لأنها واحدة من «بنات زايد»، وابنة بلد ضربت فيه العروبة بجذورها أصالةً وتراثاً وثقافةً، ويتخذ من الصقر شعاراً له؛ لم يكن غريباً على الإماراتية فاطمة الزعابي، أن تهوى رياضة الصيد بالصقور، أو ما يُعرف محلياً بـ «القنص»، حيث عشقت الصقر وعاشت معه، ففهمت لغته ومشاعره، والآن تتمنى أن تؤسس نادياً للنساء فقط لممارسة هذه الرياضة الأصيلة. كما تحلم بالمشاركة في مسابقة الشيخ حمدان بن محمد للصقور، لتصبح أول إماراتية تشارك فيها.
عُرف الصيد بالصقور منذ القدم، ومارسه الإنسان بغرض الحصول على قوته اليومي، إلى جانب ممارسته كرياضة وهواية في بعض بقاع العالم التي نشأت فيها حضارات ومستوى معيشي مترف، حتى سميت هذه الرياضة بـ«رياضة الملوك».
هواية أنثى
تتخذ الزعابي من الصيد بالصقور هواية محببة، كما وجدت نفسها في تربيتها، تقول: «أحب هذه الطيور، وممارسة هذه الرياضة جذبتني منذ الصغر، ومما أسهم في هذا الانجذاب هو نشأتي ووجودي في بيئة مكنتني من مشاهدة كل ما يتعلق بالصقور». وتشير إلى جوانب غير معروفة للكثير من الناس عن هذه الهواية، خاصةً أن الإنسان يتعامل فيها مع طير جارح جامح الصفات، وتوضح: «يواجه من يمارس هذه الهواية العديد من التحديات، ولا يمكن إتقانها والإلمام بجوانبها بسهولة إلا من خلال الممارسة المكثفة، فمثلاً أقوم أنا باستدعاء الطير (الصقر) وتدريبه والتعامل معه بأكثر من طريقة، منها (الطيارة) و(التلواح)، وكل طريقة لها أهداف وغايات معينة».
تدريب الطير
تكشف الزعابي تفاصيل الطرق التي تقوم من خلالها بتدريب وتعليم الطير بها ليعرف ما تريده منه، خاصةً أنه يكون في بعض الأحيان عنيداً، إلا أن هناك طرقاً تمكن القناص من التعامل مع طيره، أو حتى مع غير طيره. وتقول: «من الطرق التي أتبعها في ذلك (التلواح)، وهي أن أقوم بترك الصقر يطير إلى شخص ثانٍ يقف على مسافة معينة، ويكون بانتظاري لإطلاق الصقر، وهو يحمل بيده عصاً في أولها قطعتان متدليتان وخلالها يقوم هذا الشخص بالتلواح للصقر بطريقة ما كي يلفت نظره فتصبح هدفه ويقوم بالتصويب عليها، وهذا التدريب يفيدنا في تحديد ومعرفة سرعة الطير.
أما الطريقة الثانية فهي (الطيارة)، وهذه الطريقة نعتمدها لتدريب الطير، حيث نقوم بتعليق نوع من الطيور، مثل الحمام أو الكروان أو الحبارى، بطيارة ورقية ونطلقها في الجو، ثم نبدأ برفع البرقع من فوق عيني الطير بهدوء، وما يلبث الطائر أن يلاحظ الطائرة حتى يحلق باتجاهها لصيد فريسته، وهذا التدريب يفيدنا في التحكم في الاتجاهات التي يطير بها الصقر».
مخاوف هاوية
تروي فاطمة بعضاً من المخاوف التي واجهتها عندما بدأت ممارسة هواية الصقارة، فتقول: «لم أواجه أي صعوبات حدت من شغفي بممارسة هواية الصيد بالصقور وتربيتها، لكن بالتأكيد هناك صعوبات ومخاوف تواجه أي شخص يتعامل مع الحيوانات والطيور الجارحة، فهناك علاقة تجمعني بالصقر، وهي العلاقة نفسها التي تجمع أي شخص يتعامل مع الحيوان، لأن الحيوان لديه القدرة على معرفة صاحبه. وأعترف لكم بأن أصعب ما واجهته في بدايتي هو تعاملي مع طير ليس مُلكي، أو إذا كان الطير جديداً، حيث يكون في حالة هياج وتوتر. ولكن بعد فترة بدأت بالتأقلم ومن ثم إتقان الطرق التي تهدئ الطير، وصرت أقوم بالمحاولة مرة واثنتين إلى أن أثبته على يدي».
