في مهرجان أبوظبي السينمائي جنود كثر، لكن واحداً يلعب دور المايسترو ويدير الخيوط كلها من خلف الستارة وأمامها. تراه على الدوام في كل مكان بابتسامته الواثقة خصوصاً مع البرنامج اللافت لدورة هذا العام من مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته الثامنة. للحديث معه خيوط متشعبة لا تبدأ من كونه مسرحياً وممثلاً وبطلاً لأفلام كثيرة شاهدها الجمهور وأحبها، ولا تنتهي بكونه مايسترو مهرجان أبوظبي السينمائي ومديره العام. علي الجابري الفنان والممثل ومدير المهرجان لا يتوقف عن الحركة، وتراه في أروقة المهرجان يلقي السلام ويتوقف للحديث هنا وهناك مع الضيوف والصحفيين وأعضاء لجنة التحكيم، وقبل هذا كله مع فريق العمل الذي يعامله كعائلته.
«أرى» حرصت على لقاء المايسترو الجابري للحديث عن الإنجاز اللافت، خصوصاً أنها الدورة الثالثة لعلي في هذا المنصب، كما أنها انطلقت بفيلم إماراتي «من ألف إلى باء» للمخرج الإماراتي علي مصطفى، وهذه سابقة تحسب للمايسترو الشاب الذي فضل أن ينال فيلم إماراتي شرف افتتاح هذه الدورة، لكن في المقلب الآخر هناك الكثير من الأقاويل التي يتردد صداها في أروقة المهرجان وخارجه، اخترنا أن نضعها على طاولة الجابري قبيل إعلان النتائج الرسمية للمهرجان بيوم واحد، فما كان منه إلا أن استجاب بود عال وفتح قلبه في هذا الحوار.
الأسطورة الأولى: الأموال الطائلة
البعض لديهم فكرة أن مهرجان أبوظبي السينمائي قادر على دفع أموال أكثر من غيره من المهرجانات ويستحوذ على أفلام مهمة؟
دعني أوضح أمراً. من حق الموزع أن يطلب رسوماً على فيلمه فمثلاً قد يطلب ألف دولار أو ألفي دولار، وقد يقول لك أعطيك عرضاً واحداً فقط، لكننا لا ندفع أكثر من 5 آلاف دولار مقابل عرض الفيلم أبداً، وأي كلام سوى هذا الكلام هو غلط. أنا في المهرجان وأقولها لا يوجد هناك شيء اسمه دفع أموال طائلة مقابل أفلام. رسوم الأفلام هي فقط ما ندفعه.
منذ ثلاثة أعوام نلت شرف قيادة مهرجان أبوظبي السينمائي وهو واحد من المهرجانات المهمة في العالم العربي، بعد هذه التجربة لو طلبنا منك أن تعطينا الخطوات المطلوبة لكي تكون قائد مهرجان ناجح ما، أو ما هي الخطوات التي عليك تجنبها لتكون قائد مهرجان ناجح، اختر أيها تفضل الرد عليه؟
ببساطة. أولاً دعني ألخص الموضوع في نقطتين أولهما السلاسة. لن أقول الحزم لأنه مطلوب، لكني أريد التأكيد على نقطة السلاسة، وأتعامل مع فريق عملي بكثير من الحب وعلاقتنا تجسد علاقة عائلة، طبعاً هذا الكلام ليس فقط للاستهلاك الإعلامي إنما هو حقيقة أعنيها طيلة الوقت، ويمكن أن تلمس هذا الشعور من مدير المهرجان وحتى أصغر شخص في مهرجان أبوظبي السينمائي. النقطة الثانية وهي آلية العمل: بابي مفتوح دوماً، وكثيراً ما أسمح لفريق العمل بالدخول ومقاطعة أي اجتماع لتوقيع أي ورقة، وربما يحصل هذا معكم خلال الحوار فلا تتفاجؤوا، وفي الواقع أنا أعطيت الضوء الأخضر لذلك لأن على العمل أن يستمر، ولا يقف الروتين أمام أي ورقة، ولو كان هناك أي شيء ضروري سأعتذر منك على الفور لأكمل الموضوع. خلال المهرجان أمر على الزملاء وأسأل عنهم واحداً وحداً. وعندما أتأخر حتى الظهيرة يفتقدونني ويسألون عن سبب تأخري بالمرور. هذه هي روح المهرجان التي نجحت في ترسيخها طيلة أعوام ثلاثة.
