مع «حنان» بطلة فيلم «أم غايب» للمخرجة المصرية نادين صليب يصعب أن تشعر أن التصوير استمر لمدة 3 سنوات، خصوصاً أن طريقتها في الأداء أمام الكاميرا توحي بانفعالات ممثل محترف بالذات مع طول الفترة الزمنية. في البداية تشعر أن القصة طويلة قليلاً، لكن من الطبيعي أن تكون كذلك لتنسج العلاقة الشفيفة مع البطلة، لكن أحياناً تشعر أن المخرجة من كثرة ساعات التصوير أنها بحاجة لاستخدم الكثير منها.
عيون «حنان» تشع بالحب لكنها تمسك بك من الوهلة الأولى. مرات تكون لهجتها غير مفهومة بالنسبة لغير المصريين (كما كنت أظن)، لكن تبين أن المصريين أيضاً عانوا مع اللحظة في بعض الأمكنة. يحضر الرجل بظله الخفيف أمام الكاميرا من خلال شخصيتي «عم عبدو»، وزوجها «عربي» لتتركك مع تساؤلاتك عن وجود القمع الذكوري في تلك القرية البعيدة.
نادين صليب حصدت مع فريقها في شهر نوفمبر جائزة فيبريسكي لأفضل وثائقي في مهرجان أبو ظبي 2014، وها هي مع فريقها في IDFA (مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية الدولي) تشارك في مسابقة الظهور الأول. «أرى» التقت نادين وكان الحوار التالي.
ما ميزة أن تصنعي فيلماً عن امرأة بفريق معظمه من النساء؟
لم نتقصد أن نقوم بهذا أبداً، لكن الأمر فرض علينا لأسباب لوجستية لأنه لم يكن في الإمكان أن أكون في قرية «حنان» مع رجل ليس زوجي لأسباب ثقافية متعلقة بالمنطقة، إضافةً إلى أن مستوى البوح وكلام النساء وحديثهن عن الولادة والحمل والدورة الشهرية شيء حميمي خاص ما كان ليكون أمام فريق من الرجال.
كيف قمت بإدارة «حنان» وكيف نسجت هذه العلاقة اللافتة مع الكاميرا؟
في الواقع أنا لم أكن أسألها وكانت تسترسل كثيراً في الحديث. كانت تقول أنا أرتاح عندما تحضرون لأنكم تستمعون لي. في الواقع الفيلم عن أحلام مكسورة، وطيلة الوقت تنظر إلينا وتقول: «أعرف أنكم حاسين بي». وكان الفيلم فرصة لإخراج مشاعرنا، كفريق العمل وهي قالت كل شيء أنا كنت أريدها أن تقوله وكل شيء بداخلنا، وكلامها هذا غيّر أشياء كثيرة بداخلي.
كم كانت نسبة الارتجال في الفيلم، خصوصاً أن الفيلم الوثائقي يحتمل إضافات وانتقالات بعيداً عن الخطوط العريضة للسكريبت؟
كنا نكتب بالتوازي حيث كنا نكتب بعد كل تصوير. نعود ونفرغ المادة ونجلس للتفكير. كنا نحاول الحفاظ على المسار الذي نريده، ونحاول التركيز على الموضوع الأساسي للفيلم لكنه كان يتغير بالتوازي. المشكلة أن أشياء كثيرة حصلت لم نكن نريد التطرق إليها حيث انهار المنزل الذي كانت تتكلم عنه لحصول سيل، وقتها رحت ولم نكن نريد التصوير وذهبنا لمجرد الاطمئنان عليها، وفرحنا لأننا لم نرد أن ننزلق إلى مجرد صناعة فيلم عن شخصية وكفى. ولم يكن ينفع أن نصور.
أحس أن كل ما كنا نريد أن تقوله قالته في الفيلم: «أريد جمع المال لأن أمامي خيار بين بناء البيت أو إجراء عملية من أجل الإنجاب» وهي لطالما قالت إنها لا تريد المنزل لأن لا أولاد لديها فقررت استخدام تحويشة العمر في البيت، لكنها في الفترة نفسها حملت. حتى الأرانب لما انتقلت إلى البيت الجديد حملت وولدت!. وعندما توقعنا أننا أنهينا الفيلم، عدنا للتصوير عندما سمعت أنها حامل. وقتها «عم عبدو» اتصل بي وقال: تعالي حنان حامل ولها أسبوع.
كم كانت مدة التصوير؟
3 سنوات توزعت على سنة من الأبحاث، وطيلة 2012 و 2013 وكنا نصور حتى قبل شهرين من قدومنا إلى أبوظبي.
كم حجم المواد الخام التي صورتها؟
200 ساعة وحذفنا كاركترات كثيرة. دعاء كانت موجودة لكنها طلبت أن تحذف. وكانت هناك سيدات في منتصف العمر وهن لوحدهن فيلماً.
هل تفكرون بصناعة فيلم ثان؟
لا زلنا لم نرتح من جهد العمل الماضي، 3 سنوات من العمل كانت مرهقة تماماً.
كم وصلت ميزانية الفيلم؟
95 ألف دولار لثلاث سنوات، وتعتبر قليلة لكنها كانت تكفي تماماً. في البداية كان معنا منحة تطوير ثم كنا نتصرف بما لدينا من موارد وكيف يمكن إنهاء الفيلم بما نملك فقط.
