أخبرت نرجس العبد الله، شابة إماراتية، عائلتها بإصابتها بمرض السرطان، وتناقشت معهم في الأمر بكل هدوء، ومن دون خوف، وصبّرتهم وصبروها على ضرورة مكافحة المرض وهزمه وطرده من جسدها، وتم الترتيب لمشوار العلاج بالكيماوي. نعم، كثيرات قهرن مرض سرطان الثدي، بل وانتصرن عليه بالإرادة والعزيمة والدعم المعنوي من الأسرة والمجتمع، وبالتالي، حصلن الشفاء وعدن إلى حياتهن العادية، وفي قسم العناية بالثدي في «مستشفى توام» بمدينة العين، قابلت «أرى» بعض السيدات والشابات اللاتي حكين تجاربهن الخاصة حول اكتشافهن للمرض ومواجهتهن له.
قهرت مرضها «بدرجة امتياز»
من منا لا يهاب مرض السرطان، فبمجرد سماع نبأ إصابة قريب منا يأسرنا الاكتئاب، ونضيع في دوامة من الحزن. وحينما أصيبت بالمرض الشابة الفلسطينية وفاء علي بركة، بهذا المرض، مرت بلحظات عصيبة، يعجز اللسان عن ذكرها، تقول: «تجاوزت كل ما اعتراني بالإيمان بالله، وأمل كبير لا حدود له». تجاوزت وفاء الـ 30 عاماً من عمرها، وتسرد معاناتها مع مرض السرطان.
وتضيف: «أنا معاقة بصرياً، ابتلاني الله تعالى بأن أُقبل على هذه الحياة وأنا كفيفة، أما قصة إصابتي بالمرض، فكان ذلك في عام 2008، لأبدأ فوراً برحلة علاج طويلة بالكيماوي». وتتابع قصتها بابتسامة ممزوجة بثقة: «اضطر الطبيب بعد تفاقم حالتي الصحية إلى استئصال الثديين بشكل كامل، لم يكن ليلجأ لهذا إن تمت عملية الكشف المُبكر، وهذه ضمن الأخطاء الطبية التي كثيراً ما تتكرر. ولأن إرادتي لا حدود لها، فقد رضيت بتأدية امتحانات الصف الحادي عشر وأنا في المستشفى، وحصلت على نسبة 83 %، كما حصلت في المرحلة الثانوية على نسبة 87 %». وتوضح: «في عام 2010، شك الأطباء بأن السرطان وصل إلى الرئة، ولله الحمد أثبتت الأشعة عكس ذلك، وبين كل 3 أشهر أجري فحوصات دورية».
وفاء تؤكد على أن إيمانها الكبير بالله تعالى، وأملها بأن الحياة لا تزال جميلة بأفراحها وأتراحها، لم تحمل هماً كبيراً، إذ حصلت على دعم أسري كبير، وبدأت دراستها في كلية الإعلام بجامعة الشارقة. وتمنت من الصميم أن يكون والداها معها، ولكن توفاهما الله، وحالياً تسكن مع أخيها الذي يسعى جاهداً لإسعادها. واستطاعت وفاء قهر إعاقتها البصرية ومرضها بطموحها المتألق، حيث تخرجت هذا العام بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. وتشير إلى أنه لولا المنحة الكاملة للدراسة الجامعية التي حصلت عليها من الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي، مدير عام مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، نائب رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة، والتي لطالما كانت من السباقين في مجال دعم ذوي الاحتياجات الخاصة في الدولة، ما كانت لتلتحق بجامعة الشارقة أو تتخرج فيها.
انطلاقاً من تجربتها الشخصية هذه، تدعو كل السيدات والفتيات إلى الفحص الدائم للكشف المبكر عن هذا المرض. فللمرض سلسلة من المعاناة النفسية والجسدية، قد تصبغ حياة المصابات بيأس أسود، بحيث يعجزن عن مواجهته. ولكن بتحليهن بعزيمة قوية، والتحامل على خوفهن، وشحن أنفسهن بالأمل والرضا بقضاء الله، سيرجعن ألوان البهجة لحياتهن.
وردة.. بدأت رحلة العلاج
تعترف الصيدلانية الصومالية وردة أحمد شاكر أحمد، 32 عاماً، بأن إصابتها بالمرض كانت من أقسى التجارب التي عاشتها في حياتها، وفي المقابل، هي تجربة جيدة قربتها إلى الله تعالى، وعلمتها كيف يستطيع الإنسان بالأمل والتفاؤل هزيمة المرض مهما كانت قوته. وتقول: «في فترة دراستي لتخصص الصيدلة في باكستان في عام 2009، لاحظت تغير لون الثدي، إلى جانب بروز وَرم، إلا أنني لم أعر هذا أدنى اهتمام، وقلت في نفسي بأنه مجرد ألم وسيزول، إذ لم يخطر ببالي أبداً أنه السرطان! لأنه على حد علمي بأن المرض يصيب النساء اللاتي يتجاوزن الأربعين عاماً! ومع ازدياد حدة الألم، لم أتحمل ذلك، وزرت أقرب طبيب ليتم الفحص وإخباري بحقيقة الأمر، الذي استقبلته كالصاعقة في بداية الأمر».
