لم تقف الرؤوس النوويّة وتكنولوجيا النانو والعوالم الافتراضية والأقمار الصناعيّ، ولا ابتكارات الحوسبة وإبداعات الحضارة الماديّة وتطوّرها حائلاً في وجه انتشار وباء الأمراض المنقولة جنسيّاً (STD) على مستوى العالم. فالأرقام الصادمة الحديثة والصادرة عن منظمات صحيّة عريقة كمنظمة الصحّة العالميّة (WHO) والمركز الأميركي لمكافحة الأمراض والوقاية (CDC) تشير إلى مشكلة حقيقيّة تهدّد مصير الإنسان الجسدي والنفسي على سطح الأرض وتصيب الدول بأضرار في مفاصل بنيانها الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي. وفي هذا المقال سنعرض لبعض الأضرار التي تسبّبها هذه الأمراض وسبل الوقاية منها، إضافةً إلى أحدث الإحصاءات التي ذكرت في هذا السياق.

النشأة من السيلان إلى الإيدز
لم يذكر التاريخ الكثير عن الأمراض الجنسيّة، ويبدو أن أول إشارة كانت لمرض السيلان (Gonorrhea) في لندن عام 1161 م، حيث سمّاه الإنجليز «المرض المخفي» بينما أطلق عليه الفرنسيون «حرقان البول». ومع الثورة الصناعيّة والتفلّت شيئاً فشيئاً من التعاليم الدينية اجتاحت أوروبا موجةً عنيفةً من مرض جنسي جديد تعدّدت أسماؤه بدايةً حتى اشتهر بمرض الزهري (Syphilis) ويقال إنّه نقل من أميركا مع بحّارة كريستوف كولومبس إلى برشلونة بعد عام 1493م. واستمرّ تفشي هذه الأمراض حتى صدرت تشريعات جديّة عام 1864 م تتعلّق بحماية الجنود والبحّارة من هذه الأمراض وضرورة فحص كلّ امرأة مصابة وحجزها حتى تشفى.

أمّا في القرن الواحد والعشرين فقد ظهر أول تقرير عام 1981 م عن مرض جديد يفتك بجهاز المناعة للإنسان سميّ الإيدز، ثمّ انتشر مسّبباً الوفاة للآلاف دون رادع، وتحت نظر أشهر الأطباء في الدول المتقدّمة. ولا تزال هذه الأمراض المشهورة وغيرها التي تقدّر بـ 30 مرضاً جنسياً تفتك بالملايين يوميّاً بالرغم من كلّ الجهود المبذولة محليّاً وعالميّاً.

بطاقة هويّة
الأمراض المنقولة جنسيّاً هي مجموعة من الأمراض التي تسبّب الالتهابات وتنتج عن أكثر من 30 نوعاً من البكتيريا، والفيروسات والطفيليات وتنتشر في الغالب عن طريق الاتصال الجنسي. يمكن أن تنتشر أيضاً بعض الأمراض المنقولة جنسياً عبر الجلد أثناء العلاقة أو عبر وسائل غير جنسية مثل نقل مشتقات الدم والأنسجة. يمكن لبعض الأنواع، الكلاميديا، السيلان، والتهاب الكبد الوبائي B، فيروس نقص المناعة البشرية HIV يمكن أن تنتقل من الأم إلى الطفل أثناء الحمل والولادة. وتشمل الأعراض الشائعة لهذه الأمراض الإفرازات المهبلية، إفرازات مجرى البول عند الرجال، القرحة التناسلية، وآلام في البطن.

الوقاية.. منظومة متكاملة
تدور أغلب التوجهات الوقائيّة للمنظمات الصحيّة حول فكرة التوعية الجنسيّة المبكرة خصوصاً لفئات المراهقين والعمّال والمسجونين ومتعاطي المخدّرات والعاملين في المجال الصحي كالمستشفيات والعيادات والمختبرات. كما يركّز هؤلاء بالدرجة الأولى على أهميّة استخدام الواقي الذكري وحتى الأنثوي أثناء العلاقة لتأمين الحماية من هذه الأمراض. والحقيقة أنّ هذه المنظمات قد اعترفت بفشلها وعدم إحرازها تقدّماً ملموساً في ظل الاستراتيجيات المتّبعة، والتي لم تخفّف من الزيادة المرعبة لأرقام الإصابات سنويّاً، ممّا دفعها إلى دق ناقوس الخطر ورفع صيحات الاستغاثة، والرمي باللوم على المجتمعات التي تراخت في أمور الجنس وأشاعت أسبابه كالإعلام والاختلاط، فأفلت زمام الأمراض وصعبت السيطرة عليها.

وفي المقابل اعتبر المنصفون من علماء الغرب أنّ التشريع الإسلامي يشكل منظومة متكاملة وغير مكلفة في ردع انتشار هذه الأمراض وشيوعها. وأهم ما ترتكز عليه التوصيات الشرعيّة في هذا المجال النهي الحازم عن الوقوع بالزنى أو حتى الاقتراب منه واعتباره مرتبة من أصحاب الكبائر، إضافةً إلى ضرورة غض البصر بين الرجال والنساء وعدم الاختلاط والحشمة في الملبس والتشجيع على الزواج ومباركته وتحليل التعدّد، وكراهة التزهّد وعدم الزواج. ومن الواضح بأنّ مثل هذه الوصايا وغيرها الكثير هي السبيل الوحيد للوقوف في وجه طوفان الثورة الجنسيّة ومصائبها التي تهدّد صحّة البشر والمجتمعات، حتى صار فلاسفة الغرب ومفكروهم ينادون بمثلها ويسعون لتطبيقها دون الاعتراف بأنّها من وحي السماء.

حقائق وأرقام
-    أكثر من 1 مليون شخص يصاب بعدوى الأمراض المنقولة جنسياً (STI) كل يوم.
-    يصاب في كلّ عام نحو 500 مليون شخص بواحد من أحد الأمراض الأربعة الشائعة مثل الكلاميديا، السيلان، الزهري وداء تريكوموناس.
-    أكثر من 530 مليون شخص لديهم الفيروس الذي يسبب الهربس التناسلي (HSV2).
-    أكثر من 290 مليون امرأة لديها فيروس الورم الحليمي البشري (HPV).
-    غالبية الأمراض المنقولة جنسياً موجودة دون أعراض.
-    بعض الأمراض المنقولة جنسياً يمكن أن تزيد من مخاطر اكتساب فيروس نقص المناعة البشرية ثلاثة أضعاف أو أكثر.
-    المقاومة للأدوية وخاصةً في مرض السيلان، يشكل خطراً كبيراً على الحد من تأثير الأمراض المنقولة جنسياً في جميع أنحاء العالم.
-    في الولايات المتحدة وحدها تقدّر الإصابات الجديدة بـ 20 مليون إصابة سنويّاً، أمّا عدد المصابين الإجمالي فيقدّر بـ 110 ملايين إصابة بين الرجال والنساء تكلّف الدولة 16 مليار دولار من أجل مكافحتها ورعاية المصابين فقط.
-    8 أنواع من أصل 30 مسبّباً للمرض تنتقل عن طريق العلاقات الجنسيّة غير المشروعة و 4 فقط قابلة للشفاء مثل الزهري، السيلان، الكلاميديا، التريكوموناس.
-    الأربعة الأخرى غير القابلة للشفاء حتى الآن هي التهاب الكبد الوبائي B، الهربس (herpes)، فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، وفيروس الورم الحليمي البشري (HPV).