حينما نحاول استقراء مستقبل تاريخ الفن في العالم العربي، نتلمس ما سيسطره التاريخ عن عدد من الفنانين العرب المعاصرين الذين تركوا بصمتهم وكان لهم تأثير على الحركة الفنية المعاصرة في العالم العربي، والتي ستصبح بعد زمن جزءاً من تاريخ الماضي الحديث. واستقراء حاضر الفن العربي يشمل مختلف الفنون البصرية المعاصرة من النحت والتشكيل إلى فنون الحروفيات والوسائط الحديثة كالفيديو والفن التركيبي وغيرها، وإن كانت فنون الوسائط حديثة على الحركة الفنية العربية ومن استطاع من الفنانين العرب الذين تركوا بصمتهم قلة.
استقراء الواقع
عدد من الفنانين التشكيليين أتيح لنا معايشة جزء من تجربتهم في دبي، سواء من خلال معارضهم في الغاليريهات أو في المعرض السنوي «آرت دبي» أو فيما حققته أعمالهم في مزادات كريستيز، مع تتبع مسار نتاجهم العام والتعرف إلى بقية إنجازاتهم، ومن ثم استقراء دورهم الريادي في ساحة الفن العربي.
بدايات التشكيل
الفن التشكيلي في العالم العربي حديث، تعود بداياته إلى أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، بالتزامن مع حصول العديد من البلدان العربية على استقلالها، والذي ترافق مع نهضة فكرية ثقافية. ونشأت هذه النهضة على يد مجموعة من الهواة والعديد ممن ذهبوا في بعثات دراسية في الغرب، وبادروا باستلهام مواضيعهم من واقع بيئتهم المحلية، سواء في مصر كالفنان محمود سعيد (1897 - 1964)، أو توفيق طارق (1857 – 1940) من سوريا، وداوود القرم (1850 – 1930) من لبنان، وأكرم شكري (1910 – 1986) من العراق، وجلال بن الهادي (1921) وغيرهم الكثير.
مبدعون معاصرون
تابع مسيرة الرواد الأوائل العديد من الفنانين الذين وثّق التاريخ أسماءهم وتجربتهم وصولاً إلى الزمن المعاصر، لنستعرض عدداً من تجارب الفنانين المعاصرين الذين نجحوا في ترسيخ مكانتهم خلال مسيرتهم الفنية في مختلف البلدان العربية. ونبدأ من الإمارات وباكورة نهضتها الفنية في التشكيل مع الرواد الأوائل من الفنانين المعاصرين أمثال عبدالقادر الريس والدكتورة نجاة مكي، ومنها إلى سوريا والفنان صفوان داحول، ومروراً إلى ليبيا مع علي عمر أرميص، ومن ثم تونس نجا المهداوي.
عبدالقادر الريس الفنان العصامي
تجربة عبدالقادر الريس استثنائية، فهو نموذج للفنان العصامي، الذي دفعه شغفه بالفن منذ الطفولة إلى تعليم نفسه بنفسه أصول وقواعد الفن الواقعي والكلاسيكي، لينطلق بعدها في عالم الفن، وليؤسس أسلوبه الفني الخاص الذي أوصله إلى العالمية لتقتني لوحاته أكبر المتاحف والمؤسسات المعنية بالفن، وتدخل أعماله مزادات كريستيز.
وهذا النجاح لم يأت بين يوم وليلة، بل حصيلة زمن طويل من ممارسة الفن، سواء في التيار الانطباعي أو التجريدي، بعد اطلاعه على أعمال رواد الفن في عصر النهضة حينما لم يتجاوز عمره الثالثة عشرة، أما شغفه بالرسم فبدأ منذ طفولته، وعاصر ازدهار الحركة التشكيلية في الكويت التي بدأت في الستينات، وعاد إلى الإمارات بعد حصوله على الثانوية ليتابع مشواره الفني بإصرار. ومر في تجربته الفنية بعدة مراحل، من الواقعية والكلاسيكية إلى الانطباعية ومن ثم التجريدية، لتحقق أعماله نجاحاً كبيراً.
والمرحلة التي توجت إبداعه ولفتت أنظار الجميع، تمثلت في رسم الأبواب بأسلوبه الانطباعي ما بين 1990 و2007. واعتبر كل لوحة من تلك المرحلة بمثابة دراسة وبحث في التقنية والخامة، بعد مرحلته السابقة في رسمه للسفن. وتميزت تلك المرحلة باستخدامه الألوان المائية التي تعتبر أكبر تحدٍّ للفنان خاصة واللوحة من الحجم الكبير.
نجاة مكي الإبداع المتجدد
نجاة مكي فنانة متجددة بعطائها، متواضعة بشخصها، مثابرة في عملها، كريمة بمشاعرها، جريئة بطموحاتها، وعالم الفن محور حياتها. درست الفن في القاهرة، وعادت لتسهم في بناء حركة الفن التشكيلي في وطنها. وتتميز التشكيلية نجاة مكي بأسلوبها في الفن التجريدي التعبيري، وبتجددها الدائم، حيث يتلمس الزائر بحثها الدائم عن تقنيات وأساليب تغني إبداعها في كل معرض جديد لها، سواء على صعيد المضمون أو خصوصية وجمالية الألوان التي تعالجها لتتوهج اللوحة بما يأسر قلب المشاهد.
