تحاول كل أسرة أن تنظم مصروفاتها الشهرية وفقاً لدخلها من الموارد المالية، لكن مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات وتزايد الضغوط المالية على الأسرة تبدأ المشكلة في كيفية التعامل مع الميزانية، فكثير من الأزواج يتهمون الزوجات بالإسراف وعدم التدبير في الإنفاق، بينما تعتقد الزوجات أن كثيراً من الرجال يخفون أرقام دخولهم الحقيقية عن زوجاتهم.
وهناك أبناء مدللون يطلبون بلا حساب وآباء ينفقون تحت شعار «لن أحرم ابني من شيء في نفسه».. وفي المقابل هناك أطفال ضحوا كثيراً بعد أن حرموا من الدراسة والتحقوا بأعمال أحياناً تكون شاقة لزيادة دخل الأسرة. كل هذه العوامل تتحكم في ميزانية الأسرة، وتنشئ الخلافات بين الزوجين عند أول موقف تضطر فيه الأسرة للاقتراض أو إلغاء احتياجات مهمة بسبب نفاد المصروف.
وبالرغم من أن بعض خبراء الاقتصاد المنزلي دائماً ما يطرحون بعض الأفكار للحفاظ على ميزانية الأسرة، فإن الكثيرين رأوا أن تنفيذها عملياً يعد ضرباً من المحال، خاصة في ظل زيادات الأسعار المستمرة، والمفاجآت التي تحيط هذه الميزانيات بقوة مثل المرض أو الوفاة أو زواج أحد أفرادها، وغير ذلك تكاليف المدارس والدروس الخصوصية ومستلزمات الأعياد الدينية وشهر رمضان وغيرها.
دفتر السوبر ماركت
حسان.م.م - مدرس يتساءل: أين الميزانية التي تتطلب دفاتر وتسجيلاً، فميزانية أغلب الأسر- على حد قوله- تنتهي بعد أسبوع واحد من أول الشهر، لتعيش الأسرة بقية الشهر في أزمة تمتد خلالها الأيادي للسلف أو الاعتماد في أغلب الأحيان على دفتر السوبر ماركت الذي تشتري الأسرة منه كل شيء على الحساب! ويضيف حسان أن لديه 4 أبناء بنت وثلاثة أولاد، اثنان منهم في مدارس حكومية، وهي أيضاً لها مصاريف غالباً لا تكون في حسابات الأسرة، إضافة إلى التزامات كثيرة على المستوى اليومي، مشيراً إلى أن راتبه 800 جنيه فقط.
أما سماح عز الدين ـ مهندسة معمارية ـ فتقول إن دخل أسرتها يزيد على 2500 جنيه، وتعيش الأسرة في شقة تمليك ولديها 3 أبناء في المدارس، وهي وزوجها يعملان ويضعان راتبيهما سوياً، ومع ضغوط الحياة حاولا أن يضعا ميزانية ثابتة ينطلقان منها على أساس أن يوفرا بعض المال للطوارئ وللمستقبل.
ولكن ذلك لم يتحقق لأن أبناءهما يدرسون في مدارس خاصة تستهلك أكثر من ثلث ميزانية الأسرة، وما يتبقى لا يكفي حتى منتصف الشهر؛ لأن مطالب الحياة كثيرة وفي ارتفاع مستمر، ولذلك فكرا في الدخول في «جمعية ادخار» لتوفير مبلغ يصل إلى خمسة آلاف جنيه كل عام. وهذا المبلغ نصفه أو أكثر يتم إنفاقه في شهر رمضان والأعياد أي نحو مبلغ 3 آلاف جنيه ويرصدان ألف جنيه لتجديدات المنزل أو الاحتياجات المؤجلة، ولكن للأسف الديون المستمرة تشكل عبئاً كبيراً خاصة في حالات المرض أو المصيف أو عند ظهور احتياجات مفاجئة للأولاد لم تكن في حساباتهما، لذلك ترى أنه من الصعب ضبط ميزانية الأسرة.
عمل إضافي
لكن حسين.ك.ن، يتهم زوجته بالتبذير كما يتهم جارتها بتحريضها، وقال إن زوجته تحب المظاهر، وتريد أن تكون أفضل من جاراتها، وعندما تدخل منزلاً من منازل الحي وترى فيه شيئاً جديداً تطالب به، وأحياناً تشتريه دون الرجوع له على حساب الضروريات.
ويكشف الزوج أن جارتها دائماً تحرضها كي تضغط عليه كي يعمل أي عمل إضافي في مكان آخر غير عمله الرسمي - مثل زوج جارتها- رغم اختلاف الظروف بينه وبين زوج الجارة واختلاف توجهاتهما العلمية والمهنية، ولذلك فالأسرة تبدأ المعاناة في وقت مبكر من كل شهر، ولم يجد حلاً لهذا إلا بعد أن قرر أن يتحكم في كل ميزانية البيت وحده ولا يترك في يد زوجته إلا المصاريف الضرورية، مؤكداً أن هذا خفف من الضغط عليه مادياً، ولكنه في الوقت نفسه جعله يعاني من المشاكل مع زوجته ونكدها الذي يحاول أن يتعايش معه في سبيل تخفيض الديون والضغط المادي الذي يعانيه.
فيما قالت سامية.ح.ح ـ مديرة إدارة بمصلحة حكومية ـ إن مشكلة زوجها أنه طيب وكريم ولا يحرم أبناءه من أي شيء، وكثيراً ما تكون الأسرة في حاجة إلى احتياجات ضرورية، لكنه يعتذر ليشتري «بلاي استيشن» أو لعبة غالية الثمن لأحد أولاده، وقالت إن ميزانية الأسرة معقولة.
ومن الممكن أن تسمح لهم بالتوفير ولكن لا يتم ادخار شيء للطوارئ، لأن الأبناء يحصلون على كل ما يشتهونه في حياتهم، ولكنها تقول: «الحمد لله مستورة»، وفي نفس الوقت تعرب عن خوفها من أن ينشأ الأولاد على سلوك يصعب التعامل معه مستقبلاً، خاصة إذا تدنى دخل الأسرة الشهري لأي ظرف من الظروف.
حوافز وبدلات
محمد سميح، موظف في شركة استثمارية ويتقلد فيها منصباً رفيعاً، يقول إن دخله جيد، وليست لديه مشكلة، فهو يسلم زوجته مبلغاً محدداً شهرياً وعليها التصرف فيه بحكمة، ومن خلال هذا المبلغ تشتري كل احتياجات الأسرة من ضروريات وكماليات، وأولاده لا ينقصهم شيء، وهو لا يفكر في كم يوفر أو كم يصرف، لأنه يوفر من الحوافز والبدلات، إضافة إلى أنه يساعد شقيقته التي تدرس في أحد برامج الدراسات العليا، ويقول إنه جرب في بداية حياته أن يضع ميزانية بالورقة والقلم لأسرته ولكن ثبت فشل هذه الطريقة.
من ناحيته يقول د. عز الدين طاهر، أستاذ علم الاجتماع، إنه من الصعب ضبط ميزانية الأسرة، ولكن من الممكن ترشيدها، وهذا يتطلب أن يكون الزوجان متفاهمين ومدركين لظروفهما وحجم دخلهما الشهري، ومن المهم أيضاً أن يربيا الأبناء على سلوك يتسم بالقناعة والرضا بإمكانيات الأسرة، بل إشراكهم في النقاش حول احتياجات الأسرة المادية خاصة في ما يتعلق باحتياجاتهم.
