التربية والتعليم، وحتى الأولياء أن يشاركوا مع الطفل والتلميذ والطالب في حل ما بدر في ذهنه من أسئلة. تريد أن «نجيب معه وليس عنه»، عبارة تختزل الكثير من معاني المشاركة الفعالة التي لابد من تبنيها كنمط في التربية والتعليم والتثقيف، لاسيما أننا نشهد طفرة في المعلومات، ولكن دون إرشاد ودون مشاركة فعّالة مع المتلقي، فعصر التلقين حسب الوزيرة ولّى. ولا بد من استغلال الإنسان وإعطائه الجرعة الكافية من الثقافة منذ نعومة أظفاره، لأن المعرفة لا تقل أهمية عن الطعام والشراب.

الاحترام
احترام عقل الإنسان من أهمّ مقوّمات المعرفة حسب د. لانا، لأنه ينبع من احترام المعرفة التي يختزنها ذلك الإنسان، فلابد من إعطاء الفرصة للإنسان العربي كي يُخرج ما لديه من معرفة ليستفيد منه محيطه ووطنه، فتشجيعُ الأفكار الخلاقة بداية عملية تعبيد الطريق أمام الابتكار، وهو ما يسفر عن حضارة تُبنى على الإنسان لا على البنيان. وتشدد د. لانا على ضرورة إشراك الطفل في النقاش، حتى تتبلور عنده مفاهيم حول النقاش المثمر والفعال الذي يعطي ديناميكية قوية للنهوض به على المستوى الشخصي، وبالتالي قدرته على صنع رأي مبتكر.

البحث العلمي
إن البحث العلمي في وطننا بات من الأهمية بمكان من أجل تعزيز حضور الإنسان العربي في المحافل الدولية، ورسم ملامح واضحة للكيان العربي من خلال الرجوع إليه، تقول الوزيرة، وذلك باستغلال الموارد البشرية وتزويدها بالثقافة المطلوبة وتلقفها بعد تخرجها من الجامعات والمعاهد. لذلك تقول د. لانا: لابد من وضع البحث العلمي بعين الاعتبار وخلق مساحة كافية في المناهج الدراسية لهذا العنصر المهم الذي عليه مدار حضارة الأمم بوضع ميزانيات معتبرة وأساتذة أكْفاء يكونون على قدر المسؤولية.

فعاليات ضرورية
تشدد وزيرة الثقافة الأردنية على ضرورة عقد مثل هكذا مؤتمرات كـ«مؤتمر المعرفة الأول»، من أجل خلق بيئة معرفية متكاملة يتشارك فيه أصحاب القرار والمختصون في مجال المعرفة بشتى أنواعها ومصادرها، منوهة بدور الإمارات في تشجيع الأفكار الخلاقة التي تنوّر العقول وتبني قاعدة معرفية قوية تنهض من خلالها الأمم.

فعقد مؤتمرات وندوات وورش مفتوحة تُعطي دفعةً للإنسان لابتكار وإيجاد أجواء مناسبة للإبداع وتمكينه داخل وطنه لإعطاء الكثير، منوهة بدور العقل العربي في بناء حضارات متعددة، لاسيما أولئك الذي هاجروا من بلدانهم بسبب عدم وجود أجواء مثالية تساعدهم على الابتكار.

المرأة في عيونها
لم تتردد د. لانا في الثناء على المرأة العربية التي انتقلت من دور المتفرج إلى دور الفاعل في مجتمعها ووطنها، لأن المرأة، كما تقول الوزيرة، متى أعطيت لها الفرصة في الأخذ بزمام المبادرة، ستفعل المستحيل ولعل الأسماء اللامعة في شتى الفنون في أنحاء الوطن العربي خير دليل على ذلك، فمن المهم بناء شخصية المرأة المتزنة التي تحمل الكثير من المشاعر التي تخوّلُها أن تهزّ العالم بيدها اليسرى كما هزت رضيعها بيدها اليمنى. لذلك تقول د. لانا، علينا ألا نصنّف المجتمع إلى ذكوري وأنثوي، بل إلى كيان فعال مهما كان جنسه أو لونه أو قبيلته، فنحن بحاجة إلى بناء الإنسان ومنه المرأة، لتكون على قدر المسؤولية في مواجهة الصعاب والتحديات التي تمر بها المنطقة، فمجتمع يقرأ ويفهم ما يقرأ يكون أقوى بكثير ممن يُلقّن ولا يفهم. نحن بحاجة لعقل يفهم أكثر مما يخزّن.

الترياق
تنوه د. لانا بدور الثقافة في تنوير الإنسان، ولاسيما الأدب الذي لم يصبح نافلة القول أو مجرد وقوف على الأطلال، بقدر ما هو مغذٍّ للفكر وملح الروح كحاجة الطعام إلى الملح، هو الأدب الذي يجعل الإنسان قوي الحجة، بالغ الأثر في مجتمعه سلطان المجلس، هو الأدب الذي لم يكن في أيام خلت مجرد كلمات مصفوفة بقدر ما كان رسائل قوية تصل إلى المعنيين بكل قوة، لأن كل كلمة رصينة تمثل حال كاتبها وشخصيته فكأنه جاثم أمام قارئ الكلمات. فلابد، تقول د. لانا، من الاهتمام بالأدب لأنه يصوغ شخصيتنا بطريقة أنيقة وفي منتهى السحر.

اللغة الأم
اللغة العربية وما تحتويه من مفردات كثيرة واشتقاقات شتى، غنية وزاخرة لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، لأنها مصدر عزتنا تقول د. لانا، ولا يمكن أن نجعل ذريعة الاستغناء عن هذا الرصيد بأنه لا يواكب الحضارة بل على العكس، هو الماضي الذي نعتز به والحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي ننشده في إشارة إلى قوة اللغة وثرائها، مشيرة في ذات السياق إلى ضرورة تجنيد أبنائنا لحمل هذا الإرث القوي من أجل تمكينهم في المعرفة باللغة الأم من خلال خلق مناهج تعليمية عربية قادرة على مواكبة الحاضر بكل ثقة.