أن تعيش برفقة أحلام مستغانمي طيلة 3 أيام من عمرك، دون أن تكون قد ضربت لها موعداً مسبقاً، وأن تهديك الحياة هدية غير متوقعة لمقابلتها، وهي كما تحب تعريف نفسها بـ«سيدة العتمة»، هو ضرب من الخيال. فالغير يتمنى التقاط صورة معها، أو أخذ توقيع لها، ومحادثتها، وفجأة تجد نفسك تحقق أماني الآخرين مجتمعة. معها كان هذا اللقاء الحصري الذي تطرقت فيه لجديدها الشعري وسر نجاحها وتعلقها بالبسطاء مع وقفات إنسانية مع ذاتها ومع الآخر.
زيارة خاصة
في الطريق إلى جناحها في الطابق 15 بفندق «راديسون بلو»، أثناء وجودها في الشارقة، على هامش حضورها معرض الشارقة الدولي للكتاب 2014، كان لزاماً أن تشعر ببعض الحيرة والارتباك، وهواجس التفكير في احتمالات المقابلة، لكن كل شيء تغير فور إطلالتها الهادئة، وابتسامتها العذبة، وحدث ما لا يخطر على البال، فبدل أن تجاوب على الأسئلة إذ بها تبدأ الحديث وتبادر وتسأل عن صدى إصدارها الجديد «عليك اللهفة»، وكأنك تشعر بأنها تقلب الأدوار، وتنتظر من يطمئنها ولو بكلمة، أو إشادة ومن لحظتها بدا كل شيء سهلاً.
أسرار اللهفة
دار الحديث حول جديدها الشعري الذي يعتبر من أهم الكتب التي حققت رواجاً ومبيعاً عالياً في المعرض، وحاز إعجاب ومتابعة القراء، الإهداء في الصفحة الأولى كما على ظهر الديوان، اختصر نظرتها للحب وللشعر، وبدت الحياة وكأنها نصفها الذي تباهي فيه.
وبسؤالنا لها ماذا تعنين بقولك «إلى سادة اللهفة... المنحدرين من زمن ما حمل رجاله يوماً ساعات في معاصمهم.. مثلهم لا يباهي بألماس الوقت.. بل بجمره»، ما سر المعاني المستترة خلف هذا البوح؟ أجابت: «ولى زمن العشاق الحالمين، رجال الزمن الجميل فالوقت لديهم لا يقاس بساعة ماسٍ ثمينة تلغي الحب واللهفة. هؤلاء السادة لم يعودوا موجودين في زمننا الحالي، ولهذا أقول إنّ الجيل القادم لن يعرف هذه اللهفة، وما معنى أن يهرب العاشق رسالة دون أن يراها أحد، وكيف تبقى في خزانة الذكريات دون ضياع، فمثل هذه الأحاسيس لا يمكن أن تصمد في هاتف محمول يغلق برقم سري، فلا هاتف يلغي اللهفة ولا رسائل مخزنة تموت بنفاد البطارية، إذاً، هي التكنولوجيا من جنى على العشاق».
كما لم تسلم الصفحة الأخيرة من نبذة عاطفية معبرة جداً وهي: «على مدى عمر خنت الشعر. كنت دائمة الانشغال عنه بكتابة ما يفوقه شاعرية. حرصت أن تكون الحياة هي قصيدتي الأجمل. لا تبحثوا في هذه النصوص عن أشعاري، ما هذه المجموعة سوى مراكب ورقية، لامرأة محمولة على أمواج اللهفة، ما ترك لها الحب من يد سوى للتجذيف بقلم...».
هواجس النشر
عندما نعيد النظر فيما تطرحه، نجد لها أعمالاً معدودة، ما يستدعي القول إنها تخاف النشر وتتريث قبل طباعة أي عمل إبداعي لها، فلماذا كل هذا الخوف يا أحلام؟ ترد: «كلما ازددت شهرة وأحبني الناس وتقدم بي الحبر والعمر، أصبحت قاسية على نفسي في النشر، وأستغرب من البعض وجرأتهم في النشر، فالمتربصون بكتاباتي كثر، وهناك من يحب تحطيمي لأن نجاحي يفضح فشله».
