جمال جبل جيس لا يقف عند حد الاستمتاع بطبيعته الخلابة، بل يسمو الإبهار فوق ارتفاعه الشاهق غير البعيد عن الشريط الساحلي الممتد للخليج العربي في الأسفل، ومع نسيمه العليل ومناخه المعتدل صيفاً وقارس البرودة شتاءً، وروعة انحناءاته ومنحدراته المتعددة التي يكللها الثلج فيضفي إليها المزيد من الروعة، هذا إلى جانب تعطش الزائرين والسياح إلى ممارسة هواياتهم المحببة على قمته، كالتصوير والتسلق؛ «أرى» اعتلت قمته وعادت لكم بهذا التقرير.

 

مكانه وارتفاعه
يبعد جبل جيس عن مركز مدينة رأس الخيمة حوالي 25 كيلومتراً تقريباً، بحسب تقديرات الأهالي، ويقع بمحاذاة وادي وبلدة غليلة، ويبلغ ارتفاعه نحو 1900 متر عن سطح البحر، أي ما يعادل (5700 قدم). وهو أحد الجبال التي تتكون منها سلسلة جبال الحجر. ويستأثر الجبل بموقع لافت، وسط طبيعة خلابة وبيئة جبلية ساحرة، تتوسط سلسلة من جبال المنطقة، ويشرف على عدد من بساتين النخيل والمناطق السكنية المحيطة، ليرسم صوراً بديعة وأخاذة. فيما تطل المنطقة الجبلية الشاهقة بشكل مباشر وخلاب على ساحل الخليج العربي، حيث لا يفصل الجبل عن البحر سوى شريط ضيق، يقدر امتداده عرضاً بنحو 6 كيلومترات فقط.

 

ثلج في الإمارات
اكتست بعض أجزاء قمة الجبل باللون الأبيض الناصع، ترافقت مع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر المئوي، وذلك على إثر موجة الطقس الباردة التي شهدتها إمارة رأس الخيمة خلال الأيام القليلة الماضية، حيث تكدست كميات من الثلج والبرد في أعلى قمة الجبل، في وقت أبدى فيه العشرات من السياح والأهالي رغبتهم في زيارة منطقة الجبل السياحية. وقد حذّرت شرطة رأس الخيمة من مخاطر صعود الجبل بسبب انخفاض درجات الحرارة وتشكل الضباب وتكون الثلوج على جانبي الطريق المؤدي إلى القمة. وهذه هي المرة الثالثة التي تشهد فيها قمة الجبل تساقطاً للثلوج وتكوناً للصقيع، وقد انخفضت درجات الحرارة إلى ما دون الصفر.

 

توثيق وتصوير
في فصل الشتاء بشكل خاص يتوجه غالبية هواة التصوير إلى جبل جيس، ليتفاجؤوا بوجود طبقة كثيفة من الصقيع تغطي مساحات شاسعة من أجزاء الجبل، في الوقت الذي كادوا أن يتجمدوا فيه من البرد بسبب انخفاض درجة الحرارة. ومن بينهم كان المغامر الإماراتي صالح الشحي، حيث دفعته هواية التصوير إلى المجازفة والمخاطرة بحياته، وكان للمغامرة وحب الاكتشاف، الدور الأكبر في تحريك حواسه لمحاكاة الطبيعة، متجاوزاً بذلك 60 رحلة تسلق محفوفة بالمخاطر، لكنه وفي نفس الوقت كشف عبر عدسة كاميرته مواطن السحر والجمال في طبيعة الإمارات.

