في نوفمبر الماضي انطلقت حافلة حمراء من قصر في منطقة الزمالك بالقاهرة، تحمل مجموعة من المحترفين الذين كانوا يلوحون بأعلام، فيما الحافلة تمخر عباب الزحام في المدينة الصاخبة، وتجول في المناطق الأثرية. كانت تلك حافلة «ماريوت العالمية» وتحديداً إدارتها في مصر، لكي تقول، على طريقتها، شكراً للعملاء الذين آمنوا بأن مصر لا تذوي، وبأنها قبلة الزوار من العالم كله، يأتون إليها بشغف كبير.

قرن ونصف من الشغف
لكن حكاية الشغف بذلك المكان، الذي انطلقت منه الحافلة، أي فندق «ماريوت القاهرة وعمر الخيام» الذي حمل فيما مضى اسم «قصر الجزيرة» هي حكاية طويلة، أبطالها أيضاً رفعوا راياتهم في كل العالم ذات يوم، لكي يروجوا لجمال القاهرة وفخامتها وعظمتها. إنها قصة عمرها أكثر من 150 سنة، منذ أن اشتركت خبرات فرنسية والمانية ونمساوية وإيطالية وإسبانية وعربية في تحقيق حلم «الخديوي إسماعيل»، حاكم مصر، بتشييد صرح عملاق، في حي راق على النيل، لكي يتباهى به أمام ضيوف العالم الآتين إلى القاهرة للاحتفال بافتتاح «قناة السويس» وتحديداً الإمبراطورة أوجيني.

لعيون أوجيني
كان الخديوي إسماعيل قد زار فرنسا وعاد في العام 1865 إلى مصر عاقداً النية على بناء قصر مشابه للهندسة التي أنبهر بها هناك، وقد باشر بإنشاء حي كامل قرب النيل أطلق عليه اسم «حي الخديوي إسماعيل»، كان «قصر الجزيرة» أحد أهم عمائره الضخمة والملفتة، والذي اكتسب أهمية خاصة بسبب استقباله الوفود الأوروبية التي شاركت بحفل افتتاح «قناة السويس» وعلى رأسهم الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث إمبراطور فرنسا آنذاك. احتلت الإمبراطورة مكانة خاصة في عقل وقلب الخديوي الذي أراد إبهارها فأمر ببناء قصر يشبه قصر «توليري بالاس» الذي نشأت فيه في باريس. ولاستكمال عملية الإبهار، فإنه حرص على إضفاء الجو الأندلسي الذي يدمج الإسباني مع الإسلامي، كون الإمبراطورة من أصول إسبانية.

حافلة الزمن
لنتخيل أن تلك الحافلة الحمراء كانت متواجدة يوم الاحتفال لكي تقول «شكراً» لكل الضيوف الذين يعشقون مصر والذين توافدوا على قصر «الجزيرة» في ذلك الاحتفال المهيب. وأن عليها محترفين أيضاً لوحوا للخديوي والإمبراطورة والضيوف. من سيكون على تلك الحافلة؟

•    من فرنسا المهندس الشهير Jean Pierre Barillet Des Champs الذي كان أول من عهد إليه بتحويل الجزيرة المحاطة بالقصر إلى حديقة. أطلق على هذه الحديقة اسم «حديقة النباتات» إذ كانت تضم ما يزيد على مليون فصيل مختلف من النباتات النادرة والغريبة التي امتدت على مساحة 20 هكتاراً حول القصر، وتم اختراقها ببحيرات وممرات. ضمت المساحة أيضاً «الحديقة الملكية للحيوانات» التي شملت 75 فصيلاً من الحيوانات النادرة تم استقدامها من دول مختلفة من العالم، إضافة إلى «كهف العصافير» الذي شمل 150 نوعاً من الطيور، تم بناؤه باستخدام حجر صخري من الإسكندرية، كما تم تثبيت تمثال يجسد تدفق نهر النيل.

•    من ألمانيا Carl Von Diebitsh المصمم الألماني الذي كان أكثر المهندسين الذين فهموا رؤية الخديوي وشغفه بإبهار الإمبراطورة ونفذ له ما أراد، عبر التصميم «الموريسكي». الأقواس التي لا تزال موجودة إلى يومنا هذا قام المصمم الالماني كارل بتجهيزها كقطع في مصانع Launchammer في مدينة دريسدن الألمانية. وقبل رسم أشكالها وتصنيعها، كان عليه أن يقضي حوالي ستة أشهر في مدينة غرناطة الإسبانية الأندلسية لكي يدرس أسرار العمارة الموريسكية هناك وتحديداً الاقواس والقناطر. ومن برلين تم استقدام جزء كبير من المفروشات، إضافة طبعاً إلى باريس، أما المصنوعات ذات الصبغة الشرقية، فقد وردتها «شركة بارفيس بالقاهرة» التي يملكها Cavalier Parvis من تورين الإيطالية.


