نداءات خفية وإشارات وشيفرات في فيلم متعدد الطبقات

«باب الوداع».. كريم حنفي يضيء بقنديله سينما مصر!

ليس مستحيلاً أن تقارب تجربة كريم حنفي في «باب الوداع» بالمنطق أو أدوات العقل، فأعظم الأعمال التجريبية في الإبداع بوسعنا ردها إلى منطق ما، لكن للقلب شغف أول وللحس مذاق أجلى وللخيال فضاء أكثر اتساعاً وإغراءً، في قراءة تلك اللوحات البصرية التعبيرية في فيلمه، التي لم تخل أبداً، وعلى عكس ما يتوقع المرء، مما يسمى «بديهيات الفيلم السينمائي».

السينما
فالسينما، على ما يصر المخرج هي فن البصر، وقبل أن يكون مجدها في حوارياتها، هو في الأساس كائن في صورتها، فلبها حلم وغايتها سحر، وكل ما عدا هذه «البديهيات» هو توليفات واجتهادات وتجارب، لذلك يصح الجزم، من البداية أن المخرج المصري الشاب الذي عمل على تنفيذ مشروعه أكثر من أربع سنوات، لم يشذ عن إيقاع السينما، وإلا لكان اختار في الأساس أن يصنع معرضاً فوتوغرافياً (كان ليكون مذهلاً بالمناسبة) للوحاته البديعة، لا أن يسلسلها في رحلة شاعرية وشعرية أخاذة، أبطالها جدة (آمال عبد الهادي) وأم (سلوى خطاب) وطفل (عماد حسام الدين) نبت على جدران ببيت الوحدة والأسى المهيب فصار شاباً (أحمد مجدي) يتواصل مع «ملاك حارس» يحدق به من حافة السطح خارج النافذة (شمس).

رحلة المخرج هي رحلة شخصياته هذه التي تتغلغل في دواخلنا، خلال ساعة ونيف، على إيقاع موسيقى راجح داوود، كما يتغلغل الحب إلى ما تحت جلدنا، فتسكننا طمأنينته ويحتلنا سلامه، بفائض من الوجد يتحرك دمع ويخفق قلب على أثره.



الحب
الحب، نعم، رغم ما يبدو جلياً من حزن وأسى. علينا أن نحفر عميقاً في هذا الفيلم، الذي مثل مصر منفرداً في المسابقة الدولية لـ«مهرجان القاهرة السينمائي 36»، والذي صنعه صاحبه على شكل طبقات، كأنه جذع شجرة، كلما أزلت عنه طبقة، أخذتك خرائط الطبقات المخفية. كأنه جوقة موسيقية متكاملة، كلما دفعت أذنك للغوص فيها أكثر، التقطت مسارات لإيقاعات مختلفة، وإنما متوازية في دفقها ومتجانسة.

إن النغم المسيطر قد يكون نغم الحزن، وهو ما لا ينكره مخرج يهدي فيلمه إلى «حزن أمه»، لكن في قلب هذا الحزن حب، للحزن نفسه، كاحتضان صوفي للألم باعتباره طريق الخلاص والتحرر. معنى نجده في أفكار دينية وفلسفية ونفسية متعددة. أيضاً، في ذلك الهلع من الفقدان، في كوابيس الأم الفزعة من رحيل الابن ومغادرته كنفها، في قلب هذا القلق والذعر، هناك حب، ولا أفضل من تجسيده قبلة من ملاك حارس على يد أم تخضع لمشيئة القدر ورحيل وليدها. «لقد أعطتها الحياة بلا شرط وهي عليها أن تسمح للحياة أن تأخذ منها بلا شرط»، والأبناء، على ما تقول فلسفة جبران خليل جبران، أبناء للحياة لا ملكيات الرباط السري.

الحب أيضاً في أكثر صوره وضوحاً نتابعه في يوميات الجدة التي تحتضن لحظة وداعها بأناقة وفرح وبريق عيني عروس تستقبل ليلة زفافها. تهييء لمغادرتها باب الوداع، بأحاسيس غامرة تتدفق بصوت محمد عبد الوهاب الشجي، وهي تستمتع إليه من المذياع يغني بينما تدخن ببطء، وعيناها تسبحان في ملكوت جليل وبرزخ تتوق إليه الأرواح. في انصياعها القدري إلى مصيرها، واحتفائها بصبغ شعرها ولف بعض خصلاته في ورق «سوليفان» مجمعة في علبة الحلوى.. في ابتسامتها وهي تمسد على رائحة الرجل الغائب منذ زمن بعيد، الباقي عطره محبوس في ذاكرتها وقلبها.. في ذلك كله حب لا يمكن إلا، وبتجسيد ماهر لمدير التصوير زكي عارف (حاز عن عمله جائزة أفضل إسهام فني في المهرجان)، أن يحيط بهالة مضيئة كل من دخل في طريق و«طريقة» (بالمعنى الصوفي للكلمة) «باب الوداع»، وعبر جسره.