ما كان دور حصالة؟
المعونة كانت تقنية أكثر منها مادية، فمن أمور الساوند ميكس والتقنيين والمونتاج، إضافةً لخبرة المخرجة هالة لطفي وصاحبة مشروع حصالة في الإنتاج.
كم كان التوقيت المفترض لإنتاج الفيلم؟
كنا نريد إنهاء الفيلم في مطلع 2014، لكن ما حدث في العام الماضي مع بداية الثورة أنه لم يكن من الممكن أن يتاح لك إمكانية التصوير في مصر نظراً للأوضاع السياسية التي تشهدها، وقتها كان الناس مرتابين جداً في أي شخص يحمل كاميرا، وهذا تطلب منا العودة في أكتوبر ونوفمبر.
يذهب الوثائقي إلى أماكن الناس وأنت بحاجة لهؤلاء الناس العفويين الذين يقدرون أن يكونوا هكذا أمام الكاميرا، ماذا كانت ردة فعلهم الأولية عند مشاهدة الفيلم؟
هم فعلاً أمام الكاميرا رائعون. هناك أناس لم يريدوا أن يقفوا أمام الكاميرا. عربي لم يكن عنده مشكلة في تصوير حنان. ميرفت لم تكن تحب أن تكون أمام الكاميرا. طبعاً الناس كانوا لطيفين كفاية ولم يكونوا يريدون أن يخبرونا أنهم لا يريدون أن يضايقونا. ميرفت مثلاً اعتكفت بعد ما مات جنينها. ولم تكن تريد أن تقابل أحداً، ودعاء طلبت أن تكون بعيداً عن الكاميرا، وكانت لا تريد لكنها وافقت بعد ذلك. حنان وعم عبدو كانا حتى النهاية. حنان لما حملت لم تشعر أنها منتصرة وكانت قادرة أن تقول كل شيء أمام الكاميرا.
هل تفكرون بالعودة إليها؟
والدي يريد العودة إلى هناك شخصياً، وكلنا نريد ذلك. في الحقيقة هناك علاقة منسوجة بشكل جميل مع أهل المنطقة. وهي طلبت هذا ولو كان هذا هو الشيء الذي أقدر عليه فلا مانع عندي، وأيضاً عبير من المنطقة ولدينا مكان ننام فيه هناك.
كم استغرقت عملية المونتاج؟
كنا نقوم بالمونتاج بالتوازي مع عملية التصوير، لكن المونتاج لم ينته حتى شهر 8، وبالتالي الحصيلة 8 شهور مونتاج، ولو لم نكن مرتبطين بوقت محدد كنا لنستمر. في الحقيقة المونتاج صعب جداً لأنك منغمس فيه جداً، وحنان مع أن الموضوع بسيط إلا أنها أخذت الموضوع إلى مستوى أعلى. هي تتكلم ببلاغة جميلة، وبعدما وقع البيت ذهبت تشتغل في السمسمة، وكان عملاً صعباً في الحر وأصيبت بالحمى وأخذت مضاداً حيوياً وعرفت أنها حامل، لكن جاءت في آخر الفيلم. تقنياً كان المونتاج صعباً لأنها حياتها.
كيف يمكن للوثائقي أن يتحكم بهذه المشاهد وكيف يمكن الاختيار وأن تقولي ما تريدين بوقت قصير؟
صعب جداً. كلما أرى الفيلم أقول لو وضعت القصة هذه ستكون أحسن. الشيء الوحيد الذي لم أندم عليه هو الوقت، لأننا بذلنا وقتاً كافياً في المونتاج، وأوقات كثيرة كنا نترك الفيلم لوهلة ثم نعود إليه، حتى نستطيع الخروج من الفيلم والنظر إليه من مستوى مختلف، لأننا كنا منغمسين فيه من الداخل. ولما الطفل مات كنا مترددين أن نضع المشهد وهي حامل، لكنه نقلنا إلى مكان ثان. تغيرت شخصيتها وخلعت الحجاب وصارت جميلة كأنها تريد أن تقول إنها لم تكن تملك الحق بأن تكون جميلة لأن الجمال من وجهة نظرها هي استمرارية الحياة.
هل يمكن أن تكوني حيادية في تناول الفيلم الوثائقي؟
من الصعب جداً أن تكون موضوعياً في منتصف كل هذا. كلنا كنا مغمسين في المستوى نفسه. يعني هي تحكي لي في المشهد أول الفيلم عن بيتها ليس المهم أن يكون عندها بيت، لأنها لم تخلف، بعدها يقع البيت وكانت لحظة درامية للغاية، لأن العائلة بدأت تراها شخصاً غير مهم لعدم وجود أطفال عندها، وكانت تعيش في «عشة» صغيرة، وكانت تخاف من الشباك لأنه يدخل الفئران والرياح، في المقابل صار الشباك رمزاً للنور وصار المطر يدخل. ولما قررت أن تبني بيتاً، حبلت وعملت شباك وفتحته بشكل دائم.
واحد من المشاهد التي أحببتها كان مشهد السباحة في النيل خصوصاً عندما أخبرتنا أنها ستموت وسيدة أنقذتها وماتت، هل كان المشهد تمثيلياً؟.
لا أبداً الأطفال هناك يسبحون وقت الفيضان. كان النيل يزحف ويغطي الأراضي الزراعية أول شهر مايو، واخترعنا طريقةً للتصوير وكنا نركب كلنا بمركب صغير، لكن بعدما حكت لنا قصة الغرق والنيل صار له معنى ثان، بعدما كنا نصوره على أنه الجنين.




