هوس التصوير وجد له بوابة جديدة عبر صور الـ Selfie، ويبشرنا محرك البحث الأميركي Yahoo بأنه في العام 2014 ستلتقط نحو 880 مليار صورة أي 123 صورة لكل فرد من سكان الأرض. ويتوقع أن يكون الكثير منها من نوع سيلفي، وهذا يؤكد على أن هذا الهوس قد يغير معالم فن التصوير، خاصةً بعد أن شارك فيه مفكرون وأدباء وزعماء سياسيون وفنانون مشهورون. وصورة الـ«السيلفي» يلتقطها الشخص بنفسه باستخدام آلة تصوير أو هاتف ذكي مجهز بكاميرا رقمية، ومن ثم يقوم بنشرها على شبكات التواصل الاجتماعي (يوتيوب، إنستغرام، سناب شات، وغيرها)، وذلك لاعتمادها كصورة رئيسة في ملفه الشخصي، أو لتسجيل حضوره في مكان معين، أو إلى جانب أشخاص معينين، أو حتى للتعبير عن حالة نفسية معينة.
لماذا تستهويهم الـ«سيلفي»:
ريم المرزوقي، جامعية، تقول: «أكثر مَن استفاد من السيلفي هم من يمتلكون مهارات ومواهب، لكنهم يفتقرون إلى تسليط الضوء عليهم. وللسيلفي جانب سلبي، حيث كسد سوق الكاميرات المحمولة وأفل نجم المصورين، وهناك من بات لا يحتاج إلى مصور محترف كي يلتقط صوره، ويساعد نفسه بنفسه، ويصور نفسه بنفسه، ليصبح مشهوراً وقد يجني الثروة».
إشارة أخرى ينوه لها منصور الرئيسي، متطوع في تكاتف، حيث يقول: «الذين يحبون تصوير أنفسهم ليسوا مرضى نفسيين، فالتقاط الصور أمر مسل وممتع يشعر الغالبية بالفرح». ويتساءل: «ما المانع من أن نستخدمها نحن، نصور أنفسنا كالمشاهير، نستمتع، نشعر بوجودنا، ونسجل لحظات الفرح بالصوت والصورة والكلمة».
تؤكد مريم الأميري، طالبة جامعية، أن من مميزات هذه الظاهرة أنها جعلت الناس أكثر واقعيةً، بعيداً عن التصنع والتأنق المبالغ فيه لتصوير الصور كما كان يحدث من قبل، ولا تعني بذلك الابتذال من أجل التقاط الصورة، وإنما أكثر واقعية وملامسة لإيقاع حياتنا اليومي البعيد عن التكلف والتصنع.
يوضح عناية الله خان، موظف، بأن التقاط صورة السيلفي يهدف إلى تدوين اللحظة، فعندما يصور الشخص نفسه وهو في رحلة سياحية مثلاً، يحاول تخليد هذه الرحلة وإعطاءها قيمتها، ويضيف: «هذا الأمر ليس بجديد، ولكن الجديد أننا بدأنا ننشر صورنا على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو أمر فرضته علينا الحياة العصرية، وأصبحت لدينا شبكة من الأصدقاء، نحاول أن نعرفهم على أنفسنا».
لمياء سعيد، موظفة، تقول: «اشتهرت لوحات رسامين مشاهير رسموا أنفسهم، ولهذا فإن صور الهاتف الذكي الذاتية ليست عبثاً أو مرحاً فقط، إنما هي فن مستمر، يصور فن الحياة اليومية، وهي نوع من أنواع التواصل الاجتماعي».
سلبيات السيلفي:
توضح جنان الأحمد، طالبة جامعية، بأن مجرد التقاط صورة ما يحمل عدداً من المخاطر، منها انتقال القمل إلى الرأس، لاحتكاك الرؤوس بعضها ببعض، إذ غالباً ما يقترب الشخص من شخص آخر لالتقاط صورة ما. ويشير خالد محمد الكعبي، موظف، إلى أن كثرة استعمال صور «سيلفي» الذاتية، صار فناً في حد ذاته، بمعنى صورة شفاه، صورة عضلات، صورة حدقات عيون، وليس هذا فحسب، بل ظهرت في الإنترنت مواقع «سيلفي»، تعرض فنون سيلفي. ويضيف: «مع ظهور ظاهرة السيلفي، ازداد الطلب على عمليات التجميل، خصوصاً تجميل الوجه، مثل عمليات تجميل الأنف، وهذا ناتج عن إمكانية التصوير السيلفي من زوايا جديدة ومختلفة مثل الزوايا الجانبية، أو من الأسفل، حيث تعطي مظهراً لم يكن ملاحظاً من قبل الشخص في السابق».