مسؤولية كبيرة أن تكون على رأس مهرجان سينمائي ضخم مثل مهرجان أبوظبي السينمائي خصوصاً لجهة حساسية المنتج لكن في الوقت نفسه أنت بحاجة لآخرين يساعدون في هذا، كم نسبة الثقة التي تعطيها للآخرين الذين يعملون معك؟
أشاهد الأفلام مع فريق البرمجة على الدوام، ولو شاهد الفريق فيلماً دون أن أكون معهم فإني آخذ رأيهم بعين الاعتبار وأشاهده في الإعادة، ولو أردت الحديث عن نسبة فدعني أقول إننا متفقون بنسبة 95%، والـ5% المتبقية نتركها للنقاش. في العادة تيريزا لا يعجبها أي شيء بسهولة لكننا نتناقش على الدوام. سأحكي لكم قصة حصلت معنا في فينيسيا الماضي. حضرت 5 أيام من المهرجان مع برنامج محدد مسبقاً لمخرجين بعينهم، ومن ضمن الأفلام كان هنالك فيلم حصد تصنيفاً عالياً، فقلت ربما يكون جيداً. المهم حضرناه، وعندما انتهى العرض التفت إلى تيريزا وسألتني ماذا؟ قلت لها هذا خارج حساباتي، فقالت لي شكراً. لكن الحظ لم يرافقنا في الأيام التالية كلها حتى حضرنا فيلم «فيلومينا» الذي عرض في مهرجان العام الماضي، وتكرر الموقف ما أن أدرت رأسي باتجاهها. نحن متفاهمون من اللحظة الأولى، وأعرف أن الفيلم لم يعجب تيريزا عندما تقول لي «دعنا نفكر».
هل يلعب صوتك دوراً حاسماً في التصويت عند وجود اختلاف في الرأي؟
لا أبداً. منذ قليل كنت مع عرفان خان رئيس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة وسألني: كيف تختار الأفلام خصوصاً أن بعضها يحمل جرعة فنية مختلفة عما اعتاد عليه مشاهد السينما، وكان جوابي: أنا وفريق عملي نرى بوجهتي نظر الأولى عين المشاهد والثانية عين المبرمج. ننسى علي الجابري وتريزا وانتشال، ونصير مشاهدين عاديين، ونفكر كيف سيتم استقبال الفيلم، هل سيُفهم أم لا ونتحدث حول هذا، وعندما نجد فيلماً فيه الكثير من الجدل، ويحمل فنيات عالية نناقشه، ونحرص على تقديم ذائقة تليق بالباحثين عن ذائقة فنية عالية المستوى، وأنا حريص عند مشاهدة أفلام على وجود فنية عالية فيها ومختلفة مثل فيلم test والفيلم صامت.
