رغم أن عنوان الفيلم يتحدث عن السكون باعتباره اسماً، إلا أن الفيلم يأخذك إلى النقيض، حيث يحمل من ديناميكية الحركة والفعل الدرامي الكثير. وهو وإن كان «ساكن» إلا أنه –في الغالب- ينجح في تحريك الساكن داخلك، وينبش نقطة عميقة من خلال تناوله القضية الفلسطينية من منظور إنساني لطالما غاب عنها. البطل مقاتل سابق، إلا أن عبثية الحرب، والنيران الصديقة -أصيب قبيل الاجتياح الاسرائيلي للبنان بأربع أشهر- أدت لإصابته بشلل أقعده في السرير طيلة أعوام. وهنا تكمن الحكاية التي نبشتها المخرجة ساندرا ماضي عندما التقت به صدفة خلال تصوير فيلمها الأسبق، إلا أنها قررت أن لهذه الحكاية مساحة وخصوصية لابد من تناولها لوحدها، وهذا ما حصل بعد سنوات عندما عادت إلى الأردن لاستكمال التصوير مع «إبراهيم» المقاتل السابق في منظمة التحرير الفلسطينية، وشريكه وليد القادم إلى الأردن بحثاً عن فرصة عمل حين التقى إبراهيم للمرة الأولى، ولم يفارقه منذ تلك اللحظة.
إلا أن بطل فيلم «ساكن» التسجيلي اختار نهايته. أول سؤال خطر في بالي بعد الاستفاقة من صدمة النهاية هو: ماذا خططت المخرجة ليكون المشهد الختامي؟. الفيلم كان في عرضه العالمي الأول خلال مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية، وكان هذا الحوار مع «أرى» بعد عرض الفيلم على درج مسرح توشنسكي.
سأنطلق معك من البداية وكيف بدأت فكرة الفيلم؟
عام 2008 كنت أصنع فيلم «ذاكرة مثقوبة» الذي تناولت فيه المقاتلين القدامى بمنظمة التحرير الفلسطينية والتقيت إبراهيم. عندها قررت أن أصنع شيئاً عن إبراهيم وأن يكون فيلماً لوحده، لكن الموضوع أخذ وقتاً حتى نضج. لم أكن قد قررت ماذا سأفعل عند تصوير الفيلم، خصوصاً أن مكان التصوير محدود، فأن تصور في غرفة وأحد نائم أغلب الوقت لأمر ليس بهذه السهولة، فكنت أبحث عن الطريقة وكيفية العمل، وعندما استقرت الفكرة أنها ليست عن إبراهيم وشلله، تناولت الموضوع.
شاهدنا التقاطعات بين حياة إبراهيم والتحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية.
في الواقع هي تجربة حياة بين اثنين في ظرف غير عادي، وهذه الفرضية فرضية الحياة، وحكاية إصابة مقاتل سابق، وحكاية إصابته وأنه قاتل واستبسل وأصيب في اشتباك لتأمين موكب عرفات، وعن العبث واللاجدوى والحرب الأهلية، والتناقضات السياسية وكل الجنون واللامنطق الذي أحضرته الحرب. في حقيقة الأمر لا يوجد حرب غير سوية. فمثلاً أصيب «إبراهيم» عندما كان يؤمن الطريق للقائد، وفي النهاية يقرر المسؤول عن حماية الموكب أن يمر الموكب من طريق بديل، وهذا يعني أنه كان لديهم الخيار أساساً لطريق أخرى.
وتقاطع الرسائل في هذا العمل لم أكن من اخترعه، إنما هو مليء بالترميز والتصريح، فعندما قرر «عرفات» تغيير الطريق إلى طريق ثان، من الكفاح المسلح إلى المفاوضات، أما الزمن فهو تاريخ خروج المقاومة من لبنان إلى الدياسبورا الجديدة في تونس والجزائر واليمن ثم أوسلو، وهو الطريق البديل، ومن عنده دراية بإمكانه التقاط هذا الترميز.