أما أبرار عادل الكثيري، موظفة، فتقول: «ربما يكون للسيلفي بعض العواقب الوخيمة، كما حدث لشاب كاد أن يلقى حتفه بسبب صورة سيلفي صورها لنفسه مع قطار متجه نحوه، ولولا لطف الله تعالى لكانت تلك الصورة الأخيرة له، وغيرها الكثير من المغامرات غير المحسوبة بسبب تقليعة سيلفي الإلكترونية».
«نُقل ضابط شرطة أميركي إلى المستشفى بعد أن تعرض للعض من قبل كلب يعمل في سلك الشرطة عندما حاول أن يلتقط صورة «سيلفي» بصحبته، وتسبب الكلب في جروح خطيرة في ذقن الضابط وتمزق في شفتيه». يقول مُعتز الجنيبي، موظف، ويضيف: «أصبح معظم شباب العالم مولعين بهذه الظاهرة، ولها نشاط واسع في العالم العربي. ولاسيما أن التواصل الاجتماعي الحقيقي بدأ يقل ويحل محله التواصل الاجتماعي الافتراضي والذي أثر كثيراً في حياة الإنسان».
السيلفي ينقل القمل:
الخبيرة الاسكتلندية مارسي مكويلين، المتخصصة في خدمة إزالة القمل، حسب ما نقلت عنها مجلة «التايم»، تقول: «إن الطب شهد زيادة هائلة في انتشار القمل، لا سيما عند المراهقين هذه السنة، وهذا الأمر عادةً ما يحدث عند الأطفال، لأنهم أكثر عرضةً للاحتكاك، ولكن الآن نرى الكثير من المراهقين والكبار يأخذون صورة سيلفي، حيث تحتك الرؤوس بعضها ببعض، ما يؤدي إلى انتشار القمل!».
حالة إدمان:
حذر علماء النفس أخيراً من أن التقاط الكثير من الصور الشخصية «selfie»، قد لا يكون مجرد حالة إدمان على التصوير الذاتي، بل هو أحد المؤشرات الأولية على الإصابة باضطراب تشوه الجسم الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب نفسية قد تؤدي إلى الاكتئاب، ومحاولة إيذاء النفس بسبب عدم الشعور بالرضى عن المظهر الخارجي. وقال تقرير إن الناس الذين يأخذون الصور الشخصية يقومون في كثير من الأحيان بالتقاط مجموعة كبيرة من الصور حتى يجدوا أفضل زاوية أو شكل، ثم يقومون بتفحص هذه الصور للتأكد من عدم ظهور العيوب التي يعتقدون بأنها عيوب وهذا يدل على وعي ذاتي كبير حول أقل التفاصيل، الأمر الذي يجعل الحالة مرضية.
يُبرز الأشخاص المغمورين:
«يُمكن اعتبار ظاهرة صورة سيلفي العامل الرئيسي لبروز الكثير من الأشخاص المغمورين الذين استطاعوا عن طريق تصوير أنفسهم عرض مهاراتهم وصفاتهم ومقتنياتهم وأمور كثيرة تتعلق بهم». توضح منى عبيد البلوشي، خبيرة في مجال تطوير الذات، وتضيف: «أصبح لديهم الكثير من المتابعين والمشجعين، ما تسبب بملاحقة وسائل الإعلام المختلفة لاقتناصهم، حتى شركات الإعلان حرصت أيضاً على الترويج لمنتجاتها عن طريق مشاهير السيلفي».
من جانب آخر، تؤكد سارة غيرافيس، أستاذة علم النفس الاجتماعي والقانوني في جامعة نبراسكا، والمتخصصة بالإيحاءات والتواصل غير الناطق، على أن ظاهرة «سيلفي» هي فردية متطرفة، في عصر التواصل الاجتماعي. فالصورة الذاتية تقول عن صاحبها، أو صاحبتها: «أنا هنا، أنا في هذا المكان، في هذا الوقت، لست منعزلاً، أو انطوائياً، أو وحيداً. أنا اجتماعية لأن الذين يشاهدون صورتي هذه، يصيرون شركاء معي في وحدتي، وبالتالي لا يجعلونني أحس بأني وحيدة».
سيكولوجية الصرعات:
«يمكن اعتبار السيلفي من سيكولوجية الصرعات التي قد يرتكب فيها الإنسان بعض الحماقات حتى يغذي ذاته والنقص الذي يعاني منه». توضح الاستشارية النفسية منار الحمادي، وتضيف: «من تلك الشخصيات الشخصية الهيستيرية التي تحب لفت الانتباه من خلال ممارسات قد تكون حمقاء وتؤدي إلى خطر حقيقي، ولا يمنع أن تكون صور سيلفي صوراً تذكارية للحظات قد لا تتكرر ولكن من دون حماقات أو مغامرات قد تؤدي بحياة الإنسان إلى التهلكة».
