إذا حدث لك أن شاهدت في وقت مضى طفلك يقوم بتحويل صندوق من الورق المقوى إلى مركبة فضائية، ثم لاحظتيه في وقت آخر يلعب بطريقة مغايرة ومبتكرة عن أقرانه، فتلك لربّما بذور الإبداع تتأصل فيه. وتشير الأبحاث في هذا السياق إلى أنّ الكثير من الأسر، والبرامج المدرسية، والأنشطة الصفية، تعطي غالباً وقتاً للشاشة مقدّماً على المساعي الإبداعية غير المنظمة التي ينبغي أن تكون محيطة بالطفل. ولكن تنمية الإبداع ليس كله للمرح واللعب، بل هو مسار حاسم في التنمية الصحية والنفسيّة للطفل. في هذا المقال، سنتوقف عند محطّات مهمّة حول زراعة الإبداع عند الأطفال، عبر طرائق عديدة يمكن تطبيقها من قبل الأهل بسهولة.
ألعاب التظاهر
نسميّها عادةً ألعاب التمثيل التي يجيدها الأطفال في الفناء الخلفي، بينما يدعوها الباحثون «اللعب الخيالي». يبدأ الأطفال عادةً بهذا النوع من اللعب (pretend play) لأنّه لا يحتوي على قواعد محددة سلفاً، ولأنّه مبني على التظاهر والتقليد. وقد أظهرت الأبحاث أن الألعاب التمثيليّة التي يعشقها الأطفال، تساعدهم بشكل كبير كي تنمو شخصيّاتهم ويصبحون أكثر سعادة وتكيّفاً في حياتهم اللاحقة. وتقول هيلين هداني، المديرة المساعدة في مركز أبحاث إبداع الطفولة: «اللعب الخيالي مهم خاصةً للأطفال تحت سن السادسة، لأن هذا هو الوقت المناسب الذي ينخرط جميع الأطفال في لعبة التظاهر والخيال». وتتوزّع فائدة هذا النوع من الألعاب ضمن مستويين:
- العمليات المعرفية: عندما يتظاهر الأطفال بأنّهم أبطال خارقون أو ينسجون حكاية خرافية ويتخيّلون طرق مبتكرة لإنقاذ العالم، أو يبحثون عن الكنز المدفون، فكلّ هذا يدرّبهم على تطوير مهارات حل المشاكل وإيجاد البدائل واتخاذ القرار. كما لاحظ الباحثون أنّ الأطفال الذين يلعبون أكثر ضمن هذا الإطار من الحريّة، يميلون إلى التقدّم على أقرانهم في اللغة وقوّة الذاكرة، والمنطق، والتمتّع في ما بعد بالقدرة على تفهّم أفكار الآخرين ومعتقداتهم بشكل أفضل.
- العمليات العاطفية: من خلال ألعاب التظاهر والخيال، يختبر الأطفال مجموعة مختلفة ومتنوّعة من المشاعر. فألعاب المنزل التي يتخيّل فيها الطفل أنّه «أب»، وتتخيّل الطفلة نفسها أنّها «أم»، تبني في نفوسهم مشاعر الحب، الفرح، وحتى الإحباط. ومن الألعاب الشائعة، خصوصاً عند البنات، رعاية الدمى، بحيث تقوم الطفلة باختيار دمية لتقديم الرعاية إليها كإطعامها وإلباسها وتنظيفها وحضنها عندما تبكي، وهذا النوع من اللعب مع الدمى، يجسّد المشاعر الحقيقيّة للطفلة، ويعلّمها كيفية السيطرة على ردود أفعالها والتعامل مع الخبرات والعواطف المستقبلية في العالم الحقيقي.