من التريث إلى التفاؤل في كتاباتها، بآفاق تتمدد بالأمل وتنكمش بالألم، لتؤكد أنه لم يعد من حق أي كاتب الترويج عن الحزن والخيبات، مهما كبر حجم المآسي في العالم العربي، وتضيف: «عندما نكتب ما يحبط الناس فنحن نساعد على أعدائنا على تدمير الأمة العربية، وتقديم الجيل الشاب وليمة جاهزة للأعداء، فلا بد من زرع الأمل وبث روح العزيمة في نفوسهم من خلال صدق الكلمات والتمسك بأصالة لغتنا العربية».
لكن كيف تحتفظ أحلام بجوهر توازن الروح في مخبآت قلبها؟ توضح: «حياتنا موجودة أصلاً لتغرينا، وفي لحظات خاطفة نحن لا نصمد أمامها، لكن ليس المهم أن نستسلم لها، وإنما كيف نعود لذواتنا ونستعيدها وألا يطول هذا الإغراء، أسابيع وأشهراً».
كواليس فرح ودموع
شغلت مستغانمي مساحة كبيرة من الحب في قلوب قرائها، ومتتبعي رواياتها الذين استقبلوها بالدموع والزغاريد، استقبلوها بالحب ولوعة الانتظار، وأمام هذه المحبة العميقة تجدها إنسانة متواضعة، تلمس في حديثها صدقاً يريح النفس، وأمانة تركن إلى جانبها، وحسب إدارة المعرض التي وثقت مجريات حضورها في معرض الكتاب، حضر المحاضرة وحفل التوقيع خاصتها ما يقارب 2700 شخص، بحيث لم يعد أي منهم عاتباً إلى بيته، فقد حطمت الأرقام القياسية في التوقيع.
وحتى هذه اللحظة تعجز عن وصف مشاعرها لتلك القلوب التي تقول عنها: «وقعت لهم بقلبي وقلمي، ولم أخيب شوق أحد، ممن صمدوا محبة لأكثر من ست ساعات، ومازلت إلى الآن أحاول استعادة قواي، إن الله الذي منحني نعمة محبة الناس وهي أغلى هباته، وهبني يومها طاقة تفوق القدرة البشرية مكنتني من إرضاء كل هؤلاء الأحبة الذين قصدوني محملين بدموعهم وأشجان غربتهم، شكراً لكل من حضر عسى أني تركت في قلوبهم ذكرى تطيل عمر اللهفة».
لحظات من ذهب
حين تتحدث كلماتها بين السطور، وتتناوب مشاعرها في كل الحالات، تقف أمام تجربة لغوية بعيدة عن التعقيد والتكلف، ومن هذه البساطة نسجت مستغانمي خيوط الحب والصدق مع قرائها دون عناء، هؤلاء المعجبون بادلوها المحبة والتقدير من القلب إلى القلب، لتشهد بعض المواقف محطات مؤثرة استقرت في ذاكرتها. ومن أبرزها تلك الزغرودة الجزائرية التي دوت في القاعة من إحدى المعجبات، ليتحول الحدث إلى عرس حقيقي بطعم الفرح، أشعل الأجواء.
وأمام هذا الموقف لم تجد أحلام سوى مكافأة صاحبة الزغرودة ودعوتها إلى جناحها الخاص، علها تردّ قليلاً من هذا الحب، وتكمل: «هذه اللحظات غالية على قلبي كثيراً، وأحار كيف لي أن أرد عليهم أمام كل هذا الحب، وأسعدتني هذه الزغرودة التي برعت فتاة جزائرية في أدائها حتى إنني نشرتها على صفحتي في موقع الفيسبوك، وكأننا جميعاً أصبحنا في عرس جزائري».
