عند البحث عن فعاليات أبوظبي في الصيف، تمر بك فعالية مهرجان أبوظبي الدولي للشطرنج في دورته الحادية والعشرين. يحملك الفضول للمشاهدة والبحث عن النجوم. في «فندق سوفيتل» بأبوظبي يجتمع أبطال من العالم للمنافسة على المراكز الأولى في البطولة. من هم هؤلاء الأبطال؟ من أين جاؤوا؟ ما هي إنجازاتهم؟. كل هذه كانت جزءاً من أسئلة تدور في رأسي قبل أن ألتقي بهم، وبالجهة المنظمة للبطولة وهي «نادي أبوظبي للشطرنج». صارت الإجابات أكثر وضوحاً وتعرفت إلى أشخاص كثر. حاولت من خلال المادة التي أكتبها أن أخوض في عالم الرياضة الذهنية كي أبحث عن جذورها في عيون أبطالها، من خلال بطلين إماراتيين الأول كان سالم عبدالرحمن بطل الإمارات والمصنف في الترتيب 2600، وهذه هي المرة الأولى التي يحوز فيها بطل إماراتي هذا الترتيب، والبطل الثاني كانت خلود الزرعوني التي تحمل التصنيف الدولي 1860 وتطمح لدخول تصنيف الرجال.
يبدأ إسماعيل إبراهيم يوسف الخوري نائب المدير التنفيذي في نادي أبوظبي للشطرنج ومدير مهرجان أبوظبي الدولي للشطرنج الواحد والعشرين، حديثه عن المهرجان بالقول: «المهرجان يقام تحت رعاية سمو الشيخ نهيان بن زايد رئيس مجلس أبوظبي الرياضي، وبدأ المهرجان عام 1991 وكانت الفكرة أن يكون أول مهرجان شطرنج على مستوى الدولة، ووصلنا هذا العام إلى مشاركة 42 دولة في المهرجان إضافة للمقيمين داخل الإمارات»، وعن تفاصيل مسابقات البطولة يقول: «تجرى تحت مظلة هذه البطولة سبع بطولات هي بطولات الأساتذة، والبطولة المفتوحة، وبطولة الأطفال تحت 16 سنة، والبطولة الاستعراضية، وبطولة الشطرنج السريع، والبطولتان الجديدتان هذا العام هما: بطولة حماة الوطن مخصصة لرجال الشرطة والجيش، وبطولة الإعلاميين ومخصصة للإعلاميين فقط»، أما عن عدد المشاركين فيشير إلى أن «عددهم الكلي وصل لأكثر من 400 مشترك».
يتابع كلامه ويتحدث عن بطولة الشطرنج السريعة، ويقول: «في بطولة الشطرنج السريع لكل لاعب خمس دقائق، وكلها تجري في يوم واحد. ويلعب اللاعبون 11 جولة وتختلف عن البطولة الكلاسيكية التي من الممكن أن تمتد المباراة الواحدة فيها إلى 6 ساعات أو أكثر، أن هناك وقتاً محدداً للنقلات»، ويضيف الخوري: «يوجد 11 نادي شطرنج في الدولة وهي مشاركة بالكامل في البطولة، حيث صار المهرجان محط معسكرات الأندية داخل الدولة بدل السفر خارج الدولة وفرصة للمشاركة»، موضحاً أن عدد لاعبي الشطرنج في الإمارات يفوق 500 لاعب نشط.
فيما يخص آلية التصنيف الدولي يشرح الخوري: «لاعب الشطرنج يبدأ كمبتدئ وبعد لعبه مجموعة مباريات سيتدرج ويأخذ تصنيفاً يبدأ من 1000، ولو وصل إلى 2000 يكون مستواه متطوراً، وهذا يعتمد حسب تصنيف الخصم وفوزك عليه يرتفع رصيدك. وعند وصولك إلى ما فوق الـ2500 نقطة وهنا يوجد في الدولة لاعب واحد فقط هو سالم عبدالرحمن وتصنيفه 2600، الأمر الذي يدل على مستوى رفيع للغاية».
