تحب أن تكون نفسها وهي تكتب وتحلل وتنتقد الأحداث، تحب أن تروي مع الحياة قصصاً لا تنتهي من الشغف، هي الإعلامية اللبنانية راغدة درغام، مدير مكتب جريدة الحياة في نيويورك، وعميدة الصحافة الدولية في الأمم المتحدة، خبراتها متنوعة حيث تعد مراسلة دبلوماسية مخضرمة وكاتبة صحافية في جريدة الحياة، ترأس راغدة مؤسسة «بيروت انستيتيوت» الفكرية، إضافة إلى حيويتها الفاعلة ومشاركاتها المتواصلة في المحافل الدولية السياسية. التقيناها في دبي على هامش مشاركتها في «مؤتمر المعرفة الأول»، إذ تطرقت إلى سمات شخصيتها الإعلامية ليس بعيداً عن خصوصية عملها ذو الطابع الدولي والسياسي، وتؤكد كذلك ثراء العالم العربي بالشباب المفكر وبصماته الإيجابية في بناء المجتمع، وبأن التمسك بالأحلام لا يمكن أن يؤتى بالتمني من دون عمل حثيث يقف أمام أعداء الفكرة والنجاح.

أسرار خفية
قبل التوغل في الحديث معها، كان لزاماً علينا التعرف أكثر إلى مكامن القوة في شخصيتها فخلف هذه الحنكة الصحفية والخبرة الطويلة في الحقل الإعلامي الدبلوماسي والسياسي الدولي، تقبع أسرار خفية، ميزتها، بروح التفاؤل، وتقول: «هي الحياة وروح المتعة من يمدني بكل هذه الطاقة التي أواصل فيها نجاحاتي الإعلامية، وخبراتي المتعددة، وأعتقد أن هذه الروح هي جزء مني منذ الولادة، تلك الحفاوة وذاك الاحتفاء بالحياة من أغلى النعم التي أشكر الله عليها في كل أحوالي، وأعتبر نفسي من أسعد الناس وأكثرهم حظاً لأنني في الواقع أعرف معنى الأمومة وهذا بالنسبة لي فوق العادة بأهميته وبمركزيته في حياتي، فأنا كأم أعيش كل يوم سعادة مطلقة لا مثيل لها».

شغف التجدد
إصرارها أن تعيش الواقع بالأمل والحلم، هو هاجسها الحقيقي، المسطر في مقالاتها وآرائها وأغلب مشاركاتها الإعلامية، حيث ترى أن جمهور اليوم قراء كانوا أم مشاهدين، هم الأكثر حساسية تجاه المعلومة والخبر في وسائل الإعلام، في ظل الفجوة الحاصلة في المصداقية والتشويش الإعلامي، لهذا فإن درغام تثق بذكاء الجمهور وفكره وتحضره وسط هذه المعمعة السائدة وتصر على التمسك بثوابت المهنة وأساسياتها التي تعرفنا عليها أكثر وتقول: «في هذه المهنة يتملكني شغف التجدد والتشوق لكل معلومة جديدة، وأشعر بعمق المسؤولية، والدَين تجاه الجمهور الذي بات يدرك ما هي المؤشرات التي تحدد صدق المضمون الصحفي من كذبه، وأنا اليوم سعيدة اليوم لما وصلت له من مستوى الثقة والصدق التي يكنها لي الناس».

مدينة الحلم والمعرفة
تطور الحياة واستدامتها أصبح لا ينفك عن أهمية المعلومات كسبيل جوهري لتنمية الدول ورخاء الشعوب، ولأن دبي سباقة في طرح المبادرات والبرامج المؤثرة نظمت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم «مؤتمر المعرفة الأول»، لثلاثة أيام بمشاركة واسعة من رواد الفكر وأصحاب الرأي، وفي هذا الصدد توضح راغدة أهمية هذا الحدث الفكري في مجال نشر المعرفة ونقلها وتطويرها حول العالم، وتتابع: «أدرت الحوار في عدد من الجلسات، حيث تم مناقشة واقع المعرفة في الوطن العربي وكيفية توطينها ودور الشباب العربي في نشرها ومواضيع أخرى ناقشها الضيوف المتحدثون».