هدية شعرية
ما إن تسمع القرص المدمج المرفق مع الديوان الجديد، حتى تشعر بجوع رهيب لإعادة سماعه مرة أخرى، خاصة مع شاعرية صوتها الممتزجة مع صوت الفنان مروان خوري الذي شاركها في إلقاء القصائد، حيث النغم والألحان تشدو بلا قيود في سبع قصائد وهي: «أبد لن تنساني»، و«عليك اللهفة»، و«حان لهذا القلب أن ينسحب»، و«ستائر من دانتيل الذكرى»، و«لو باقي ليلة بعمري»، و«أغار»، و«ثم ماذا لو تحدثنا قليلاً».
وتقول عن تعاونها الأول مع الفنان مروان خوري الذي وصفته بالفنان الإنسان الراقي: «مروان فنان استثنائي ومبدع بكل ما في الكلمة من معنى، فهو شاعر وموسيقي ومطرب متعدد المواهب، يتعامل بأخلاق عالية ورقي قل مثيله، ومشاركته لي هي تجربة مميزة خاصة في الألحان والتوزيع الموسيقي الذي أبدع فيه، علاوة على روحه الرائعة في التعامل، فهو رجل غير مادي يعيش زمناً غير زمنه، وحقه الفني مستباح وضائع».
أنا وأحلام بلا مسافات
رغم أنها موجودة في أكبر جناح في الفندق، وكل ما في المكان ينبض أناقة وترتيبا، لكنها كانت بطريقة أو بأخرى تعتذر عن هذه الفخامة لمحبيها، وكأنها تقول لهم ما من فوارق بيننا، فأنا بسيطة مثلكم، أشبهكم، وأشعر بهمومكم وغربتكم، وهذا الترف لا يعني لي شيئاً. حقيقةً هذا ما شعرت به، عندما كنت أتردد عليها بعد عودتها من فعاليات المعرض، لأجد هذه السيدة تواصل استقبال الناس في جناحها، هؤلاء أهدوها دموعهم فأهدتهم فيضاً من الحب حتى على حساب راحتها وصحتها، ولم تبخل على أي أحد بتوقيع ولا التقاط صورة.
عن قرب بدت لي هذه السيدة قلباً ناصع البياض، يحمل في جوهره إنسانية مفرطة تجاه الناس وخاصة الفقراء والمحتاجين، هذه الإنسانية كانت تنال منها بشراسة مرهقة، لدرجة محاسبة نفسها على تفاصيل الراحة والعيش الكريم، ووجدت نفسي أتأملها بشغف كبير كأنني أكتشفها مرة على مرة، وسألتها لماذا كل هذا التفكير بالغير، فأجابت: «ربما تجدين الجواب في طفولتي، كنت قريبة جداً من حياة البسطاء بالرغم من أنني لم أعش فقيرة، لكن كنت سريعة التأثر بهم، وهذا الأمر يتجاوزني، فلا أتحمل أن أرى عجوزاً تحمل «القفة»، وهي سلة محملة بالخضراوات وتمشي وحدها بلا معين، ولا شخص يساعدها، هذا الموقف يجعلني أهرع لمساعدتها، لدرجة أنني كنت أحياناً أتأخر عن حصصي المدرسية وعن البيت في سبيل مساعدة الغير، وكبرت وكبر داخلي هذا الإحساس».
وكما هي الجزائر موطن قلبها، كذلك الإمارات التي تكن لها فيضاً من الحب والاعتزاز لهذه الأرض التي تشع أمناً وطمأنينة وأخلاقاً عربية، في ظل القيادة الرشيدة والاستثنائية.
لم يكن من اليسير علي الشفاء من حمى لقاء هذه الكاتبة الوجدانية التي تركت في حياتي بصمة حنان لا تُنسى، ليحضر الحب في صوره البهية، وتحلق المشاعر في سماء كلماتها قصص استثنائية، أبطالها العشاق، بأحلامهم وعذاباتهم، فيصبح للقلب أبواب ونوافذ ملهمة، وتكتسي اللحظات شهقات ناعمة تخترق القلوب بلا هوادة.



