جاء القرار الأخير للرئيس عبدالفتاح السيسي، بتبرعه بنصف راتبه الشهري مدى الحياة، بالإضافة إلى نصف ثروته بما فيها أملاكه التي ورثها عن والده، ليفتح بابًا من سيل التصريحات الصحفية للفنانين التي تطالعنا بشكل شبه يومي عن المبالغ الطائلة التي يتبرعون بها لصالح خدمة الوطن، فاتحًا في الوقت ذاته لبابٍ آخر من التساؤلات حول صحة هذه الأرقام الهائلة التي يُعلنون عليها، وعن مصير هذه التبرعات وأين ذهبت أموالها منذ حفلات أم كلثوم التي تبرعت بأجرها كاملاً لصالح تسليح الجيش المصري بعد نكسة 1967 وحتى ملايين عادل إمام التي أعلن عن تبرعه به لصالح سد عجز الموازنة المصرية ثم عاد ليتنصل من ذلك، بحجة أنه لا يمتلك هذا المبلغ ليتبرع به، "أرى" والتفاصيل:
 

ديانة ليلى مراد لم تمنعها
إذا نظرنا لمسألة تبرعات الفنان للمساهمة في حل المشاكل التي تواجه بلده بنظرة تاريخية، سنجد أن الفنانة ليلى مراد، كانت من أوائل الفنانين الذين تبرعوا بأموالهم لخدمة الوطن، وعلى الرغم من أن الشائعات كانت تطاردها في كل مكان حول تخابرها مع الجيش الإسرائيلي والتجسس على مصر بحكم ديانتها اليهودية، إلا أن ذلك لم يمنعها من التبرع لصالح الجيش المصري هي وزوجها الفنان أنور وجدي، وحتى قبل اعتناقها للإسلام، وبالأخص فترة حرب فلسطين، حينما تبرعت للجيش المصري وقتها بمبلغ مائة جنيه من مالها الخاص، ونفس المبلغ من مال زوجها الفنان الشهير الذي لم يتوان هو الآخر لحظة لخدمة وطنه، ولم تقتصر الفنانة الشهيرة على هذه الأموال فقط في تبرعاتها، حيث قامت عام 1953 بزيارة مكتب مدير مكتب الرئيس الراحل محمد نجيب، مجدي حسين، وتبرعت له بمبلغ 1000 جنيه لصالح دعم الجيش المصري.


أم كلثوم الأبرز
أيضًا السيدة أم كلثوم كانت من أوائل الفنانين المصريين الذين تبرعوا لخدمة وطنهم، حينما قررت أن تخصص كل دخل حفلاتها الغنائية لصالح الجيش المصري بعد نكسته أمام جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 67 من القرن الماضي، وعلى أثر ذلك أقامت أم كلثوم سلسلة حفلات مختلفة زارت من خلالها العديد من المحافظات المصرية والمدن العالمية، ودعت المواطنين من خلالها للتبرع لتسليح الجيش المصري، ولكن حالتها الصحية لم تسعفها لاستكمال مشوارها واقتصرت حفلاتها الداخلية على دمنهور والإسكندرية وطنطا والمنصورة.


في حين أحيت أم كلثوم في جولاتها الغنائية الخارجية حفلاً غنائيًا كبيرًا على مسرح "أولمبيك" بالعاصمة الفرنسية باريس، جمعت من خلاله 212 ألف جنيه إسترليني، بالإضافة إلى إيرادات حفلها بسينما الأندلس بالكويت والتي قدرت حينها بمائة ألف دينار كويتي، وذهبت هذه الأموال بكاملها لصالح الجيش المصري، فضلاً عن التبرع بمجوهراتها الشخصية.


أسبوع التسليح بقيادة فريد شوقي وتحية كاريوكا
ولم تكن كوكب الشرق أم كلثوم الوحيدة من الفنانين الذين شاركوا في تدعيم الجيش المصري بعد النكسة، حيث قام عددٌ من الفنانين وعلى رأسهم الفنان فريد شوقي والفنانة الاستعراضية تحية كاريوكا وزميلتها في نفس المهنة سامية جمال، إضافة إلى الفنانة لبلبة، بالمرور على العديد من الشوارع الرئيسية بأحياء القاهرة لجمع التبرعات من أجل تسليح الجيش، وهو ما سمي بعد ذلك بـ"أسبوع التسليح"، الذي أقيم بهدف دعم الجيش، من خلال صندوق كبير كانت تحمله سيارة نقل، وبصحبته أحد الفنانين المتطوعين، واستطاعوا أن يجمعوا بهذه الطريقة مبالغ كبيرة من الأحياء الراقية والنوادي التي كان يتواجد بها صفوة المجتمع بصفة رئيسة، فضلاً عن تبرعات الفنانين أنفسهم.