 

متعة التسلق
الحالة المناخية الفريدة التي سيطرت أخيراً على الإمارات، أغرت بعض الشباب الإماراتيين من هواة رصد الظواهر الطبيعية ومغامرات ملاحقة تقلبات المناخ في رأس الخيمة، إلى تسلق قمة جيس ورصد الصقيع بالصورة والمعلومة، ومن بينهم وليد بن شيبان الحبسي الذي انطلق في ساعة مبكرة من الصباح من منطقة سيح البريرات في رأس الخيمة على متن مركبة خاصة ذات دفع رباعي. وتتطلب مثل هذه الرحلات الخطرة مركبات بمواصفات خاصة. وذلك لرصد الصقيع الذي تشكل على الأجزاء العلوية من سفوح الجبل، وتسجيل الملاحظات والتقاط الصور، لتوثيق الحالة المناخية الفريدة، ونقلها إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس. يقول الحبسي: «تشكل الصقيع منذ الساعات الأولى من فجر أمس الأول، في أعقاب أمطار الخير، التي هطلت على المنطقة الجبلية، في ظل تدني درجات الحرارة هناك إلى مستويات التجمد، التي تقدر علمياً بدرجة مئوية واحدة وما أقل، وتكونت طبقة الصقيع من مياه الأمطار المتجمعة في القمة، وبدت وكأنها مرآة ناصعة».


المغامر الإماراتي صالح الشحي تسلق أيضاً جبل جيس، ويعتبر أن تسلقه الأول كان مغامرةً خطيرةً للغاية، حيث تسلق رفقة شقيقه الأصغر في فصل الصيف ظهراً، ولم يهتم حينها بحمل المعدات واكتفى بحمل زجاجة مياه للشرب، وبعد أن وصلا إلى أعلى قمة في دولة الإمارات، التقطا بعض الصور التذكارية وأرادا النزول، فاختارا طريقاً مختصراً، ولم يعيا ما يخفيه هذا الطريق من مفاجآت، ومضى في طريقهما نحو ساعة ونصف من الزمن نزولاً ليقفا في النهاية عند منحدر خطير يصعب تخطيه، فقررا تغيير المسار مرة أخرى ما استغرقهما نحو ساعة ونصف أخرى، ليتكرر السيناريو ذاته ويصطدما مرة أخرى بمنزلق خطير، لكن حلول الظلام قلص الخيارات أمامها وأجبرهما على اتخاذ القرار الصعب، واتخذا قراراً حاسماً بالمخاطرة والقفز إلى الصخرة أمامهما ثم التشبث بجذور الأشجار الصغيرة، وكاد شقيقه أن يفقد حياته في تلك اللحظة نتيجة انزلاقه، لكن العناية الإلهية كللت تلك الرحلة بنجاح في نهاية المطاف.

 

استقطاب المغامرين
يستقطب الجبل عشاق الطبيعة ومطاردي تقلبات المناخ ورصد الظواهر الطبيعية، من الإماراتيين الشباب والمقيمين على أرض الدولة ومن السياح الخليجيين والعرب والأجانب، حيث يقصدون الجبل للاستمتاع بمشاهد الطبيعة الساحرة والتمتع بالطقس الجميل والمعتدل صيفاً والبارد شتاء، بما يفوق نظيراتها في المناطق الأخرى من الدولة، إضافةً إلى رصد وتوثيق المشاهد النادرة، وأبرزها بساط الثلج أو البرد، الذي ينهمر في بعض الأعوام، والتقاط الصور التذكارية.

 

قيد الإنشاء
تعكف حكومة رأس الخيمة على تنفيذ مشروع طريق جبل جيس، الذي يصعد عبر طرق جبلية وعرة ومنحدرات حادة، ليصل إلى أعلى قمة جبلية في الدولة. انطلق المشروع في العام 2004 ولايزال العمل متواصلاً، متجاوزاً تحديات وصعوبات الطبيعة، كالارتفاع الكبير للجبل وصولاً إلى قمته، والمنحدرات الجبلية الوعرة التي يخترقها المشروع والطريق والصخور الجبلية الضخمة التي تعترضه. وتتمثل فكرة المشروع أساساً على تسوية الأرض وتمهيد الشارع عبر امتداده. وتقضي خطة المشروع بإنشاء فنادق ومنتجعات سياحية في القمة الجبلية في مراحل لاحقة لإنجاز الطريق، بجانب مبانٍ سكنية سياحية، تشتمل على شقق ذات مستويات متميزة، وإنشاء ثلاث أو أربع استراحات وعدد من المطاعم ومواقف جانبية للراحة والحالات الطارئة، وسواها من الخدمات والمرافق العامة على امتداد الطريق.