وتتابع: «نعم الأحلام ممكنة وأبواب السعادة مشرعة في هذه المدينة، نعم إنها دبي، مدينة الحياة والحلم، العمل والإنجاز، العلم والمعرفة، والتي باتت نموذج يقتدى به في العالم العربي، ولو نظرنا إلى ما يجري حولنا في المنطقة العربية فماذا نرى غير الأزمات السياسية التي تزداد يوماً بعد يوم، فمعظم الناس فيها ينامون على الخوف من الغد ويستيقظون على اللااستقرار، أما هنا في دبي فالجميع يحتفي بالحياة الكريمة التي لم تكن لتتحقق لولا القيادة الذكية ورؤيتها الحكيمة التي تجعلنا جميعاً فخورين بما وصلت له الإمارات وسط حال المنطقة العربية المتوترة، وهي سياسة رائعة تعد جزءاً من بناء المدن والدول، المبنية على العمل البناء وليس على الاحباط الذي يدمر، إنما التشوق والإلهام، فبه تقوى الرغبة بالعطاء، لذا أعتقد أن وهج الحياة في دبي نموذج فريد تقتدي به طليعة من الشباب لأنهم يريدون الحياة، ولا يريدون ثقافة التدمير والموت.

منبر دولي
إيمانها القوي بالحرية وواجب تحقيقها على كل المستويات، أمانة إنسانية ارتبطت بأهدافها ورسائلها خلال مسيرتها الحياتية والمهنية، وتعد علاقتها بمنبر الأمم المتحدة، منذ عام 1976 إلى الآن، محرك قوة ترتكز عليه في سبيل التغيير والعدالة، من بوابة التفاهم والاحترام وبناء لغة حوارية متحضرة لا تكتسب بالتمني، إنما من خلال النقاش الجاد، ما أوصلها لأن تكون مراسلة دبلوماسية منذ ذلك الحين وعميدة الاعلاميين الدوليين في الأمم المتحدة، وتتابع قائلة: «أؤمن بهذا المنبر بما يقدمه للدول من حرية وديمقراطية، وعملي الطويل فيه إلى الآن أكسبني خبرة مهمة لا يستهان بها في بناء العلاقات الدولية، التي أفتخر بها كثيراً، مع دبلوماسيين كانوا من الصف الثاني والثالث وباتوا الآن وزراء أو سفراء أو رؤساء دول».

مساحة حرية
كيف يمكن أن يؤثر القلم وتتسع آفاق الفكر من دون حرية للرأي والتعبير بهذا تتبنى درغام مسؤولية كتاباتها في صحيفة الحياة منذ 25 عاماً، وتتجاوز الخطوط الحمراء بوعي ورقة دون تبني منهج الاستفزاز المباشر، وتتابع: «أعطيت هامشاً مهماً من الحرية ولا أذكر أنني تجاوزت الخطوط الحمراء في الكتابة، لأنني أستفز باحترام وأتجاوز بوعي وإدراك، فأنا متنبهة لها، وفي الوقت ذاته لا أقول إننا في صحيفة الحياة نملك حرية مطلقة، ولا حدود لها، لكن لنا الحق في طرح الأسئلة والمسألة لكل ما يدور حولنا. ولا توجد أية مهنة تعطي هذه الحقوق غير مهنة الصحافة».

فكر وتفكير
الصحافي الجيد ليس أداة لمصالح الغير ولا هو مجرد ورقة وقلم وآلة تسجيل، بل هو فكر وتفكير، وهذا ما تعتمد عليه في مشوارها، فتقول: «التفكير يعطيني الشغف لأن أتعلم كل ما هو جديد، وغامض، خصوصاً في حقل السياسة، لا أن يملى علي كما يريده الآخرون، وأخشى على المارون على هذه المهنة في الواقع هم لا يدومون ولا يفهمون أصول العمل الصحافي، وبالتأكيد أنهم لن يبقوا في ذاكرة القارئ، هؤلاء يقدمون الخبر منمق ومفصل بحسب مصالح بعض السياسيين ولو قلنا أن من حقهم التنميق لكن ليس من حقي أنا تقديم هذه المعلومات وكأنها حقيقة المطلقة بل إنها جزء من الحقيقة».