ماذا عن رصيد البطولات تسأله، فيجيب: «هذه السنة حققنا كثيراً من البطولات منها الميدالية البرونزية في بطولة آسيا التي جرت قبل شهر في كازاخستان في تصنيف تحت الست سنوات وفازت بها الطفلة روضة، وحققنا الميدالية الذهبية لفئة الرجال في بطولة آسيا على الطاولة الرابعة من اللاعب فيصل الكشواني لاعب النادي، وعلى صعيد الناشئين حققنا بطولة الإمارات تحت سن 12 سنة وتحت 14 سنة، وعلى صعيد الرجال بطل الإمارات للرجال كان إبراهيم خوري من النادي».
وماذا عن نسبة الإناث التي تمارس الشطرنج؟ يوضح بالقول: «بدأ إدخال هذه الرياضة للإناث من قبل ناد أو اثنين لكن سرعان ما صارت الرياضة متاحة للإناث في كل النوادي بالدولة»، ورغم عدم وجود رقم دقيق عن أعداد اللاعبات إلا أنه يقول: «لا أتوقع أنها أقل من 60% للرجال مقارنةً بـ40% للنساء».
سالم عبد الرحمن: عيني على الــTOP 5.
بدأ سالم عبدالرحمن (21 سنة) الذي يحمل لقب أستاذ دولي كبير من عمر 6 سنوات في نادي الشارقة، وكانت البداية من بطولات محلية ويعود الفضل في ذلك لأخويه البطلين عبدالله وجاسم، إضافةً لوجود والده في إدارة النادي ومشاهدته إياه يلعب الشطرنج لفترات طويلة. يقول سالم: «أول طموح لي كان أن أكون أفضل من إخوتي»، أما عن خيار الشطرنج فيضيف: «بدايةً أردت لعب الكرة، لكني في النهاية اضطررت للاختيار». وعن وقت الشطرنج يقول: «في الابتدائية كنت ألعب من 4 إلى 8 مساء، وفي الإعدادية بدأ مستواي الدراسي ينحدر، ووقتها كنت ألعب بطولات دولية. تأثرت قليلاً في الدراسة لكن الحمد لله كانت نتائجي جيدة». تسأله ماذا عن الثانوية؟ فيجيب: «الدراسة صارت أصعب وكنت أسافر لخوض البطولات، وفي الثانوية كان مستواي يتطور وكنت قريباً من لقب أستاذ دولي كبير، ما أثر في مستواي الدراسي كما كنت أسافر باستمرار. تأثرت قليلاً وتخرجت بنسبة 86% وكنت في فرع علمي».
يدرس سالم الآن اختصاص Biotechnology وهو اختصاص صعب، ويعتبر أن هذه المرحلة من أصعب مراحل حياته، وعندما تسأله عن سبب اختيار هذا الفرع يعترف: «أنا حالياً لاأزال أفكر في التغيير، لكن المشكلة أنني أنهيت سنتين ولدي مجال لمراجعة الحسابات في الموضوع».
هل يقدر لاعب في عمر 5 سنوات أن يتحدى لاعباً كبيراً في العمر وأكثر خبرة؟ يجيب سالم: «في هذه اللعبة لا يوجد عمر محدد، فبطل العالم الآن عمره 23 سنة فقط. وينافس من هم أكبر منه عمراً، وأشخاصاً لعبوا في المراكز العشرين الأولى فترة طويلة. العشرة الأوائل كثير منهم بين 18 و20 عاماً»، لكنه يضيف مشدداً: «لا بد من صقل الموهبة عن طريق التدريب والممارسة. عليك التدريب الكثيف. فهناك بداية اللعبة ووسط اللعبة وختام اللعبة. البعض يبدأ بك من ختام اللعبة معهم لأنه يعطيك فرصة كبيرة لمعرفة كيف تسير اللعبة، أما الخيال فيتركز في المنتصف، فيما توجد في بداية اللعبة كل النظريات التي عليك حفظها وفهمها، وفيها منطق كثير، وفيها صبر كثير، ولو أردت تطوير نفسك عليك أن تعمل كثيراً، ولو أردت التطور عليك أن تقرأ كتباً متخصصة في الشطرنج وعليك التدريب مع المدرب. في بداية اللعبة أول كم سنة المدرب جداً مهم، وبعدها يأتي الكتاب في الأهمية».