هي وعائلتها
عندما سألتها عن أكثر الأشخاص الذين دعموها معنوياً ونفسياً في هذه الهواية، تبسمت الزعابي وقرأت الإجابة في عينيها، تقول: «هم أهلي وأحبتي من أصدقائي والمقربين مني، خاصةً أن بعضهم يمارس هذه الهواية من قبلي، وأنا تربيت بعائلة تمارس القنص والصقارة». وتضيف «ربما لأنني وُجدت في بيئة وعائلة تمارس هذه الهواية بشغف وحب، فقد انتقلت إليّ جينات هذا الحب عندما وُلدت». وتتحدث عن الشعور الذي انتابها لدى ممارستها لهذه الرياضة وتقول: «تملكتني مشاعر فطرية، وهذا أسهم بدوره في جعلي أتعلم بشكل أسرع، وأما من حيث المعلومات فاعتمدت على السؤال الدائم لأهل الخبرة والرجوع إليهم في حال صعب علي شيء».
نادٍ للفتيات
تشجع فاطمة نظيراتها من الفتيات على ممارسة هذه الرياضة، خاصةً أن من يمارسها يكتسب الكثير من هذا الطير الجميل على حد وصفها. وتضيف: «طبعاً أشجعهن وبقوة على ممارسة هذه الهواية، والدخول إلى هذا العالم الرائع، وسوف يشعرن كيف هي المتعة ذات الطعم غير المعهود، سواء من خلال إمساك الطير أو إطعامه». وتفصح عن فكرة تراودها، وهي تأسيس نادٍ يكون حكراً على السيدات فقط لممارسة رياضة وهواية الصقور. وتقول: «بكل تأكيد تراودني هذه الفكرة، وهي وجود نادٍ متخصص للسيدات، وأتمنى الحصول على الدعم لإنشاء مثل هذا النادي، وأتمنى أن أجد قابلية لدى الفتيات ليدخلن إلى هذا العالم».
تقدم الزعابي رسالة لنظيراتها من الفتيات، وتقول: «أدعم كل السيدات اللاتي لديهن ميل إلى هذه الهواية، وأقول لهن إنها ليست حكراً على الرجال، والفتاة التي تمارسها لن تفقد شيئاً من أنوثتها. وأنصحهن بأن يمتلكن الشجاعة وقوة الإرادة على ممارستها وحبها».
علاقة مهمة
تكشف فاطمة العلاقة التي تجمها بالصقر، وكيف أن هذه العلاقة تسهل التعامل بينهما، فتقول: «إن لغة الطير في التعامل مع الإنسان شيء لا يمكن وصفه أو تخيله، فالطير يفهم ويشعر بصاحبه، بل يجعلك تشعر أنك تطير معه وأنه يفهمك وقريب منك». وتشير إلى وجود علاقة أخرى يمكن الحديث عنها في هذا السياق، فعندما يأتي ذكر الشعر نربطه بشكل لا إرادي بالصحراء والصقور، والعكس صحيح، فعندما يتم ذكر الصقور نربطها لا إرادياً بالصحراء والشعر. وتبين الزعابي هذه العلاقة، وتقول: «أحب الشعر والشعراء وأشجعهم وأهوى سماع أشعارهم، وعلاقة الشعر بالصقور لا يمكن إنكارها، ولكنها غامضة وغير مفهومة».
نظرات إيجابية
تذكر فاطمة بعض الأماكن التي تلجأ إليها لممارسة رياضتها، مثل منطقة العوير في دبي، فهناك فسحة قريبة من فندق باب الشمس والخضر والجبيب على خط العين. وتقول: «عندما يراني الناس خلال ممارستي لهوايتي فإن ردة فعلهم تكون إيجابية للغاية، بل ومشجعة وأراهم يتابعونني بشغف عند قيامي بتنفيذ خطة في التدريب، سواء كنت أقوم بترك الطير أو غيرها، وفي المقابل أجد بعض نظرات الاستغراب والدهشة، ولكن بالوقت نفسه يكونون متحمسين، والأهم أنهم يكونون متقبلين لفكرة أن تقوم أنثى بممارسة هذه الهواية».
طيري الخاص
منذ عامين وفاطمة تمارس هذه الهواية، إلى أن أصبحت خبيرةً وملمةً بها، وصارت تتقنها بطريقة حرفية. وبعد هذه الفترة الطويلة سألناها عما اكتسبته من الصقور؟ فتجيب: «الصبر وقوة الإرادة والتحدي، فمثلاً إذا كنت سأدخل في مسابقة، فإنني أحاول أن يكون طيري هو طير السباق وينال جائزة». وتمتلك الزعابي صقراً واحداً، ولكن لديها اثنان آخران تقوم على تدريبهما فقط، وعن صقرها الخاص تقول: «هو الآن تحت التدريب، وهو صغير في العمر، ولكنني أقوم بتدريبه لكي يصبح جاهزاً، وهذا لا يمنع أنني أمارس هوايتي بطيور أخرى ليست ملكي».


