أنا مدمن على حبوب المهدئات ليل نهار، أبحث عن روحي، بعيدة عني، كما هي أحلام الوظيفة والمال الشريف، أبحث عن روحي، لكن المهدئات تقتلها، وتقتلني، وتقتل الكثير من الشباب من أبناء جيلي، الذين يقف بعضهم الآن لكي يتفرج على موتي، في الساحة العامة، ساحة القصاص، عند إشارة المرور، فيما بعض النساء ينتحبن والبعض الآخر يلوي شفتيه تأسفاً، أو شماتةً، والشباب الأصغر مني سناً يتناقلون مشهد إعدامي في فيديوهات تبث مباشرة على شبكات الإعلام الاجتماعي.. وأمام كاميرا مخرج الفيلم.

اسمي نافيد وجريمتي أنني أعشق سيتاري، وأنني مستعد للموت من أجل من أعشق، لكنني عاجز، عن الفوز بها، وعن التغلب على غضبي المكبوت في داخلي كبركان يتحضر للانفجار في أي لحظة، وأخاف أن يدمرني الانفجار ومن حولي.

سوف ألفُ طهران من شرقها إلى غربها، وأذرعها بخطواتي المتثاقلة تحت تأثير الدواء، وأطرق كل الأبواب، وأفتش في دفاتري عن عناوين زملاء المدرسة وأصدقاء الأصدقاء، وأستجدي وظيفة شريفة، في المدينة التي يتحدث عن إرادتها القادة في كل وقت عبر شاشات التلفاز، وعن كونها ضحية الحصار الذي يكلف كل فرد من أبنائها ومن أبناء البلاد فاتورة باهظة من العيش الضنك والمعاناة.. عليه أن يدفعها بكرامة وطنية وكبرياء الانتماء.

لحظة، هل قلت كل أبناء الوطن؟ هل يدفعها ذلك الشاب، المدلل، كريه الوجه، منفر الملامح، الذي يقود سيارته الفاخرة ويملك برجاً له واجهات زجاجية تقي من خلفها من تلوث الفضاء والنفوس، وتلوث الأفكار والأماني، وتلوث الأمل بمستقبل أفضل لمن هم في وضعي.. هل يدفع فاتورة الحصار «العادلة» قريبي الذي يتاجر بكل شيء، وتنهمر أرقام الأموال من مكالماته الهاتفية في كل لحظة؟ هل يدفعها إلا المقهورون أمثالي.. الضعفاء الذين يستغلهم أرباب العمل ويتلاعبون بكرامتهم لأنهم فقط يملكون القدرة على التحكم بأرزاقهم؟

سأضرب اليوم رب عملي الذي يهينني، ويقول أنني «حشرة» لا تقوى على شيء، سأغضب، وأستيقظ لوهلة من تأثير الأقراص، والكمه، وأهشم عظمة يده، لكنه سينتقم عاجلاً أم آجلاً ويسحقني هو ورجاله تحت الأقدام.. كحشرة!

أنا لست غاضباً، أنا لست غاضباً، أنا لست غاضباً.. عليّ أن أردد هذا باستمرار.. هكذا طلب مني المخرج، في الحكاية التي أرويها، لكي أستمر في روايتها لكم طيلة ما يقارب الساعتين.

ليست حكايتي كلها سوداء، ففيها وقت للفرح والنور المنبعث من روحي في أوقات نادرة وثمينة.

حين ألتقي سيتاري، أنتظرها عند بوابة الجامعة (التي طردت منها للأسف لأسباب لا أقوى على التصريح عنها بشكل واضح الآن)، وحين تبتسم في اللحظة الأولى التي تلمحني فيها، أشعر أنني أحلق، مرتفعاً فوق غيوم المدينة السوداء، وشعاراتها السوداء وأفكارها السوداء وأحلام شبابها المرملة وأمنيات أهاليها التي ترتدي ثياب الحداد وغيوم التلوث الداكنة وبالتأكيد فوق الأبراج الشاهقة للأموال الفاسدة.

أحلق، وأعود لكي أخطف حبيبتي على جناحيّ وأطير بها مرة جديدة إلى فضائنا السعيد. وأمنياتنا البسيطة والمتواضعة، مثل لقاءاتنا، نأكل أصابع الفطائر الهندية الحارة من عربات بيع الطعام في الشارع، نلعب البلياردو، نغني، وفي مرات، حين يأخذنا الشوق إلى من مات من أصدقائنا في أحداث التظاهرات السياسية التي تم قمعها بوحشية في 2009، نجلس على الإسفلت، في البقعة التي سقطت فيها صديقتنا ولم تقم، ونرطب الإسفلت بالماء، ونملس عليه بأكفنا. نسقي ذكراها العطشة، المتشققة، الجافة، وروحها المضطربة اللاهثة الغاضبة علها تعود من جديد.

أنا لست غاضباً، لكنني إنسان. من لحم ودم. يبحث عن الحرية، والكرامة والحق في أن يحب ويكون محبوباً، ويفوز بمن يحب، وحين يبتلعني العجز، وتصبح المهدئات باعثاً على الهلوسة.. سوف أفقد رشدي، وأقتل من يمنعني من أن أكون مع من أحب، حتى لو كان أبوها. سينفجر بركاني، في وجه هذا المسكين، وأقتله، وبدل أن أنال مرادي، سيعلقونني عند إشارة المرور ويتناقلون صور رقبتي المدلاة.

أنا لست غاضباً.. أنا فقط رويت لكم حكايتي.. هل غضب أحد منكم؟».

التوقيع: نافيد، إيراني كردي أعيش في طهران، أو.. كنت كذلك!

(الرسالة متخيلة ومبنية على أحداث فيلم «أنا لست غاضباً» للمخرج الإيراني رضا دورمشيان من تمثيل نافيد محمد زاده وباران كوساري وآخرين وعرض في «برلين السينمائي» و«دبي السينمائي» و«القاهرة السينمائي» ونال جوائز عدة.)