هل اختلف تخطيطك لصناعة هذا الوثائقي عن غيره من أفلامك الأسبق؟
نعم جدا. أعتبر هذا الفيلم راديكالياً أكثر من ناحية طريقة العمل، وأعتبرها متطرفة أكثر تجاه السينما التسجيلية المراقبة والتي أجد نفسي فيها أكثر، وبالنسبة لي كانت الفكرة والشغل تجربة مفتوحة على الاكتشاف، وهذا ليست شعاراً أو شيئاً أقوله. بالنسبة لي كان الشكل غير منفصل عما يحدث، وإلى أين أريد الوصول أكثر. هو عنه؟، أم هو عن القضية؟. لا. هو عن إنساني بين الاثنين. لحظة الضعف بالنسبة لي هي قوة.
عندما يستطيع الإنسان التعبير عن داخله، وفي الوقت نفسه هو متماسك وعنيد وصبور وإيجابي، هو قمة القوة. لذا هناك الكثير من المعاني التي كانت بمثابة اكتشافات بالنسبة لي. خصوصاً العلاقة التبادلية بين القوة والضعف في علاقة وليد وإبراهيم. وليد يزعل من إبراهيم فينزل السكر لدى الأخير، ونجد وليد يقدم له البيبسي ويطعمه البسكويت لرفع السكر لكن دون أن يتصالحا.
لكن إبراهيم كان مستقرا في بيت أهله ولكنه جاء زيارة إلى المشفى التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأردن واختار أن يستقر فيه لماذا؟
لا أريد أن أجيبك عن كل الأسئلة. لست أنا شخصياً، لكن الفيلم. عندما تسأل إبراهيم يقول: "هنا اريحلي، وليد يتسلى هنا"، لكن هذا غير دقيق. هو يريد أن يكون في مكان فيه عسكر، وأناس تزوره ببدلة عسكرية، ومن الشباك يسأل وليد ماذا يفعل الجنود اليوم، فيجيبه لا شيء، فيما المشهد يأخذك إلى الجندي الحامل لبندقيته بسأم وكأنه يكاد أن ينتحر، لكن إبراهيم مصر على الانتماء للفكرة نفسها.
شعرت بإيجابية «إبراهيم» وكم حياته مرتبطة بمنظمة التحرير وفوجئت بموته حين خرج من المشفى، ودلالة ارتباطه العميق بالقضية الفلسطينية وحرصه على الحياة داخل المكان الذي يوحي له بوجوده فيها، وموته حين خرج. هل كان موته نتيجة عارض صحي؟
في النهاية كما سألتني بعد العرض عن كيفية معالجة النهاية مع موت البطل أثناء العمل دون ان يتوقع أحد هذا. في الحقيقة إبراهيم لم يتوف لسبب صحي، وهذا حقيقي. في الواقع هو لم يكن يعاني من أي مرض، صحيح لديه قصور كلوي والسكر غير مستقر أحيانا لكنه صحته مستقرة. ربما أراد أن يفرج عن وليد بعد كل الشد والرخي وكأنه تعب، حيث يقول له: "خلص خليني ريحك من همي وانت أجاك ولد"، بمعنى ما اطلق سراحه. هذا هو الهدف، وهو قدم نهاية الفيلم بيده. موته لم يكن موتاً عادياً، لكن موته ليس نهاية للفكرة.
لم يكن سهلاً علي أن أقول إن موت إبراهيم والتصريح عنه هو إعلان موت، لأن إبراهيم فكرة لا تموت. أنا لا أصنع مرثية عنه، إنما محفز وربطت الموت كنهاية بالرسالة الكبيرة وهي أن أي شخص ثوري حتى لو كان في مشفى "مهرهر" –الله يرحمك يا عمر أميرلاي (أستاذي). كان يعرف عن الفيلم قبل أن يموت وكان ع طول يقول: «لا تصوري شي بيهرهر». حتى فكرة مستشفى وأن كل المعالجين فيه هم من الجيش وهم كوادر قوات بدر في جيش التحرير الفلسطيني وهو غير فاعل على الأرض، ماذا يفعل جيش تحرير فلسطيني في الأردن؟؟!!. رغم ذلك إبراهيم اختار البقاء في المشفى.
تقنيا عندما بدأت الفيلم هل كنت قد وضعت نهاية وهل كان عندك تقدير كيف ستكون النهاية؟.
استغرق التصوير أكثر من سنتين بقليل، وعندما بدأت لم أكن أتصور النهاية أبداً. التصوير كان بأوقات متفرقة. كنا نصور ونغيب قليلا. نحاول اللحاق بالأحداث حتى استقر الشكل. كنت أريد الدخول في ديناميكة العلاقة بين الاثنين، فأنت تدخل في زعلهم اليومي كأي ثنائي، وتقترب من الإنساني بطريقة تصير حشرية في بعض الأوقات.