الهالة أيضاً دفق من نبع البراءة، الذي شكل شخصية الطفل، ثم الشاب، الذي يحادث الخيالات، ويهمس إلى المطر، ويرسم بأطراف أصابعه خرائط الهروب على الجدران، ويناظر الأشياء بطرف عينه، كأنه يلملم ظلالها زادا له في تلك الرحلة التي يتحضر لها، تصحبه النبوءة التي تقرع أجراسها في أذنيه: «أنت يا من كنت هنا ستكون في كل مكان».



الهمس
تلك الرحلة البصرية الفنية المؤثرة، من الصادم والمؤسف في الوقت ذاته الحكم عليها (كما قرأت في بعض مطالعاتي عن الفيلم) بأنها تجربة «صامتة». إن هذه الخفة في الوصف تشبه على سبيل المثال وصف رواية باتريك زوسكيند «العطر» بأنها رواية تفتقد إلى «النكهة»، على اعتبار أن موسوعة الروائح الجمالية قد تكون شيئاً مختلفاً عن المذاق. استحالة. مذاق صورة «باب الوداع» في الأصوات الصادرة من تلك الصورة، وإن كانت بهمس. أما الافتراض بأن «الصوت» يجب أن يكون حصراً «الصوت البشري» الذي يصدح في محادثات «ديالوغية» فهذا اختزال شديد، حد التفاهة.

إن مخرجاً قادراً على صنع الحوارات فيما بين الشخصيات وما بينها وبين المشاهد، عبر أصوات تخرج من الجماد، لهو مخرج يستحق الإشادة للبراعة والذكاء. فصوت المطر هو مونولوغ الابن، وتكسّر خصلات الشعر على طرف المقص الحاد هو مونولوغ الأم، وأغاني وتراتيل مذياع الجدة وحفيف شعرها على مشط العاج هو مونولوغها.

كما أن صوت النوافذ والأبواب في تخبطها على الجدران هو حوار الشاب مع أمه وصرخته الراغبة بالتحرر وفك رباط الذنب المقدس، وتكتكة فتيل الشموع التي تحترق في المقابر هو حوارات جماعية كثيرة بين النساء المتشحات بالسواد المجتمعات هناك، كما أن جوقة العصافير التي نسمعها في افتتاحية الفيلم، بينما الطفل وجدته يذوبان في عمق المدافن، تقول الكثير.

ثمة نداءات خفية في عوالم كريم حنفي السينمائية علينا أن ننصت إلى أصدائها جيداً، ونفك شيفرة أسرارها التي يخبئها المخرج بعناية وجمال وأناقة في لا وعينا، وفي خدر إحساسنا. كيف لا، وهو يملأ صور فيلمه بهذا الطقس الغامض الجذاب المتمثل بالتنقل بين الظاهر والمخفي طوال الوقت. فكل الشخصيات لديها ما تخبئه من أجل أزمنة أخرى وربما حيوات أخرى (تماماً كما في الميثولوجيا المصرية القديمة).

فهذا طفل يخبئ لعبة في صندوق وهذا ملاك يخبئ تعويذة في كف يد وهذه أم تخبئ عالماً من الأحاسيس في عينيها وتقلب فنجان قهوتها على خرائط البن الملغزة، وهذه جدة تخبئ خصلات شعرها في ورق الحلوى وتخبئ ماضيها في صندوق العروس أو تابوتها.. يورطنا حنفي في لعبة أشبه ما تكون بتلك التي لعبناها صغاراً حيث علينا أن نبحث عن أشياء مخبأة لكي نعثر على خارطة الطريق.



مفاجآت
حالة حب تغلفها الإشارات، إذ، ما كانت لتتجسد كما أرادها المخرج، لولا زخم من الخبرات والمواهب التمثيلية، توافرت له مع ممثليه، الذين انسجموا جميعهم، رغم فوارق تجاربهم، في تناغم واضح يعكس إدارة واعية لمخرج لا يرتجل بل يمسك بزمام أدواته جيداً.