فنون الإبداع
عندما يضع طفلك فرشاة الرسم على الورق أو يداعب أوتار القيثارة (آلة موسيقية) بصخب، فهو في الحقيقة يعبّر عن نفسه بطريقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تكشفها. ويعتبر الخبراء أنّ فنوناً مثل الموسيقى والرسم والنحت (بالمعجون) عند الأطفال الذين لم تتطوّر لديهم بشكل كامل مهارات اللغة، وسائل إعلام قوية لاستكشاف الطرق التي يرى بها الطفل العالم. كما تسهم هذه الفنون أيضاً في تنمية المهارات الحركية الدقيقة والعضلات عند الطفل، ومنها على سبيل المثال تعلّم إمساك قلم الرصاص جيّداً، أو الضرب على مفاتيح البيانو بأصابعه. ومن فوائد الفنون أيضاً أنّها تسمح بتعلّم الطفل لمهارات حل المشاكل الإبداعية، وأن هناك أكثر من طريقة لرؤية العالم، كأن يطلب منه ومن غيره مثلاً رسم شجرة أو تشكيلها باستخدام المعجون، فتكون النتيجة أشجاراً مختلفة على عدد تصوّرات الأطفال وخبراتهم.
الألعاب الحرفيّة
يوصي الخبراء الأهل بضرورة البحث عن الألعاب واللوازم التي تعزّز العديد من المهارات التعاونية والجسدية، وعدم التركيز على فئة واحدة منها، لأنّ التنمية يجب أن تكون في العديد من الجوانب المختلفة. ومن الألعاب التي يمكن تأمينها لتحقيق هذا الهدف، كتل البناء (المكعّبات)، البازل والمعجون التي تساعد جميعها في إيقاظ التفكير الإبداعي للطفل والاستمتاع بنشاطه، سواء كان لوحده أو مع أصدقائه. ومن المساعي السهلة التي يمكن تنفيذها من قبل الأهل، شراء دفاتر التلوين الرخيصة نسبيّاً وتوزيعها كلّ فترة على الأطفال لخلق الإبداع. لا يجب أن تشترى جميع المستلزمات التي يستخدمها الأطفال في اللعب، بل يمكن مساعدتهم لصناعتها بأنفسهم. فالإتيان ببعض علب الحبوب وحاويات السمنة المعدنيّة، ثمّ الطلب من الأطفال الرسم عليها وتزيينها لعرضها في غرفة الجلوس أو غرفتهم، يساعد كثيراً على تعزيز شخصيّة الطفل وثقته بنفسه.
أطفال الآيباد
في موضوع استخدام التكنولوجيا، يقول الخبراء بأنّ هناك بعض التطبيقات التي تتناسب مع أعمار الأطفال، وتشكل متعة لهم. وبات من السهل رؤية أجهزة الآيباد كمنقذ في أيدي الأطفال على متن الطائرات وداخل السيارات التي تقطع المسافات الطويلة. ومع ذلك، تؤكد الأبحاث على ضرورة مراقبة الأهل بعناية الوقت الذي يقضيه طفلهم أمام الشاشة.
ووفقاً للتوجيهات الصادرة عن المنظمات الصحيّة المعنيّة بدراسة سلوك الأطفال، لا ينصح الأطفال دون سن الثانية باستخدام الألواح والهواتف الذكيّة. أمّا الأطفال من سن 2 - 4 سنوات، فلا يجب أن يزيد على وقتهم عن ساعة واحدة يومياً أمام الشاشة، بينما يجب أن يقتصر استخدام هذه التكنولوجيا على ساعتين كحد أقصى للأطفال من سن 5 إلى 17 عاماً. وفي غياب تحفيز الأهل وانتباههم، سيتحوّل الأطفال في كثير من الأحيان لقضاء أغلب أوقاتهم على شاشة التلفزيون أو الحاسوب اللوحي. ويقول الخبراء إنّ ملكات الإبداع عند الطفل تعاني بشكل كبير بسبب جلوسه وقتاً طويلاً أمام الشاشة، إذ يظل محتاجاً للوقوف والتحديق لفترة طويلة أمامها، ما يؤثر سلباً في تركيزه وجسده. وأخيراً، يجب توجيه الأطفال إلى التوصل إلى طرق مبتكرة لملء فراغهم وطرد الملل من خلال اللعب، الفن، أو ببساطة، عن طريق التفكير في أفكارهم ومراقبة العالم من حولهم.