تخلص ساندرا ماضي للقضية الفلسطينية و تتناولها في أفلامها كلها لكن ألا ترين في هذا حدوداً إبداعية؟
هذا ينطلق من البداية، ويبدأ من كوني منتمية لفكرة وقضية، وأحس أنها مادة دسمة وغنية وأجد نفسي فيها، فلماذا سأصنع شيئاً عن غيري، فيما الناس تأتي للانتماء إلى فلسطين. ليس لأن لدينا دراما أو مصائب لكني أجدها مادة إنسانية غنية ولم نتناولها كما يجب، ونتعامل معها بردات الفعل أو الكليشيه ولم نقترب من الجانب الأكثر انسانية. القضية مقدسة لكنها تكتسب بعداً أهم، من خلال أناس في الظل. بالنسبة لي إبراهيم هو لي بطل خارق. عمره الثوري سنة ونصف، وثلاثون عاماً من الشلل. ما يستفزني هم ناس في الظل وليسوا في الصدارة.
لو كان إبراهيم لا يزال حياً وكنت مستمرة بالتصوير، متى كنت لتتوقفي وتصوري مشهد النهاية؟
بصدق أكيد كان عندي إحساس أني في لحظة سأصنع القرار بالنهاية التي أنتظرها، أو ستخرج في لحظة سحرية. هناك أشياء مصنوعة لكن بهذا لم يكن عندي هذه الأريحية والترف لأقول سأصور الفكرة الفلانية، أو سأصور كذا وبعدها النهاية. كان للعمل سرديته الخاصة والناهية مرتبطة بأين يصل الفيلم. فعندما سافر وليد إلى مصر كنا نتنظر هل سيعود أم لا؟. هو قال إنه سيعود لكننا كنا نتساءل إذا شاهد ابنه هل سيغير رأيه؟.
في التريلر الخاص بالفيلم كان هناك مشهد حوار بين وليد وزوجته، لم نشاهده في الفيلم ما سبب حذفه؟
كان الهدف بالبداية أن يكون الفيلم من خلال معالجة مختلفة، من قبيل الخروج إلى حياة وليد وقريته الساحرة لكني قررت عدم الخروج من الغرقة حتى لو كان هذا "مملاً". وهكذا كان في الغرفة وكانت حياتهم وإيقاعهم. لكني فيلمي القادم سيكون عن قرية أبو شاهين في منطقة كفر الشيخ وسيكون التالي وسيكون أكثر شعرية، وأعتبره فترة راحة بعد عن ما يحصل في محيطنا العربي.
في الفيلم لقطات إبداعية سحرية بدت كأنها مرسومة كادراً تلو الآخر وكأنك كنت تصنعين فيلماً روائياً وهذه ميزة لا تتاح كثيراً لدى صانعي الأفلام الوثائقية حيث يقود الفيلم عادة المخرج إلى مطارحه الخاصة، متى صورتها قبل المشاهد التسجيلية أم بعدها أم أثناء التصوير؟
كل اللقطات تم تصويرها أثناء العمل، وفي النهاية كل كادر هو قرار. ما لعب دوراً في صناعة كوادر كالتي أحببتها هو أننا كنا مرتاحين، وفي مكان يحمل من الإيجابية الكثير، كما أننا لا نلحق البطل بكاميرا محمولة، وأكثر من 80% كوادري كانت في غرفة واحدة، والكادر محدد وزوايا الكاميرا المتغيرة محددة أيضاً، وهذا ما أعطاني هامشاً من الراحة أو سمح لي أن أقرر كيف أصور.
في هذا العمل فعلا كنا نجلس 3 أو 4 ساعات بصمت، وأحياناً يتطلب تغيير الزاوية قليلاً ثم أغير العدسة إلى عدسة عريضة، وما سمح للعمل أن يكون بهذا الجمال هو الفريق المبدع الذي عمل معي من مدير التصوير علي السعدي، وكما لاحظت كانت الموسيقى حاضرة فقط في مشهد الطائرات الورقية وكانت من تأليف عازف التشيللو المصري خالد داغر، فيما موسيقى النهاية كانت لكتيبة 5 وهو رابر فلسطيني، والمونتاج لرائد زينو، والمنتجة مجد حجاوي.



