ليس من السهل أن تحاور ممثلاً مهمته الإضحاك في هذا الظرف التراجيدي الذي تعيشه شوارع العرب وبيوتهم في هذه الأيام. الصعوبة لا تنبع من كون المزاج الشخصي للسائل (وربما المجيب) قد يكون خارج دائرة الضحك، وإنما من المقاربة العامة لفكرة محاورة «الكوميديان». ربما يكون محمد هنيدي أكثر صلةً بين غيره من ممثلي السينما العربية اليوم من المصنفين ممثلي إضحاك، بتجربة جيل كامل من الشباب شاهد فيلمه «صعيدي في الجامعة الأميركية» (1998) في عمر العشرين ليكون اليوم في منتصف عقد الثلاثين.
أمور كثيرة جرت في عالمنا منذ ذلك التاريخ، منذ أن أحرق «الصعيدي» القادم من قريته علم الدولة الصهيونية التي تقتل أطفال غزة اليوم، في حرم جامعته فصفق له ملايين من الشباب والكبار في العالم العربي، معلنين ولادة نجم جديد. كان ذلك قبل أحداث سبتمبر وغزو العراق وجولات الحروب المتكررة في فلسطين ولبنان، ثم ثورات «الربيع العربي» التي أريد لها أن تتحول إلى خريف تطير فيه خفافيش «داعش» وغيرها. أضحكنا هنيدي، قبل أن تسفك الكثير من الدماء على «عتبات البهجة» التي يحاول زرعها في أدوار كثيرة، بعضها علامات في سينما الكوميديا مثل «همام في أمستردام» أو «أنا وخالتي».
هنيدي لايزال، بالنسبة لي، الأقدر على حمل مهمة النكتة الخفيفة المؤثرة. تلك التي تدغدغنا في عقلنا كما يدغدغ الإنسان جسدياً ذات اللحظة المدهشة والتناقض، والقادرة على بث شيء يحيرنا، دون أن يصرف انتباهنا، وكي نستطيع فهم النكتة يجب أن تحتوي على توازن بين الشيء المعروف والشيء الغريب، وهو ما يجيده الممثل الذي يتمتع بحيوية الشباب.
لا أتحمس للتغير عن الكوميديا
في مروره العابر في دبي، التقيت الرجل الذي يجيب عن الأسئلة بطلاقة وذهن حاضر، في مكاتب شركة «ياهو مكتوب» التي تعاون معها في عمل كوميدي عن كرة القدم باسم «الكابتن» عرض على منصتها الرقمية في رمضان الماضي، تزامنا مع فعاليات «كأس العالم»، وكان من الواجب سؤال نجم «جاءنا البيان التالي» عن «بيانه» الخاص، كرجل مهمته الإضحاك، في زمن شائك.
أضحكت الملايين من الشعب العربي خلال مسيرة امتدت لعقد ونيّف. إنك تتوجه إلى جمهور في منطقة تعوم على بحيرات من الدماء، ورغم ذلك تلجأ إلى الضحك، ربما من باب النسيان، إذا استعرنا عبارة الكاتب ميلان كونديرا «الضحك والنسيان». حدثني عن هذه المهمة؟
أنا فعلاً مهجوس بهذا التساؤل. أفكر كثيراً بمهتمي الصعبة. في كثير من الأحيان أشعر بـ«غيرة» من الزمن المختلف الذي عاش فيه أساتذتي من ممثلي الكوميديا في مصر (مدبولي والمهندس..). كان زمناً أكثر هدوءا من يومنا هذا. حتى مؤلفي النصوص الكوميدية لم يكونوا يعانون كما هم الآن. أجزم أن أي كاتب اليوم يفتح جهاز التلفاز لفترة قصيرة سيتغيّر مزاجه على الفور من حجم المآسي التي يراها، ولا أعرف كيف سيتمكن من الحفاظ على «موده». الإضحاك هو في الأصل مهمة صعبة، إذ إنه وكما يقال دوماً من السهل أن تبكي الناس لكن من الصعب أن تضحكهم، فكيف لو كانت المهمة يجب لها أن تتحقق في زمننا الحاضر، حيث القلوب طافحة بالأسى.