•    من النمسا النمساوي Julius Frantz أحد أشهر المهندسين الذين عملوا على هذا المشروع منذ العام 1863 إذ كان أول من عهد إليه بالمشروع. من البلد ذاته سيقف الى جانب يوليوس في الحافلة مسؤولو شركة الخشب في فيينا J.Mannstein التي عملت على إمداد الفندق بكل المقتنيات والديكورات والتحف الخشبية.

•    من فرنسا أيضاً De Curel Del Resso الذي له بصماته على «قصر عابدين» وتام استقدامه حين لمس الخديوي أن المشروع قد يتأخر عن الإنجاز في الوقت المحدد. ومن ليون الفرنسية تم استقدام الحرير Detrogat.

•    من إيطاليا شركة Bonnani هي التي وردت الرخام من توسكانا.

القاهرة كلها في «بروموناد»
كل من تريد أن تراه في القاهرة، سوف تصادفه هنا. من رجال السياسة والفكر، إلى الفنانين والشعراء والكتاب، والمتحدرين من السلالات الملكية في مصر والعالم العربي، والصحافيين، والغارقين في حب القاهرة والباحثين عن مكان فيها والمنتظرين والعشاق حول حوض النافورة وتحت «شجرة العصافير» الباسقة.. كل هؤلاء وأكثر ستجدهم في «بروموناد كافية» الممتد على طول واجهة القصر القديم، وجلساته داخلية وخارجية، يتم استخدامها من أجل عقد الفعاليات الخاصة بالشركات وايضا المناسبات الخاصة الحميمية، إضافة إلى حفلات الشواء في الهواء العليل.

هذه ليست تجربة الاطعام الوحيدة في هذا الفندق، الذي تكتسب فيه كل دعوة على المائدة تجربة ثقافية وابداعية خاصة تدمج بين المذاق وبين الجو وسحر التاريخ والفن والثقافة الاثنية.

«الليالي المصرية» يكاد يكون أحد أرقى الوجهات في وسط القاهرة التي بوسعك أن تتمتع فيها بمذاقات المطبخ المصري العريق جنباً إلى جنب مع البرنامج الترفيهي الغني، الذي يشتمل على فقرات غنائية لأصوات محترفة، والذي يتغير كل يوم كي لا يضطر نزيل الفندق إلى السهر خارجه. المطعم أيضاً في الهواء الطلق، ويقدم الفلافل والكشري والفول والكبدة والحمام المحشي والكباب والكفتة والأسماك وأطباق الحلويات مثل «أم علي»، أما الخبيز فيتم بشكل مباشر وحي أمام رواد المطعم، إذ تقوم سيدتان بلباس الريف التقليدي، بتحضيره وعجنه وخبزه وتقديمه شهياً. يعتبر هذا المطعم، إلى جانب بروموناد، وجهتين رئيسيتين بالنسبة إلى النزلاء من دول الخليج العربي، إذ يشكلان تجربة ثقافية لا غنى عنها في أجواء راقية.

مزيد من الخيارات
بالحديث عن الأجواء الراقية، فإن تجارب الإطعام تشمل أيضاً سرايا جاليري التي تم تطويرها حديثا، وتجديد ديكوراتها، في الدور الأرضي للقصر، وتكتسب جدرانها وأسقفها وأرضيتها، إضافة إلى الأثاث والمعروضات الفنية من اللوحات والتحف والمرايا، أهمية كبيرة، ترقى إلى المحفوظات الوطنية التي يتم مقارنتها بمحفوظات المتاحف. ومن الشائع أن ترى وفوداً سياحية تتوقف في هذا المطعم (في أوقات خارج الوجبات) من أجل أخذ صور تذكارية فيه.

مطعم توسكاني لا يقل روعة من ناحية الديكورات، في أجواء من المخمل والكريستال، يقدم المطعم أرقى الأطعمة المميزة من المطبخ الإيطالى والتي تضم اللحوم المشوية والأسماك البحرية وأشهى المأكولات الإيطالية.

ومن المطبخ الأميركي هناك رويز كانتري كيتشن وهناك الستيك الأميركي الشهي في جي دبليو ستيك هاوس (علامة مسجلة لفنادق ماريوت وموجود في فنادق أخرى من ذات السلسلة حول العالم) ومن المطبخ الإنجليزي الهاريز بوب. الوجبات الخفيفة تجد لها مكاناً في البيكري (فطائر ومخبوزات) ووافل« (على حمام السباحة).

أما »عمر كافيه» فهو المطعم الرئيسي في الفندق للإفطار والعشاء يومياً، ويتميز بفريق عمل يجمع بين مهنية الضيافة والسمات الشخصية التي تجعله محبباً عند نزلاء الفندق الذين يعودون لكي يسألوا عن هذا الفريق في كل مرة.