الأسطورة الثانية: الاعتماد على المهرجانات الأخرى
كان جمهور مهرجان أبوظبي السينمائي محظوظاً بمشاهدة دب برلين وأسد فينيسيا وسعفة كان والفيلم الفائز في صن دانس، وهنا يرى البعض أن خياراتكم كانت خيارات سهلة لأنكم ببساطة تذهبون إلى المهرجانات وتختارون الأفلام الفائزة وكفى، لكن كم هذا عمل صعب؟
بصراحة. أمشي وأفكر مع قرب نهاية المهرجان كيف سنبدأ ثانية. صدقاً الموضوع متعب. البعض يتحدثون كثيراً، لكني أتمنى من أحدهم أن يحضر كان. المتابعة عملية صعبة جداً فلحضور فيلم الساعة 10 عليك الوقوف في الطابور منذ الساعة 8، وحتى أحضر العرض التالي علي أن أطلب من أحد الشباب إحضار سندويش حتى آكل فيما أنتظر في طابور الفيلم الثاني. وفي برلين عليك تحمل صقيع فبراير. مع كل ما يحمله موضوع السفر من تعب لأن برنامجنا حافل طيلة الوقت مع الأفلام وحفلات الاستقبال، ولقاء صانعي الأفلام ومشاريعهم الجديدة، وجدول المتابعة مليء فبعد انتهاء المهرجان سأذهب إلى القاهرة بدعوة من الناقد سمير فريد مدير مهرجان القاهرة السينمائي الذي نتمنى له التوفيق، وبالتالي بدأ عملي دون استراحة، وفريق العمل لا يحصل سوى على يوم استراحة واحد لنحول العمليات إلى المكتب من جديد وننطلق إلى الدورة القادمة.
البعض يتوقع أن الفريق يحصل على شهر إجازة على الأقل؟
هناك فريق يأخذ إجازة لكن البعض يستمر في العمل، وأنا شخصياً لا آخذ إجازة فأنا طيلة العام مسافر ولا أرى أسرتي إلا قليلاً. في الواقع الروزنامة السنوية مليئة بالسفر والمهرجان، وبرنامجي حافل منذ الآن ابتداءً من القاهرة إلى دبي إلى برلين في فبراير، وصولاً إلى هونغ كونغ في مارس، ثم كان في مايو، وبعدها إلى روسيا في يونيو، وفي شهر 7 أكون موجوداً، وبعدها مهرجان لندن ومن لندن أعود. فلا وقت لدي من أجل الإجازة، بالتالي اختيار الأفلام ليس عملاً سهلاً.
دعنا نعود إلى خيارات البرمجة والأفلام الفائزة في المهرجانات.
هذه السنة كنت في مهرجان «فينيسيا» وكانت طيارتي الساعة 4 بعد الظهر، قلت لفريقي سنحضر فيلم «حمامة تجلس على غصن وتتأمل في الوجود»، كان العرض الساعة 10 صباحاً وقلت لهم سنذهب بعدها إلى المطار. شاهدنا الفيلم ولم يكن في حسابات أحد من الحاضرين في «فينيسيا» من النقاد أو الصحفيين أنه سيفوز، عدنا إلى الإمارات وعرفنا أنه فاز. وكنا وقتها قد اتفقنا على عرض الفيلم قبل الفوز أن يكون موجوداً في البرمجة، وهذا حدث مع كثير من الأفلام واتفقنا عليها قبيل الإعلان عن النتائج. وعندما اخترنا «فيلومينا» تحركت تيريزا ونحن في القاعة، وخلال ساعة اتفقنا أن يكون في مهرجان أبوظبي السينمائي ووصلنا إيميل رسمي من إدارة المهرجان وسافرنا.
الأمر نفسه حصل في مهرجان «سان سيباستيان» مع فيلم «Magical Girl» حيث شاهدته ولم نكن نعرف عنه شيئاً. «لفاياثان» الفيلم الروسي (حصد جائزة اللؤلؤة السوداء في مهرجان أبوظبي السينمائي) حجزناه قبل أن يفوز.
بالتالي ما أود قوله هو أننا نرى ما يعجبنا وخياراتنا ليست مرتبطة بالنتائج، وهذا دليل أن أبوظبي السينمائي يختار أفلامه بدقة قبل انتظار نتيجة المهرجانات، وحصول الأفلام على جوائز هو دليل على قدرة مهرجان أبوظبي السينمائي على اختيار أفلام جيدة.