هل فكرت، بدافع هذا الأسى أن تترك مهمة الإضحاك، أم أنك تشبثت بها أكثر؟
أواجه دوماً بتساؤلات من المقربين أو من النقاد الصحافيين لماذا لا تجرب أنواعاً أخرى من صنوف التمثيل، كالتراجيديا على سبيل المثال. يجعلني ذلك في بعض المرات منفتحاً لاستطلاع فرص سنياريوهات مغايرة تعرض عليّ، لكنني ما ألبث أن أتراجع. أسأل نفسي عن الموهبة التي منحنا إياها الله وهي الإضحاك، فلماذا أتخلى عنها، وتحديداً في هذا الظرف الذي تضيق فيه النفوس وتتوق إلى الهروب إلى دقائق من الضحك. لن أهرب، بل على العكس أنا متشبث بمسؤوليتي في الإضحاك. كما أنني أؤمن أنه في سياق الضحك بوسعي أن أتناول أكثر القضايا جديةً، بطريقة فعالة ومؤثرة.
أفلامي تطرح قضايا جدية في قالب هزلي
بصراحة، هل حملت بعض أفلامك أجندات سياسية، بمعنى هل طلب منك أن تمرر رسائل سياسية معينة في حقبات محددة في أفلامك؟
رغم أنني أحترم فكرة «الضحك للضحك» وأؤمن بنبلها، إلا أنني أفضل أن يتم تغليف الضحك بقضية تهم الناس. القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في وجداني وكانت في أفلامي الناجحة المبكرة في «صعيدي». تزامن «جاءنا البيان التالي» (2001) مع الفورة الأولى للفضائيات العربية، وطرحنا فيه قضايا شائكة، وفي «همام في أمستردام» (1999) ناقشنا معاناة العمالة العربية المهاجرة في أوروبا وقضايا كثيرة من بينها العنصرية، حتى قبل أحداث سبتمبر 2001 والموجات التي تلتها.
يقال إن الشعوب العربية، قياساً بشعوب أخرى، من السهل أن تضحك على أي شيء. هل توافق؟
بالعكس تماماً. العرب إضحاكهم برأيي، أصعب من الآخرين. أعتقد أنها شعوب، بطبيعتها لديها حس نكتة، أو سخرية، أو شكل من أشكال الدعابة، سواء تحدثنا عن المصري أو الخليجي أو الشامي أو المغربي. العربي يفهم كثيراً في مسألة الضحك، لذلك فهو «خطر»، ولكن إن نجحت بإضحاكه فإنه يستمتع بذلك ويشعرك بها بالمقابل.
دراسة ألمانية حديثة اعتبرت أن شعوب أفريقيا هي الأكثر تمتعاً بروح الدعابة في العالم. ودراسات اقتصادية واجتماعية أخرى حاولت تبيان العلاقة بين سمة الضحك عند شعوب معينة وبين تقدمها وإنجازاتها على المستويات الفردية والجماعية. ما رأيك؟
إذا كنت تقصد أن الشعوب التي تضحك أكثر أو أقل تطوراً من تلك التي لا تفعل، فهذا سؤال شائك، لا أفتي فيه. طبعاً العمل مهم جداً، وهناك «دنيا بكاملها برّة الضحك»! لا أتصور أحداً يقضي حياته لمجرد الضحك. علينا أن ننتبه أيضاً أن الحياة تطورت وأساليب الضحك ومعناه تطورت معها.