عن مواصفات لاعب الشطرنج يؤكد سالم على: «الموهبة والتكنيك وشخصية اللاعب: فهناك لاعب مقاتل، وهناك لاعب صبور مستعد أن يظل يلعب 8 ساعات ويعذب اللاعب أمامه».
أبرز إنجازات سالم الوصول إلى لقب أستاذ دولي كبير، كما وصل تصنيف 2600 وهذه الأرقام لم تكن في الإمارات قبلاً، أما بالنسبة للبطولات فقد حاز المركز الخامس على آسيا في فئة الرجال، وفاز ببطولات الفئات السنية 18 و16 و14 في آسيا، وكان الرابع على العالم تحت عشرين سنة. وفي بطولات العرب أحرز المركز الأول منذ عمر 10 سنوات ولسنوات متتالية.
ما الأشياء الإضافية للاعب الشطرنج؟ يجيب: «مهم جداً التعليم، شهادتك العلمية مفيدة. في الشطرنج تتعلم كثيراً ويعلمك الشطرنج كثيراً، لأنك تسافر وتلتقي الكثيرين من أجناس وأديان مختلفة، كما يجب أن تمتلك تحكماً ذاتياً في ملامحك ولا يجب أن تظهر مشاعرك، فلاعب الشطرنج مثل لاعب البوكر لا يجب أن يظهر مشاعره وهذا ينعكس على الخصم فيفكر أكثر، ربما لا يكون منتبهاً لخطئك. وأحياناً يكون عندك وضع معقد جداً ودقيقتان ويجب عليك ألا تقوم بخطأ». كم نقلة عليك أن تحسب حتى تفوز؟ يقول: «هنا يظهر مستواك الحقيقي، وكل وضع له شيء معين. فمرات عليك ألا تحسب أكثر من نقلتين، ومرات عليك حساب 15 نقلة بتفرعاتها».
يخطط سالم للمستقبل انطلاقاً من عدم رضاه عن مستواه الحالي، موضحاً أنه يطمح: «إلى الوصول إلى Top 100، وبعدها Top 50، وآخر شيء الوصول إلى Top 5». كم تحتاج من الوقت؟ يجيب: «أعتقد أني بحاجة إلى ما بين 5 - 6 سنوات، أي مع عام 2020 سأصل ولو قبل ذلك سيكون أفضل».
خلود الزرعوني: عيني على تصنيف الرجال
تحمل خلود الزرعوني لقب أستاذة دولية في لعبة الشطرنج، وهي لاعبة المنتخب الوطني لدولة الإمارات، وترتيبها الثاني على الدولة، فيما تحمل تصنيفاً دولياً يحمل الرقم 1860. عمرها 22 سنة وتدرس اختصاص إدارة الموارد البشرية في جامعة زايد بدبي.
بدأت خلود اللعب من عمر 8 سنوات، وكانت البداية بتشجيع من الوالدة التي بحثت عن رياضة تنمي الذهن، ومن هناك كانت البداية، وتحديداً من نادي فتيات الشارقة، ذلك المكان الذي استثمرتُ فيه وقتها وسرعان ما حصلت على المركز الأول في بطولة المدارس على مستوى الدولة ثلاث مرات على التوالي، ثم حصدت الميدالية البرونزية في بطولة العرب للشطرنج التي أجريت في الأردن عام 2005، كما حصلت على لقب بطلة العرب في البطولة نفسها العام الماضي.