سؤالي تقني، وهو كيف استطاع المهرجان تحقيق هذه الريادة لأنه ليس من السهل إحضار هذه الأسماء إلى مهرجان عربي؟
في الحقيقة نحن بدأنا العمل منذ العام الماضي وفق خطة محكمة مع الزملاء من أجل بناء مفهوم السينما، أطلب منهم دوماً التركيز على البرمجة، دوناً عن باقي المعطيات التي تكون بمثابة تحصيل حاصل من السجادة الحمراء إلى الصحافة والتحكيم والضيوف، فإن كان برنامجك ضعيفاً انتهى أمرك. أنا أفكر ماذا يمكن أن أجلب للجمهور. أقول لهم نحن وضعنا خطة أخبروني عن البرنامج ولا تكلموني عن الحملة. لا أنكر أننا اجتهدنا وحظينا بتوفيق من الله وبعض الحظ، لأنه من أصعب الأشياء أن تحصل على فيلم في ظل وجود مهرجانات أخرى تريد أن تحصل على هذه الأفلام، إضافةً إلى أن سمعة المهرجان التي نبني عليها ساعدتنا أيضاً.
الأسطورة الثالثة: بوابة سند
ما مسألة علاقة الجوائز بـ «سند»؟ هناك أسطورة أخرى تقول إن غالبية الأعمال التي تدخل مهرجان أبوظبي السينمائي من خلال بوابة «سند» تحصد الجوائز وكأن المهرجان يكرم نفسه؟
في أول لقاء مع لجان التحكيم نقول لهم كل على حدة، إننا نرحب بكم وأول كلمة لي ولتيريزا وانتشال وفريق البرمجة نحن معكم ولا نتدخل في قراراتكم أبداً، والدليل أن الأفلام المدعومة من «سند» مثل «ذيب» فاز في فينيسيا، و«المطلوبون الـ18» لعامر الشوملي و«الوادي» لغسان سلهب نالت حظوة في تورنتو، وأقول لكم ستعرفون غداً ألا علاقة لنا لا من قريب ولا من بعيد بهذا الكلام، (وهذا ما حصل في اليوم التالي عند إعلان النتائج).
متى يحس مدير مهرجان أبوظبي السينمائي بالراحة؟
في الواقع أنا أنتشي مع اكتمال البرنامج شيئاً فشيئاً. أحس بهذه النشوة رويداً رويداً حتى موعد المؤتمر الصحفي للإعلان عن البرنامج. أول ردة فعل تأتي من الصحفيين وكنت مرتاحاً جداً لأني أقف على أرضية صلبة، فكل الأفلام شاهدتها ومرتاح للبرمجة تماماً، وخرجنا بروح إيجابية كبيرة من المؤتمر هذا العام. أحد الصحفيين فاجأني في المؤتمر الصحفي حيث قال إنه قام بجردة سريعة للبرنامج ورأى أن دورة 2014 هي دورة ممتازة، فلننتظر 2015 ماذا سنرى فيها. طبعاً أخافني الكلام لأنه وضعني في موقع خطر من التحدي، لأن المهرجان في منحى متصاعد وكل الأفلام المهمة جاءت إلى المهرجان، خصوصاً مع وجود الفائز الأول في كل المهرجانات ضمن البرنامج، وهذا ما يضع على كاهلي مسؤوليةً كبيرةً جداً.
ماذا عن فيلم الافتتاح هل ستعيدون التجربة مع فيلم إماراتي في دورات قادمة؟
أتمنى أن يكون لدي كل سنة فيلم إماراتي يفتتح المهرجان، وأتمنى أن يكون هذا الفيلم محركاً ومحفزاً للشباب، وأنا متأكد أن شباباً كثراً يريدون أن يكونوا في هذا المكان، كما أتمنى أن يكون هذا الخيار دافعاً للصناعة، وهنا اختار المهرجان تقديم رسالة مفادها فيلم الافتتاح يرحب بالفيلم الإماراتي.
الأسطورة الرابعة: الاندماج مع مهرجان دبي
السؤال الأخير، يشاع أن أبوظبي السينمائي سوف يتحد مع مهرجان دبي السينمائي؟
نحن لم نفكر بهذه القصة، لكن إن كان هذا لمصلحة المهرجانين فلا مشكلة، مع أهمية وجود كل من المهرجانين، لكن حتى الآن لم نسمع أي شيء من هذا الكلام أبداً.


