الحوار مع الفنان الإماراتي جلال لقمان انعكاس لروحه الصافية، لكن حين يرفع صوته أثناء الحديث تستشعر ذلك القلق الوجودي الذي يعيشه هذا الرجل. كمّ الحياة التي يتمتع بها. الروح الوثابة التي تقفز من عينيه. يعمل جلال لقمان كالإسفنجة التي تمتص كل ما حولها، ويترك لنفسه رفاهية التعبير بأدواته. كل الأدوات متاحة وكل الخامات كذلك، لكنه يبقى هو في كل الأوقات، الإنسان، الأب، الزوج، والفنان.

حين تبادر الفنان الإماراتي جلال لقمان، 47 عاماً، في مكالمة هاتفية بالقول أود الحديث عن شغلك الحالي، يأتيك الجواب أيها بالضبط؟. تجيبه الأخير الذي نشرته على حسابه في «إنستغرام»، إلا أنه لا يكتفي بهذا الجواب ويطلب تحديداً أكثر. أنت تتابع شغله على الغيتار الكهربائي الذي حوله إلى مقترح فني لافت وبيع في مزاد، كما تتابع شغله على المنحوتات الخاصة بالألعاب التي سيذهب ريعها لأطفال غزة، ومشاريع التشكيل التي يشتغل عليها، إضافةً إلى محاضراته التي يقدمها بالتعاون مع مهرجان أبوظبي لمحبي الفن، ويجول فيها أرجاء الدولة. تسأله عن المنحوتات الكبيرة التي يشتغل عليها. يوافق، وتتفق معه على موعد.

موعد في «مصفح»
يضرب لك موعداً في الورشة في منطقة مصفح الصناعية، إلا أن روح الفنان تلاحقه ويطلب منك اللقاء أمام الكنيسة الأرمينية في مصفح. تستغرب لوهلة، وتطلب منه الإعادة، فيعيد. يستدرك بالقول إنها المكان الوحيد المختلف عن محيطه، وهي نقطة علام معمارية بارزة في ذلك المكان. تبتسم للفنان أبداً. وتهرع للقائه في الموعد المحدد. يتأخر قليلاً لكنه سرعان ما يعتذر لأنها الأيام القليلة الباقية قبل انشغاله بجولة تعليمية وورشات عمل مكثفة وفترة حصاد. لا مشكلة، أنت تعلم سلفاً أنها فترة مزدحمة بالنسبة له.

تشكره على وقته، وتنطلق خلفه إلى الورشة. تلاقيك طرقات المطارق، وأصوات أدوات اللحام، والشرر المتطاير في كل مكان. المكان ورشة لا تهدأ، كيف لمنتج فني أن يولد هنا، تتساءل. هنا مكان للتنفيذ فقط، يجيبك. نلتقط الصور له أثناء العمل. نتعرق كثيراً طيلة مدة التصوير (لم تتجاوز نصف ساعة)، فكيف بالفنان الذي قضى أكثر من ثمانية شهور على منحوتته المعدنية الشهيرة «العملاق الخفي» المصنوعة من الحديد بارتفاع 3 أمتار ووزنها طن واحد، والتي قدمها تأثراً بنقد غير منصف يقول إن «الإماراتيين يختارون الفن الأسهل».

إلا أن أعمال الفنان الإماراتي تشهد له ولا حاجة لإثبات مقولة أو نفيها، وأسرّ خلال المقابلة أنه فقد النظر مرتين خلال إنجاز العمل نتيجة الظروف الصعبة مع خامة صعبة، إضافةً للحرارة العالية، لكنه يشدد عند التعريف بنفسه بأنه: «فنان تشكيلي أفتخر بصراحة لوحاتي، متمسك بالأسس نفسها التي بدأت فيها أول مشواري، وهي أن على العمل الفني أن يكون صادقاً، ولا يشترط أن يرضي الجميع. وأن يكون له هدف ومعنى، وألا يكون لإرضاء أذواق معينة».

