لا تزال وكالات الأنباء العالميّة تتكلّم ساعة بعد ساعة عن فيروس إيبولا (Ebola) الذي يستمر انتشاره في غربي أفريقيا بشكل مذهل ومرعب. ذكرت منظمة الصحة العالميّة أنّ هناك 1603 حالات معروفة اعتباراً من الأسبوع الماضي، وليس هناك علامة على تباطؤ الوباء الذي قتل أكثر من نصف المصابين. وعلى الرغم من أنّ كل موجة إيبولا تعطي فرصة أفضل لتكيف الإنسان معها، فهذه الفاشية الإيبوليّة بلغت هذه المرّة ما يقرب من أربعة أضعاف النسبة السابقة لموجة الفيروس. وفي هذا المقال سنقترب أكثر من هذا الفيروس الأفريقي الطموح الذي يرعب العالم، محاولين طرح أحدث ما يذكر عنه مع بعض النصائح المتعلّقة بطرق الوقاية منه، إضافة إلى بعض الإحصاءات الحديثة حوله.
على سلّم العالميّة
على الرغم من العناوين الصارخة التي تتصدّر النشرات والمجلّات العلميّة والإلكترونيّة، فإنّ الإيبولا يظهر حتى الآن بعدم امتلاكه المؤهلات التي تسمح بتطوّره إلى وباء عالمي. ولكن مخاوف العلماء تتركز حول العوامل التي يمكن أن تجعل هذا الفيروس القاتل عالميّاً، منها الاكتظاظ السكاني، خصوصاً في المدن الرئيسة، وعدم وجود وسائل للكشف المبكّر عن المرض في العديد من البلدان الأفريقيّة التي يظهر فيها، إضافة إلى تكتّم بعض الدول على الأرقام الحقيقيّة للمصابين. ويبدو العلماء قلقين بشأن ما إذا كان الفيروس سينتشر خارج الدول الثلاث المتأثرة به بشكل رئيس، غينيا وليبيريا وسيراليون، خصوصاً أنّه وصل عبر مسافر مصاب إلى ثلاث حالات في نيجيريا.
وكشفت دوريّة new scientist في عددها الصادر بداية هذا الشهر، أنّ هناك تقارير غير مؤكدة عن احتمال وجود إصابات في بعض الدول العربيّة، مثل المغرب والمملكة العربية السعودية. وستعقد منظمة الصحة العالمية اجتماعاً لتقرر ما إذا كانت ستطلق صفّارات الإنذار في العالم في وجه انتشار الفيروس بهذه السرعة المذهلة.
تطمينات ومخاوف
مهما كان قرار المنظمات العالميّة، ينبغي أن يكون الهدف منصبّاً على إمكانيّة احتواء انتشار المرض. ومن حسن الحظ أنّ هذا الفيروس القاتل ينتشر فقط عبر الأشخاص الذين يعانون من أعراضه الشديدة، ما يجعل من السهل اكتشاف الحالات وعزل أولئك الذين هم على اتصال مع الشخص المصاب. ويبرز القلق لدى العلماء من أنّ مدّة احتضان الفيروس في الجسم المضيف تصل إلى 21 يوماً، ما يشكّل عائقاً أمام اكتشافه مبكراً فيمرض المسافر بعد وصوله إلى بلده. ومن التطمينات التي يذكرها العلماء أنّ خطر اصطياد (الإصابة بالعدوى) فيروس الإيبولا هو ضئيل نسبياً، ويتطلب تعرض المصاب لسوائل الجسم الخارجة من المريض. وهناك قلق آخر يتداول في كواليس العلماء، هو أن يتطوّر الفيروس إلى شكل ينتقل بطريقة أسهل بين البشر، وحتى الآن لا يوجد علامات على حدوث ذلك.
الخفافيش هي المتهم
يتساءل العلماء حول بروز فيروس الإيبولا بشكله السريع، وينقسمون إلى من يؤكد أنّ الغزو الحالي للإيبولا هو جديد ولم تكن هناك أي حالة مسجلة منه في هذا الجزء من غرب أفريقيا من قبل، ولكن دانيال باوش من جامعة تولين في نيو أورليانز يعتقد هو وغيره من العلماء أنه قد يكون موجوداً ولكنه غير معروف. وظهرت حالات سابقة في وسط أفريقيا، حيث يعتقد أن الفيروس يحمله خفافيش الفاكهة، ونفس الخفافيش تعيش في الجزء المصاب الآن من غرب أفريقيا.