احترام الاختلاف
من ناحية أخرى ووسط ما يعايشه الأفراد من تعددية فكرية في المواقف السياسية والدولية، تكتب راغدة في مقالها الأسبوعي في صحيفة الحياة بجرأة مدروسة وكلها أمل في إقناع الآخر بآرائها ومواقفها المبنية على رؤى تحليلية نقدية لما يجري في الساحة الدولية، وعليه تبين: «أكتب مقالاتي لأتفاهم مع الآخر، وليس لمجرد أن نحب بعضنا البعض وننسى مواقفنا السياسية أو اعتراضاتنا، بل علينا أن نفهم لماذا للآخر مآخذ علينا، أو لماذا لنا نحن مآخذ على الآخر، أعبر عن رأيي وأقدمه للقارئ وأدافع عن ذلك الرأي، بأمل أن الإقناع، وحتى وإن لم يقتنع به، على الأقل أن يأخذه في الحساب وهو يفكر بقراراته، وهذا موضوع مهم جداً لأنه يخلق الاحترام، حتى وإن لم يكن هناك اتفاق سياسي. وهذا لأنني أقدر أصول المهنة ولذلك يأتي إلى الاحترام، ولا أحب أن أكون عابر سبيل ينساني القارئ في اليوم التالي».

ميدان محظور
تعتبر نفسها أشبه بحلقة وصل بين عالمي الشرق والغرب، خصوصاً أنها انطلقت من ميدان كان محظوراً على المرأة وهو الميدان السياسي الدولي أولاً، ثم دخلت ميدان كتابة المقال الأسبوعي السياسي الاستراتيجي، ومن ثم العمل على الصعيد الدولي لتتناول السياسات الدولية وانعكاساتها على المنطقة العربية، وتكمل: «أعتقد أنني أسهمت في سيرة الصحافة التاريخية العربية وأشعر أحياناً أنني أصبحت شبه مترجمة بين عالمين مختلفين، وهذا المجال يعطي فرص مهمة لشرح وتوضيح أفكارنا مواقفنا الحقيقية لأن عروبتنا باتت مقننة تلقائياً في خانة الإرهاب أمام الغرب، لذا فإنه من حقنا المساهمة في صياغة شخصيتنا الفكرية العربية، لإيصالها للعالم، لا أن نبقى في قفص الإرهاب، علينا أن نقدم أنفسنا بطريقة مختلفة».

مشروع شبابي فكري
تحقيق مجتمع عربي مبني على المعرفة يتم بالتكاتف الفكري في تفعيل الأهداف والطموحات برؤى شبابية، هذا ما دفع درغام لإنشاء مؤسسة «بيروت انستيتيوت» الفكرية التي تهدف إلى خلق رابط فكري ما بين القدرات العربية بأبعاد دولية، وتقول عنها: «نحن مؤسسة فكرية، همنا جمع الكفاءات والقدرات الشبابية فكرياً بصورة مبنية على الاستماع والإصغاء إلى الآخر، من أجل استفزاز التفكير الإيجابي ما بين بعضنا البعض، للخروج بأفكار جديدة وآفاق مواكبة لكل المتغيرات، فنحن لا نريد أن نتقوقع عربياً، على العكس، ولا نريد أن نفكر فقط بالمشاكل، والمآسي، ونندب حظنا لأننا في هذه المنطقة العربية ربيعنا أصبح خريفاً، أو حكامنا قد استبدوا بنا، نحن في هذه المؤسسة نريد أن نقول نحن قادرون على التغيير، وبناء المؤسسات، وعلى التفكير بصورة إيجابية بناءة لنقف في وجه التدميريين، لأنهم ذوي التطرف والإرهاب إنهم يريدون القضاء على مشاريعنا الفكرية وعلى أحلامنا. لذا نحن نصر في «بيروت انستيتيوت» أن نخلق خطاباً سياسياً جديداً مبنياً على الإيجابية لا على اللوم وتوجيه التهم للآخر».

وتتابع حول دعم دولة الإمارات لهذه المؤسسة الفكرية: كل الشكر والتقدير لقرار أبوظبي في استضافة المؤتمر الأول للمؤسسة على أراضيها، وكم هي شهادة غالية وخطوة إيجابية تحفزنا على مزيد من العمل الجاد، للمنطقة العربية وليس للبنان فقط.