حين تسأله من ترضي؟، يجيب: «المتلقي، وأقول المتلقي بمنتهى الحذر. أنا لا أقول من شاهد العمل إنما أقول من تلقى العمل، لأن هناك فرق بين من يشاهد اللوحة ومن يتلقاها. أنا لا أرضي أحداً معيناً. العمل ربما يكون جملة أو فكرة معينة لا بد لها أن تصل. في المحصلة الرسالة ربما لن تكون مرضية، لكنها ضرورية»، وعندما تسأله هل تقدم التغيير كما تراه؟، يجيب «لا بد من هذا، رب العالمين خلقنا كي نتغير. أنت لست أنت قبل سنة أو قبل 5 أو 10 سنوات».

«إلهام من نور»
القطعة الفنية «الله» ليست وحدها في المجموعة إذ إنها «زائد مجموعة من الرسوم هي ضمن مجموعة أعمل عليها الفترة الحالية أطلقت عليها اسم (إلهام من نور)، وهنا أناقش النور بالنسبة لجميع الأديان، وما هو النور بالنسبة لكل شخص على حدة، وبحكم أني مسلم فالنور بالنسبة لي هو (الله) جل حلاله، وهنا وظفت علاقتي بالأسماء الحسنى كـ (الحي) و(القيوم) ووظفتها في العمل الفني، كنوع من توجيه الشكر الدائم لله، ونوعاً من رسالة نحتاجها في الوقت الحالي إلى أن يكون لدينا قناعة بأن رب العالمين هو الوهاب والرزاق ومصدر كل شيء على قيد الحياة وما بعدها»،

هذا كان الإلهام من نور لكن النور الهابط من السماوات ترك تأثيراً على عمله الفني وكيف يمكن أن يغير في أعماله الفنية، مشيراً إلى أن أعماله الفنية في العادة «قاتمة، ظلام، وفيها عنف، وتحمل من الشراسة والعنف الكثير»، ويقول مضيفاً: «لكن هذا عمل ناعم ونظيف ومريح وحتى دون إضاءة يضيء نفسه. كأني وضعت مرآة وشاهدت انعكاسي في المرآة، وعملي حتى اليوم يمثل انعكاسي. الخامات صعبة وتأخذ مني وقتاً طويلاً لأنها ألمنيوم لذا أنا بحاجة لاستراحة أعود إليها كل فترة، ولي أكثر من سنة أعمل عليها وبحاجة لمزيد من الوقت».

لا يمتلك جلال لقمان إجابة عن مكان العرض «حتى اليوم لم أحدد مكاناً أو وقتاً. أترك لنفسي فسحةً من الوقت، وربما لو جاءني عرض من غاليري سأفكر بالموضوع. أريد أن أعطي العمل فرصةً للخلاص. لهذا اخترت المزج بين التشكيل واللوحة والمنحوتة لأني خليط من كل شيء. أنا أرسم بالكمبيوتر وأرسم على خشب وأنحت على الجبس وأرسم على الاكرليك، وبمواد مختلفة، ولا بد أن أتكلم باللغة التي أفهمها».

سؤال المتلقي
تسأله كيف تطلب من المتلقي أن يفهم هذا العمل، هل تطالبه بالنظر إلى العمل كمعرض متكامل يقرأ مقولته ويجب تلقيه كوحدة متكاملة؟. يجيب: «هذه فكرتي، لكني لا أعطي المشاهد كيف يمكن أن يتلقى. في الواقع أنا أنتظر اللحظة التي أرى فيها كيفية تلقي غير المسلمين لهذا العمل. لأني أؤمن أن المسيحي والمسلم واليهودي من المصدر نفسه في علاقته بالله، ويبقى السؤال كيف سيتلقى؟. خاصة أن الإمارات خليط من جنسيات متعددة. هل ستصل الرسالة؟. هل ستصل للجميع بنفس الطريقة؟. أو هل سيعتبر أحدهم أن النور منسوب لي أنا، أو أنه لكل واحد؟. هل سيعجبون بالشكل؟ بالخط العربي؟ بالمعنى؟».