وتضيف: «قررت بدء رحلة علاجي في باكستان، إلا أن عائلتي التي تقيم في دولة الإمارات، طلبت مني العودة فوراً لتلقي العلاج في مستشفى توام، وفعلاً ، عدت وتم الكشف عن وضعي الصحي، وتلقيت العلاج بالكيماوي من خلال 8 جلسات في نهاية عام 2010».
لا تزال وردة تكمل علاجها في مستشفى توام، وتعكف حالياً على تناول أقراص هرمونات لمدة 5 أعوام. ومن منطلق تجربتها، تنصح كل من تكتشف ورماً في صدرها بعدم التردد في الذهاب إلى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة للاطمئنان على نفسها، وتشدد على أهمية التعايش مع الإصابة بالمرض، وممارسة الحياة بشكل طبيعي ودون خوف.
جَدة تكافح مرضها بإرادة الشباب
تجاوزت بلقيس عثمان محمد، الجدة الإماراتية، الستين من عمرها، واكتشفت قبل 6 أشهر فقط تغيراً في حجم ولون الثدي، وكان ذلك تحديداً أثناء وجودها في الهند، وحسبته للوهلة الأولى أنه مجرد كيس دهني! إلا أن أختها التي أصابها المرض سابقاً نبهتها إلى ضرورة مراجعة الطبيب، لإجراء الفحوصات اللازمة في مستشفى الجيمي بمدينة العين، وهناك تم إعلامها بضرورة التوجه فوراً إلى مستشفى توام، وتفاجأت حينما تم إخبارها بأنها تعاني من ورم خبيث، لتبدأ العلاج بالكيماوي منذ خمسة أشهر من خلال 3 جلسات. وهي تعلم يقيناً بأن العلاج لن يكتمل، ما لم تستأصل ثديها الأيسر، وهي موافقة على ذلك، إلى حين إجراء عملية الاستئصال.
تقول: «السرطان تجربة مؤلمة، وخاصةً لمن يمر بها، كل متعافٍ وكل محارب للسرطان سلك درب نجاته بطريقته، نعم، هي تجربة صعبة في بعض الأحيان، وقبيحة في أحيان أكثر». وتؤكد على أنها تلقت اهتماماً كبيراً من قبل القسم المتخصص في مستشفى توام، والكادر الطبي الذي أشرف على علاجها، بتقديم الخدمات العلاجية المتطورة لها وللمريضات، الأمر الذي كان له الأثر الكبير في إنجاح العلاج بنسبة عالية.
الدعم النفسي أولى مراحل قهر المرض
شعرت الإماراتية بدرية السيد علي منذ عام بألم في صدرها، ومع تكراره وزيادة وطأته، توجهت برفقة زوجها إلى المستشفى. تقول: «أحسست بوجود كتلة غير طبيعية في الثدي، فتوقعت أن يكون ذلك ورماً، فأسرعت لإجراء فحوص طبية، وتبين إصابتي بالسرطان، وحينها خَيرني زوجي بين تلقي العلاج في الدولة أو في الخارج، فضلت أن أبدأ رحلة علاج بالكيماوي في مستشفى توام، وأنا حريصة على جلسات العلاج في موعدها، مع مراجعة الأطباء في الوقت المحدد، ووقف زوجي إلى جانبي، ولم يشعرني إطلاقاً بأنني مريضة، وأؤكد أن للزوج دوراً كبيراً في وصول زوجته إلى درجة الشفاء التام». وتنوه بدرية بضرورة عدم إهمال العلاج والاستسلام للمرض واليأس، لأن هذا يؤثر تأثيراً سلبياً في تأخر العلاج، وتحث المصابات على ألا يستسلمن للإحباط والحزن.
أما زوجها محمد النعيمي، المنسق العام في قسم المشاريع والصيانة في وزارة الصحة، فيبدي اهتمامه الكبير بزوجته، وحرصه على علاجها لتعود إليها صحتها وعافيتها، ويداعبها بالكلام ويقول: «أم علي هي نور البيت، شجعتها على مواجهة المرض وقهره، وكنت في قرارة نفسي أتمنى ألا نكون قد تأخرنا، وعزمنا على زيارة المستشفى، وأخذ العلاج اللازم، وكل شكري لطاقم المستشفى لأنهم عاملونا بكل ود واحترام». ويؤكد النعيمي على أن الدعم النفسي للمريضة من جانب أسرتها، يعد مرحلة أساسية من مراحل الشفاء، يساعدها على تجاوز آلامها وتزايد سرعة التعافي، فالأسرة تلعب دوراً مهماً في استعادة المريضة ثقتها بنفسها والاندماج مرة أخرى في محيط أسرتها امتداداً إلى المجتمع.
عوامل تساعد على تحقيق الشفاء:
الشابات والسيدات اللاتي أدلين بتجاربهن مع المرض أكدن أن العلاج اكتمل من خلال:
1. الإيمان بالله تعالى.
2. الثقة بالنفس، والتحلي بالقوة لهزيمة المرض.
3. دعم الأسرة والأقارب والمجتمع.
4. العمل دائماً على إجراء الفحوص الدورية والذاتية من أجل الكشف المبكر عن المرض.
5. تقديم الخدمات العلاجية المتطورة لهن من قِبل المراكز الطبية المتخصصة.