حصلت نجاة على بعثة للدراسة في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وبعد تخرجها عادت إلى الوطن وتابعت الرسم إلى جانب عملها. وبعد مضي 11 عاماً، عادت إلى مصر لتتابع دراساتها العليا وتحصل على الدكتوراه في العملات المعدنية العربية، مما أغنى تجربتها.
صفوان داحول تقشف لوني وغنى روحي
نشد الرحال إلى سوريا وتجربة التشكيلي صفوان داحول، الذي تشتد المنافسة على اقتناء لوحاته في مزادات كريستيز. ويتميز أسلوب داحول بالابتعاد عن التفاصيل والتقشف بالألوان، مع خصوصية أسلوبه في رسم الشخوص.
وتبدو تجربته في السنوات السبع الأخيرة بمثابة محاولة للتواصل الداخلي مع حالات المرأة ذات التعابير الهادئة والحالمة المنكفئة في عالم رماديات لوحاته، ليخرج في بداية العام الجاري من صومعة المرأة إلى عالم حافل برموز تشكل دافعاً للتأمل في الزمن والحياة وغيرها.
يتجلى في أسلوبه الانطباعي، حساسيته في التعامل مع الألوان الرمادية التي تخرج من إطار الحيادية إلى حالة من النقاء الإنساني، وخصوصية في رسم العناصر والعلاقات الهندسية والتشكيلات الزخرفية من تداخل خطوط التكوين الإنساني مع الأشياء لتشكل وحدة متكاملة توحي بالعفوية. كذلك استلهام وجوه شخصياته من أسلوب الفن الفرعوني في خطوط رسم ملامح الوجه وتحديداً العين.
ولد صفوان داحول في سوريا عام 1961، ويقيم حالياً في دبي. ودرس الفن في معهد سهيل الأحدب وكلية الفنون الجميلة بدمشق. وحصل عام 1987على منحة دراسة من وزارة التعليم العالي للدراسة في بلجيكا، لينال شهادة الدكتوراه عام 1997. واقتنيت أعماله من قبل العديد من المتاحف والمؤسسات والمقتنين.
عمر الرميص إبصار وبصيرة
نجح التشكيلي الليبي علي عمر الرميص (1945) المقيم ببريطانيا، في الارتقاء بالفن الإسلامي إلى مصاف الفنون العالمية، ليمتد نشاطه إلى تعريف المجتمع الغربي بجوهر الحضارة والثقافة الإسلامية، وليصبح أحد الوجوه الثقافية المعروفة في بريطانيا، ولدى العديد من المؤسسات الثقافية والحضارية.
درس الرميص الفن بريطانيا الفن وحصل على دبلوم في التصميم عام 1970، وعاد إلى وطنه ليرسم ويكتب عن الفنون البصرية. وتعاقد عام 1974 مع القائمين على تنظيم (مهرجان عالم الإسلام)، كمستشار للفنون البصرية لرئيس المهرجان. واحتفى المهرجان الذي أقيم عام 1976 بالحضارة والفنون الإسلامية، واستمر في السفر للإشراف على العديد من المشاريع والمطبوعات، ليستقر عام 1981 في انجلترا.
وبدأت علاقته مع الحرف عام 1968 بحثاً عن طريقة فنية مستقلة عن المدارس الفنية الغربية. واعتمد في تشكيل لوحته على الفكر، وتتجلى علاقته مع الحروف، من خلال مساحة سطح اللوحة والدخول في الأبعاد عبر تراكب الألوان وشفافيتها، والتجربة والاكتشاف الذي يتطلب الكثير من الصبر، مع اعتماد كافة وسائل الفن الحديثة.
نجا المهداوي زخرفة الحرف
التشكيلي التونسي نجا المهداوي، مثال آخر على الفنانين العرب الذين استطاعوا الوصول إلى العالمية، ويتميز بأسلوبه في بناء اللوحات والتشكيلات الهندسية وتشابك الحروف العربية غير المقروءة، والألوان الشرقية المفعمة بالحياة والديناميكية.
وصل المهداوي إلى العالمية انطلاقاً من الحرف العربي ومن إرث فنون الحضارة الإسلامية. واعتمد الحرف كعنصر زخرفة معتمداً في تشكيل تداخلاته، على بصيرته وإرثه الفني، وبدأت رحلته مع الحرف من خلال دراسته لتجربة وسيرة حياة الفنان السويسري المستشرق بول كلي (1879-1940).
ولد نجا المهداوي في تونس عام 1937، في حوما (حي) في حي شعبي اسمه سويقة الحلفاوي. وكان محاطاً بإرث من الفن الشعبي. وتعلم الفن في قرطاج في معهد حر تابع لمتحف قرطاج، حيث رشحه مدير مركز دانتي الثقافي الفرنسي لبعثة دراسية في أكاديمية سانتا أندريا في روما. وحاز العديد من الجوائز في دولته وخارجها. ومن ضمنها، الجائزة الكبرى للفنون والآداب في تونس. كما عمل طوال سنوات كعضو في لجنة تحكيم جائزة الفنون لليونسكو.