في تعامله مع شخصية الطفل، أثلج المخرج صدورنا، بهدية ثمينة: أخيراً طفل يؤدي بشكل جيد في فيلم عربي! هذه ليست مبالغة، فأحد أهم مآزق سينما مصر والعرب تاريخياً هو «كاستينغ» الأطفال وإدارتهم، والحالات التي تفردت عن الفشل نادرة جداً.

المفاجأة التي لا تقل وقعاً هي «حالة» الممثلة آمال عبد الهادي، إذ أن دورها في الفيلم هو أول تجاربها التمثيلية، ما يجعلنا نندهش حد الارتباك من قدراتها التي ظهرت بشكل كبير، وكأنها ممثلة ذات باع طويل في حرفتها. إن مشهد تدخين السيجارة وذلك السكون الذي أحاط بجسد الممثلة بشكل تام، لا تكسره إلا حركة قلقة ومتباعدة داخل عينيها، كما تحكّمها بعضلات وجهها لكي تعطي التعبيرات الملائمة في مشهد صبغ الشعر، إضافةً إلى الطريقة التي مشت بها نحو الكنبة -التابوت حيث ستتمدد إلى الأبد.

هي مشاهد تعبر عن قدرات ممثلة تحتاج إلى أن تستغل كثيراً في أعمال مقبلة. الممثلة شمس، في أول أدوارها أيضاً، تمكنت من لعب دور المرأة الشبح - الملاك بجدارة تنبئ بمولد ممثلة لها طاقة وأسلوب في حال عملت على تطوير مهاراتها.



أحمد مجدي
الممثل الشاب الذي عرفناه في أفلام سابقة (عصافير النيل، مايكروفون) وفي دراما تلفزيونية (سر علني، نابليون..)، تمكن، بجرأة لافتة، من أن «يشيل» على كتفيه ثلاثة أعباء دفعة واحدة: عبء غياب الكلام، فتمكن بلقطات البروفايل المتكررة له أن يضخ أحاسيس متناقضة عبر عينين جامدتين وإنما حيويتين في قدرتهما على تجسيد الأمل والألم، الشجاعة والخوف، الرغبة والعجز، الحب والاختناق..

مدعماً بملامح وجهه التي تكاد تكون أقرب إلى تفاصيل محفورة بمثالية، تمكن مجدي من أن يشكل وجه الأيقونة المحاطة بهالة البراءة، الذي يجعلنا نتعاطف مع حملها وهمها منذ البداية.

التحدي الثاني الذي واجهه بنجاح تمثل بقدرته على إقناع المشاهد بشخصية تتواصل مع عوالم ما ورائية، كملاك أو ظلال أو أصوات. أجزم أن الحائز على جائزة أفضل ممثل في المهرجان خالد أبو النجا (!)، بالرغم من كونه مجتهداً وله عشرات الأدوار، ما كان ليؤدي تلك المهمة بالجودة التي صدّرها مجدي، من دون أن يقطع الخيط الرفيع بين التعبير عن انفعالات ما ورائية وبين أن يعطي إحساس المخدر أو المغيب أو «المعتوه» أو «الروبوت» الذي يضحك الجمهور. كان خيطاً رفيعاً لم يقطعه، بل سحبه كاملاً ليرسم به صورة أيقونية لشاب مستلهمة من عوالم دينية وغيبية ووجودية كثيرة.

ثالثاً، وهنا يمثل العبء الأهم، فإن شخصية مجدي هي محور الأحداث، إذ أنه الرجل الذي تنسج حوله النساء أوهامهن وأحلامهن وكوابيسهن، لذلك فالمشاهد سيكون دوماً مشدوداً إليه في المشاهد التي ظهر فيها أو غاب عنها.. اختبارات ثلاث أعتقد أن مجدي نجح بها بتميز، ما قد يضعه أمام اختبار اختيارات المرحلة المقبلة والموافقة بين قدراته وطلبات السوق التجارية.