شاهين طلب مني عدم بيع اللبن
أنت من الشخصيات التي يمكن أن نطلق عليها لقب «شخصية عصامية». لقد حصلت على النجومية المطلقة بعد زمن من ظهور متكرر في أفلام بأدوار ثانوية. إنها سمة كانت شائعة في جيلك، رغم أن الفترة بين التأسيس وإمكانية النجومية كانت أيضاً أقصر من تلك التي عايشها ممثلون في أجيال سابقة، كما مدبولي والمهندس وعادل إمام والمرحوم سعيد صالح. اليوم، تغيرت المعادلة، وهناك ممثلون يظهرون في دور واحد ليصبحوا نجوماً. وسط هذا وذاك، هل تعتبر نفسك محظوظاً أم قليل الحظ؟
أعتقد فعلاً أنني محظوظ. لقد عايشت المرحلتين. عرفت معنى أن تظهر في مشهد واحد في فيلم لكي تقول جملة وحيدة، وتمتعت لاحقاً بالانتشار الكاسح والبطولة المطلقة. أشعر اليوم بأنني بنيت نجاحي على أرضية متينة. أشعر بأنني «ثقيل». في المقابل، أعرف ما تتحدث عنه عن نجوم أصبحوا نجوماً بعد الفيلم الأول، ولكن أتساءل دوماً ما إذا كانت النجومية مرتبطة حقاً بالرصيد أم هي فقط مرحلة ووهج الانتشار!
من بين الرواد قد تنبأ لك بالنجومية خلال مرحلة تأسيسك لذلك الرصيد؟
الكثير منهم. أنا بطبعي أحب النصيحة وأبحث عنها. لكنني أتذكر بشكل خاص المخرج الكبير يوسف شاهين. كنت قد ظهرت في مشهد واحد في أحد أفلامه «اسكندرية كمان وكمان» (1990)، وفي إحدى الجلسات خارج التصوير، كنا مجتمعين لنتسامر، وسألته ما رأيك بي؟ فرد «أنت كويّس، بس خود بالك ما تبقاش زي بياع اللبن!»، وحين سألته مستغرباً عن قصده، قال «بمعنى لا تركب الدراجة مثل بائع اللبن وتتنقل بين استوديو وآخر لكي تنادي على بضاعتك. اجعل خطواتك محسوبة». أتذكر دوماً تلك الواقعة، وبقيت كلما التقيت لاحقاً بشاهين أذكّره بها حتى وفاته.
وهل أنت من محبي «اللبن»؟
لا أنا من محبي يوسف شاهين.
في سيرة ممثلي الكوميديا، في مصر حقبات مختلفة تتنوع باختلاف الوسيط الذي كانوا يستخدمونه للتوجه إلى جمهورهم، بدءاً من برامج الإذاعة التي كانت تسجل «اسكتشات» ضاحكة باسم «ساعة لقلبك» لعب فيها الكثير من الممثلين شخصيات نقلت فيما بعد إلى السينما، مروراً بحقبة التلفزيون الذي رسخ حضوره بدءاً من ستينيات القرن الماضي، مستقطباً الكثير من نجوم الإذاعة، وصولاً إلى حقبة الفضائيات التي غيرت طابع الإنتاج الإبداعي بأكمله. واليوم، ربما يكون محمد هنيدي من النجوم القلائل الذين يقودون موجة جديدة من الأشكال الكوميدية عبر تعاونه مع منصة «ياهو مكتوب» واسعة الانتشار بعرض مجموعة من المقاطع المصورة الكوميدية خصيصاً على «الديجيتال»، وهو إذ يعبر عن سعادته بهذه التجربة التي لاقت صدى واسعاً في رمضان الماضي، يقول «على الفنان أن يواكب التطورات. حين بدأت عملي، كانت الوسائط المتوفرة لا تتعدى المسرح والسينما والتلفزيون، وكانت أعدادها قليلة، من ناحية الكم والنوع. اليوم، الوضع اختلفت مع الثورة التقنية الكبيرة التي سيطرت على الإعلام وغيرت شكله وأبرزت وجوهاً جديدةً وإمكانات بوسع المبدع أن يتواصل من خلالها مع الناس. وغداً، إن ظهرت تجربة جديدة سوف أعمل على مواكبتها».