تسألها ما الذي يميزك وكيف يمكن الحفاظ على مستواك وتطويره؟ تجيب: «يجب لعب الشطرنج بشكل مستمر، وتحديداً في البطولات، لأن الدراسة الجامعية تأخذك من الشطرنج، وبالتالي عليك أن تصفي ذهنك بشكل كامل حتى تكون في وضع جيد»، لكنها تستدرك: «باقي لي سنة حتى التخرج وعلي التفرغ للعبة، وأطمح أن أصير أستاذاً كبيراً على مستوى الرجال، لأن مستوى الرجال في الشطرنج أعلى من النساء. مثلاً 1800 تعتبر 2000 في مستوى الرجال».
ماذا عن علاقة المرأة العربية بالشطرنج؟، تجيب خلود: «عربياً المرأة حاضرة في لعبة الشطرنج، وأنا أشاهد كثيرات ولهن مستقبل مشرق، لكن بعض الظروف تأخذهن بعيداً عن اللعبة كظروف الدراسة، أو الزواج». وعندما تسألها إلى أي عمر تنوين ممارسة لعبة الشطرنج سرعان ما تجيب: «في بالي العمر كله لكن الموضوع يعتمد على الشريك والظروف، لكني أنوي تغيير هذه الصورة النمطية وإكمال مسيرتي الشطرنجية».
هل أحببت دراسة فرع سهل ليسهل عليك التفرغ لممارسة الشطرنج؟ ولماذا لم تختاري فرعاً قريباً للعبة الشطرنج؟ تجيب خلود: «أنا أدرس إدارة الموارد البشرية المتخصصة، وكل المواد عندنا رياضيات وهي ما أحبه، وطبعاً العلاقة بين الرياضيات ولعبة الشطرنج وثيقة الصلة، وفيها معادلات وتحليل وكله يعتمد عليه في الشطرنج»، وهل فكرت بدراسة الرياضيات؟ «أنا شخص اجتماعي بطبعه وأحب كثيراً الناس والحديث معهم، لذا وجدت أن إدارة الموارد البشرية تناسب شخصيتي ولعبي للشطرنج».
في العادة لاعب الشطرنج شخص وحيد، تقاطعني: «الكلام صحيح إلى درجة كبيرة، ورغم أني اجتماعية بطبعي إلا أني أفضل أن أجلس وحدي في أغلب الأوقات وأتفرج على التلفزيون وحدي، كما أني لا أحب الزحمة. لكن لا بد من التفاعل وتكوين الصداقات مع الناس. إضافة إلى لعبة الشطرنج».
ليست الشطرنج هواية خلود الوحيدة فهي تجيد المبارزة بالسيف والفروسية. أسألها وهل لديك الوقت لها كلها إضافة للدراسة؟ فتجيب: «قبل الجامعة نعم. لكن في الجامعة لا. وأنت تريد أن تكون بطلاً في رياضة معينة لذا ركزت عليها كونها تنمي الذهن».
ماذا عن وقت التمرين؟ «لا بد من 2 - 3 ساعات في اليوم، وعندما لا ألعب مع المدرب وألعب على الكمبيوتر مع برامج معينة أو في مواقع متخصصة أونلاين لتنمية المهارات».
ما النصيحة التي تقدمينها لكل راغب بممارسة لعبة الشطرنج؟ «لا بد أن يجرب الكل اللعبة لأن اللعبة توسع تفكيرنا العقلي كونها لعبة استراتيجية وتنمي المخ في كيفية التفكير بأكثر من خيار». وعن دور الجانب النفسي تشير إلى أنه: «من أهم الأشياء في لعبة الشطرنج، لذا عليك ألا تخشى خصمك حتى تستطيع الفوز وإلا ستخسر قبل أن تبدأ، وهذا يحدث عندما تلعب مع مصنفين أعلى منك».