ولكنّ هذا الرأي الأخير قد لا يكون مسلّماً به، لأن أقلية فقط من المصابين تظهر النزيف الذي يعتبر من أهم أعراض الإصابة بالفيروس، أمّا أكثر الأعراض التي تظهر مثل الانفلونزا، الحمى والقيء والإسهال، فقدان السوائل، فهي تشبه الأمراض المحلية الموجودة أصلاً، مثل الملاريا وحمى لاسا. لذلك يعكف الباحثون حاليّاً على إعادة اختبار عينات مصل من المسوحات التي صنّفت سابقاً على أنّها فيروس لاسا للتأكد من وجود علامات الإيبولا. وبغض النظر عن ماهيّة النظريّة الصحيحة لمصدر الفيروس، يخشى علماء الأوبئة ارتفاع عدد الحالات إلى مستوى يصبح من الصعب بعده اقتفاء أثر الحاملين له، ما ينذر بكارثة حقيقيّة.
عوامل متشابكة للغزو
يرى العلماء أنّه في الماضي كان الفيروس الذي يتفشى في قرية صغيرة، يبقى محدوداً، إلا إذا ذهب الناس إلى المستشفيات. أمّا الآن، فحجم السكان والحركة العالية تجعل من الصعب القيام باقتفاء أثر المصابين وحصرهم. كما توفر المدن المزيد من الفرص لانتشار الفيروس، فوفقاً للبنك الأفريقي للتنمية، ستبقى دول الغرب الأفريقي في صدارة النمو السكاني في العالم لمدة 20 عاماً، وسوف ترتفع نسبة الأفارقة الذين يعيشون في المدن من 36 % إلى 60 % بحلول عام 2050.
ومن العوامل الأخرى التي تزيد من انتشار الفيروس هو التغيّر الإيكولوجي الذي يحصل. فجمهورية الكونغو الديمقراطية ربطت زيادة تفشي الأيبولا منذ عام 1994 بإزالة مساحات واسعة من الغابات التي تؤوي الخفافيش الحاملة للمرض. وكذلك حصل في غينيا، حيث ظهر الفيروس بهذه القوّة بعدما جرى اقتلاع الأشجار إلى حد كبير. أمّا العامل الأخير فهو الحروب في ليبيريا وسيراليون وغينيا التي سببت الفساد والفقر ودفعت الناس (ومنهم المصابون) إلى الهجرة للعمل، فانتشر الفيروس أكثر.
معركة البحث عن العلاج
يخوض العلماء معركة طويلة لإيجاد علاج للإيبولا، وقد حدث تقدم ولكن بطيء في مجال محاربة الفيروس عن طريق الأدوية. فالعديد من الأدوية واللقاحات المقترحة ما زالت في مرحلة الدراسات على الحيوانات والتجارب السريرية، ولكن على أرض الواقع من الصعب نقلها إلى الإنسان، بسبب موجات تفشي الفيروس التي لا يمكن التنبؤ بها. ويبرز إلى الواجهة الحديث عن دوائين بدأ العلماء بتجريبهما بالفعل، الاول هو ZMapp وهو مزيج من ثلاثة أجسام مضادة تم اختبارها سابقاً فقط في القرود المصابة. والدواء الثاني يسمى TKM- إيبولا، ويعمل على منع الفيروس من دخول وإصابة الخلايا عن طريق استخدام جزيئات من الحمض النووي الريبي لوقف الحمض النووي الذي يصنع البروتينات في الفيروس، وبالتالي وقف تكاثره.
كما تلوح بادرة أمل في إنشاء لقاح مضاد بدأ يدخل التجارب البشرية هذا العام، وممكن أن يكون متاحاً العام المقبل. ويعتمد إنشاء اللقاح على تعديل الجينات الوراثيّة لفيروس adenovirus وجعله يقوم بإنتاج اثنين من البروتينات التي يتكوّن منها الإيبولا. وفي المرحلة الثانية تحقن هذه البروتينات في الجسم البشري كي يتمكن الجهاز المناعي من إنتاج الأجسام المضادة التي سيستخدمها إذا واجه فيروس إيبولا الحقيقي. ويمكن أيضاً أن يستخدم اللقاح، إذا نجح، للوقاية من المرض عند الشخص المصاب، بشرط أن يؤخذ في وقت مبكر.
دول يفتك بها الإيبولا
أكثر ما يذكر الآن عن تفشي الإيبولا هو انتشاره في أربع دول في غربي أفريقيا، وتعتبر غينيا الأشد فتكاً بينهم. وهذه بعض الأرقام عن عدد الحالات المصرّح بها ونسب الوفيّات:
• غينيا: 485 حالة ويبلغ معدّل الوفيّات فيها 74 % من المصابين.
• ليبيريا: 468 حالة ويبلغ معدّل الوفيّات فيها 54 % من المصابين.
• سيراليون: 646 ويبلغ معدّل الوفيّات فيها 42 % من المصابين.
• نيجيريا: 4 حالات ويبلغ معدّل الوفيّات فيها 25 % من المصابين.