اللجوء إلى الرقمي
لا يخفي النجم رغبته بخوض هذا التحدي بثقة كاملة نابعة من وعيه بحجم الجمهور الذي يتحمس له. خاصةً أن التجارب الرقمية «مكشوفة» بمعنى أن أرقام المترددين عليها ليس بالإمكان التلاعب بها. السينما في العالم العربي محكومة دوماً بشباك التذاكر، والإيرادات هي التي تحدد مكانة النجم وتحدد علاقته بالمنتجين والمخرجين. التلفزيون قد يبدو استثناء، إذ إن أدوات قياس المشاهدة لا تزال غائبة كلياً، ومن السهل التشكيك بدراسات المشاهدة التي تصدر عن فضائيات أو شركات أبحاث تعمل لصالحها، طالما أن السوق يخلو من أدوات القياس التي يتم تثبيتها على أجهزة التلفاز لأعداد الاستطلاعات. التجربة رقمية شيء آخر، وهي ليست ذلك ولا ذاك.
من الذي سيضيف إذاً إلى رصيد الآخر؟ هل أضاف هنيدي إلى رصيد «ياهو مكتوب» حين تعاون معها، أم العكس؟ يقول هنيدي ضاحكاً «الجمهور هو الذي سيضيف إلينا نحن الاثنين، إما سنكرر التجربة، أو سنكتفي بما قدمناه».
المضمون
أما عن المضمون فقد جاءت الحلقات التي وجدت رعايةً تجاريةً من أربع شركات كبرى من بينها سيارات واتصالات، فقد جاءت شيقة وسريعة الإيقاع، وترك مجال كبير فيها لهنيدي بأن يرتجل، بحس دعابته المعروف، وقد نجح في هذا التحدي. تروي الحلقات سيرة «الكابتن» (هنيدي) الذي قرر أن يتقحم عالم كرة القدم من أوسع أبوابه، بل أن يجعل نجوم هذا العالم يعتزلون خوفاً منه، حتى «أن مصير النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي كان مهدداً حين انضم هنيدي إلى مدرسة كرة القدم في نادي برشلونة الإسباني وأصبح ضمن صفوف الفريق». طبعاً الواقع الذي كنا نراه جاء حافلاً بالسخرية، التي يبرع بها «الكابتن»، وهي سخرية بالدرجة الأولى من نفسه ومن أحلامه. على بوابة النادي، ترتفع صور أعضاء نادي «برشلونة»، يقف هنيدي إلى جانبها ويعلق «سوف أترك الآخرين لكن ميسي سوف أزيحه من مكانه وسترتفع صورتي قريباً مكانه».
«السكريبت» كان بحاجة في بعض المرات أن يكون أكثر إحكاماً، لكن ذلك لم يضعف من العمل الذي بوسعنا القول إن هنيدي قد «شاله».
لقاء مع سالغادو
من أطرف المواقف في الحلقات، ذلك المشهد الذي جمع بين اللاعب الإسباني ميغيل سالغادو وبين هنيدي، وتم تصويره في دبي. نشاهد هنيدي في الحلقة يفاخر بهذا اللقاء وكيف أن سالغادو أحسن ضيافته ودعاه إلى العشاء في بيته، كما «قدملي كل أرقام التلفونات في إسبانيا والكواليس». ومع تقطيعات على طريقة «فلاش باك» يكتشف المشاهد الحقيقي، وهي أن سالغادو قد طرد هنيدي من سيارته حين تطفل عليه، بل أنه سمح له بأن يأخذ كرته، فقط لكي يرتاح من «زنه». التناقض بين رواية «الكابتن» للأحداث وبين الواقع فجر الكثير من التناقضات التي تتمحور حول ادعاء «الكابتن» بأنه يعرف كل شيء وحين يواجه بجهله يقول كلمته المعهودة «أنا كنت عارف.. أنا بمزح معاك». على سبيل المثل، وسط حماسته العارمة لكي يسافر إلى برشلونة لتحقيق حلمه، يطلب من مساعدته «حجز تذكرة إلى برشلونة.. وإلغاء تذكرة إسبانيا»!