ثورة 30 يونيو تعيد الفنانين للتبرع
ولفترة طويلة، بعد حرب 1976، انقطعت تبرعات الفنانين بعد ذلك وانقطعت بالضرورة تصريحاتهم المثيرة بالتبرع، إلى أن قامت ثورة 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس المعزول محمد مرسى من حكم البلاد، وأدخلت البلاد في أزمة اقتصادية كبيرة واجهها الفنانون بـ"صندوق دعم مصر"، الذي تم الإعلان عنه عبر كل وسائل الإعلام وبرامج "التوك شو" والذي لاقى استجابة كبيرة من بعض الفنانين، حيث أعلنت وقتها برامج التوك شو عن كثيرٍ من أرقام التبرعات بدأها المخرج خالد يوسف حينما أعلن عن تبرعه بمبلغ قدره 100 ألف جنيه، وكذلك الفنان عمرو واكد الذي رفض الإفصاح عن قيمة المبلغ الذي تبرع به وشاركته في ذلك الأمر الفنانة نيللي كريم التي تبرعت هي الأخرى دون الإفصاح عن قيمة ما تبرعت به، وهو ما حرصت عليه الفنانة منة شلبي هي الأخرى رافضة الإفصاح عن قيمة تبرعها.


في حين لم يتوان المطرب عمرو دياب لحظة في الإعلان عن تبرعه بـ9 مليون جنيه، وكذلك تبرع الفنان أحمد حلمي عن قيمة أجره بفيلم "على جثتي" لصالح صندوق دعم مصر، أما الفنانة ليلى علوي فتبرعت بمبلغ 50 ألف دولار، وبنفس الرقم تبرع الفنان محمد صبحي ولكن بالجنية العملة المحلية وليس بالدولار.


مبادرة السيسي
وبعد ذلك جاءت مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ لتفتح شهية الفنانين مرة أخرى على تصريحات التبرعات وبدأها هذه المرة الإعلامي محمد الغيطي حينما أعلن عن تبرع الفنان عادل إمام بمبلغ 52.5 مليون جنيه قيمة نصف أجره عن الثلاث الأعمال الدرامية التي قدمها مؤخرًا، ليخرج بعد ذلك إمام نفسه ويكذب هذه الأنباء؛ مؤكدًا أنه لا يمتلك هذا المبلغ ليتبرع به.


ثم خرجت الفنانة غادة عبدالرازق؛ لتؤكد استجابتها لمبادرة السيسي حينما أعلنت عبر حسابه الشخصي بموقع تبادل الصور الشهير "أنستجرام" عن نيتها التبرع لمصر دون الإفصاح عن قيمة هذا التبرع، حينما قالت "عشان خاطر عيونك وعيون مصر وشعبها نعمل أي حاجة والله هتبرع بكرة وتحيا مصر" في إشارة منها لليوم الذي تلا تصريحات السيسي، لكن مر يوم واثنين وثلاثة وأسابيع دون أن تصرح الفنانة الشهيرة بقيمة هذا التبرع أو الطريقة التي تبرعت بها.


شو إعلامي
وبصفته، أكد رئيس مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والقانونية د.عادل عامر، في حديث لـ"أرى" على صعوبة معرفة مصير هذه التبرعات وطريقة صرفها، موضحًا أن المبالغ الحقيقية التي يتبرع بها الفنانون عادة ما تكون مخالفة تمامًا لما أعلنوا عنه بوسائل الإعلام، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام وخاصة التي تعلن في بداية أية مبادرة لجمع التبرعات تكون فقط بغرض الدعاية وحث الجميع على المشاركة حينما يشاهدوا نجومهم المفضلون يتبرعون بمبالغ ليست بالقليلة بهدف خلق نوع من الحافز لديهم للأقدام على هذه الخطوة.

وطالب "عامر" محافظ البنك المركزي بضرورة سؤال هؤلاء الفنانين عن تصريحاتهم، لأن تركهم يتحدثون كيفما يشاءون عن أرقام فلكية يتبرعون بها يخلق نوعًا من الضبابية والغموض لدى المواطن البسيط بالشارع المصري الذي من المفترض أن تؤول له هذه التبرعات في النهاية، لكن ما يحدث أنّه يكتشف أن هذه التبرعات مجرد تصاريح إعلامية بغرض الدعاية فقط.

في حين أوضح الإعلامي إبراهيم عيسى، أن مثل هذه المبادرات تكون نابعة من النوايا الحسنة والطيبة لأصحابها، مؤكدًا في الوقت ذاته أن تجارب تبرعات الفنانين على مرِّ السنين لم ينجح منها سوى مبادرة السيدة أم كلثوم، حينما تبرعت بأجرها عن العديد من الحفلات الغنائية، ودعت جميع سيدات مصر؛ للمشاركة في مبادرتها بالتبرع بمجوهراتهن وحليتهن الشخصية لصالح دعم الجيش المصري.