يخبرك أن ملمسه ناعم ويطلب منك تلمسه، كما استخدم في تلوينه تقنية بخ العمل بأصباغ السيارة لكنك تتساءل هل قصد تقديم البريق للشيء المبهر؟، يجيبك: «أنا كنت أريد إنتاج عمل يمكن أن يعرض في أي مكان. غاليري، حديقة، مكان صغير، ليس مهماً. لم أرد أن أضع له حدوداً. لأن النور في كل مكان، وسهولته وراحته على العين لأن الدين يسر، غير ما نسمعه حالياً ونراه، وغير ما تفعله الناس وتنسبه للدين والله»، ويروي لك حادثة عن الفهم المغلوط: «مرة ذهبت لجمع الخشب من مكان وصنعت منه عملاً، وتبين أن شكله بعد الانتهاء منه يبدو كجدار في بلد تمزقها الحرب، وكتبت عليه (الله) وبحرف صغير تحتها كتبت (ليس السبب). للأسف كل من يريد اقتراف فواحش صار يستخدم اسم الله، وإعادة مفهوم الدين لإنسانيته مطلوبة».

«غيتار غيبسون»
أما عمله الآخر وهو الغيتار فله قصة أخرى يرويها لقمان بالقول: «تعتبر شركة غيبسون من أفخم شركات الغيتار في العالم، وهذا العام تحتفل بذكرى مرور 120 سنة على إنشائها، فأعطوا 20 فناناً في الدولة غيتاراً تاركين له حرية تحويله لعمل فني، وبعدها يعرض في المعرض في مزاد، وريعه يذهب لخدمة السلام في العالم».

لا يخفي جلال لقمان سعادته بأن الفرصة مواتية «لمزج اللغتين العالميتين (الفن والموسيقى) مع بعض، وأن أقدم مفهومي في وقت نحن بحاجة للسماع عن السلام والأمان والمحبة في العالم، وخاصةً في الوطن العربي حيث الأمر هذا مطلوب بشدة»، لكنه يعترف أن الصعب في الموضوع هو أن «هذا العمل يخالف ما أقوم به عادةً، حيث أقوم بجمع الأشياء المهملة والصدئة والمرمية وأقصها وأصنع منها عملاً فنياً، لكن هذه المرة الموضوع مختلف. الغيتار مصنوع من أجود أنواع الخشب، وهو في حقيقة الأمر تحفة فنية، لذا كان صعباً بالنسبة لي أن أصنع شيئاً جميلاً، فكيف لك أن تحول هذا الجمال إلى جمال من نوع مختلف، لكني أظنني توفقت حسب ما سمعت من الناس، والحمد لله».

الصالون «المخزن»
رغم مسيرته الطويلة لا يزال الفنان لقمان يحار في مكان تخزين أعماله الفنية، اليوم بعدما شاهدت جزءاً من عمله الفني «إلهام من نور»، خطر ببالي هذا التساؤل. «بيتي هو مستودعي ومخزن أعمالي الفنية. فيه تجد لوحات وأعمال خشبية ومنحوتات»، هكذا يجيبك الفنان الإماراتي. يعرض لقمان منحوتة «الله» في صالون منزله إلى جانب طاولة السفرة، إضافةً إلى أعمال فنية أخرى تراها أمامك. يسر لك أن الكثير منها في الكراج، وبعضها الآخر في الخزائن تملأ المكان. فهل يبقى الفنان رهين مزاج المشتري، أو رهين مزاج صالات العرض، رغم وجود كثير من الصالات اللافتة، وبعيداً عن دعم المؤسسات الثقافية؟.