سلوى
رغم ميلي إلى عدم استخدام الأوصاف التي تحمل دلالات «خارقة»، إلا أن طاقة سلوى خطاب في هذا الفيلم، قد تحرّض على استثناءات مشروعة. وقد لا يتسع المقام لاستعراض تاريخ طويل من الإنجازات التمثيلية لهذه السيدة التي تعرف تماماً معنى الانتقاء، في كل مراحلها العمرية، وبكل أشكاله، كما تلتقط بحدس ماهر الإشارات التي تضعها على أقصر الطرق لقلب المشاهد وعقله، إضافةً إلى ذلك الدفق الخيّر في جوهرها الذي يجعلها تحتضن بحب وبذكاء مغامرات تجريبية وفنية للجيل الشاب. وهو الذكاء ذاته الذي يجعلها تغيّر جلدها في مواسم متقاربة وبتواتر لا تقوى عليه ممثلات أخريات من جيلها، فهي، على شاشتين وفي موسم واحد، «تاجرة مخدرات» (في سجن النسا) وأيضاً (في باب الوداع) أم تختزن عينيها خوف الكون كله وصوفية الحزن كله.. إضافةً إلى أربعة أعمال أخرى عرضت لها في العام ذاته.

في التخطفات السريعة لفيلموغرافيا خطاب، ستراها بهندام أبيض رث تركض في الشارع فيما كاميرا عاطف الطيب في «كتيبة الإعدام» تقطف من وجه الفتاة رضا الجزع ومن عينيها اللاهثتين كل معاني الحب واللهفة والشغف. هاتان العينان سيدور في فلكهما طويلاً رضوان الكاشف في «الساحر» حيث شوقية تحاول أن تخترق جمود القلب البارد للساحر عن طريق ابنته، لكي تستقرا في عالم كريم حنفي في «باب الوداع». هنا، توافر لسلوى، غالب الظن، ما لامس شغاف قلبها، من مشاعر لشخصية تجمع بين القديسات اللواتي يهبن حياتهن لخدمة الآخرين (أمها وابنها بشكل خاص) والخاطئات اللواتي يقصصن شعورهن تكفيراً عن ذنب لم يرتكب وإثم لم يحصل. ربما يكون الذنب هو إحساس التملك في مواجهة الأقدار التي لا ينفع إلا التسليم بكل شيء لها.

إن المشهدية التي كوّنها حضور سلوى في الفيلم، يجعل من الصعب فعلاً تخيّل أي ممثلة أخرى في مكانها (أصلاً لماذا علينا أن نفعل ذلك؟)، فهي من الممثلات النادرات اللواتي يعرفن كيف يستحوذن على مشهد كامل بعين كسيرة وشفاه قلقة وملامح مجمّدة. عليك أن تتأملها في مشهد امرأة ترتدي طرحة زفاف وتجلس على طرف كرسي فيما النيران تأكل من طرحتها لكي تفهم قدرات سلوى، كما في مشاهد أخرى مثل قص شعرها وصبغ شعر أمها وصحوها من الكابوس.

مزيد من الإدهاش؟ في المشهد الذي تلج فيه سلوى إلى المقبرة لكي تتصالح مع فكرة فقدانها لولدها وتحرره ولقائها بالملاك الحارس، تمشي بخطوات بطيئة، بيد مرتخية من جهة، فيما أصابع كف اليد الأخرى منقبضة بجزء منها. إنها حركة قد لا يلحظها كثر، لكن صاحبتها اجتهدت بحرفية هائلة لكي تجسد من خلالها الصراع بين إحساسين متناقضين للشخصية في ذلك المكان: الاستسلام للقدر والممانعة ضد الفقدان! لا يمكن لأحد بغير خبرة وتقمص سلوى خطّاب للأدوار بأن يمثّل هكذا مشهد لا بالعينين هذه المرة (كون الصورة من الخلف).. وإنما بأطراف أصابعه!

في إدارته لممثليه تمكن المخرج من أن يجرهم إلى الأعماق الداخلية لذواتهم الإنسانية لكي يتمكنوا من أداء تلك التركيبات النفسية المتشعبة.

القنديل
تبقى إشارة إلى بطل رئيسي في الأحداث، وهو ذلك القنديل الذي لا يكاد يمر مشهد في الفيلم من دون أن نلمحه مضاء أو منطفئاً، مودعاً في قلق الأم، أو خوف الصبي، واستسلام الجدة، ومصاحب لرحلات الشخصيات إلى عوالمها الحاضرة والغيبية، أو هو مكسر على حواف الكوابيس ووضاء على نوافذ الأحلام. إنه قنديل المتصوف الذي سيرشده إلى طريق الحق، وهو قنديل المشاهد الذي سينير له بعض من الأفكار الخفية في الفيلم متعدد الطبقات، وقبل ذلك كله هو قنديل كريم حنفي الذي سينير حتماً دروباً مظلمة في السينما المصرية!

طباعة Email
#