بجرأة وحماسة تتحدث آسيا موساي، ناشرة دار الاختلاف، عن مشكلات اللغة العربية في الجزائر، والصراع بين الجناحين الأصولي والفرنكفوني وغياب المحتوى الفكري العربي. لا يغيب عن حرفتها حماسة الهواة، ولا إتقان المحترفين. تباغتك بمعلوماتها عن صناعة النشر، وأبرز هذه المعلومات أن أرقام القراءة في العالم العربي أفضل من الأرقام المعلنة. تعيد السبب إلى العلاقة بين مهنة النشر والنظام الاقتصادي العربي الذي يدفع بعض الناشرين للتحايل على أرقام التوزيع. الترجمة وإهدار حق المترجم، ودار النشر الأجنبية، وإعادة النشر دون إبلاغ الكاتب من أبرز الممارسات السلبية في هذا المجال.

دار الاختلاف التي بدأت جمعية ثقافية كان رصيدها عام 2003 نحو 40 عنواناً. اليوم لدى دار الاختلاف أكثر من 450 عنواناً، وتخوض مغامرة جديدة مع شركاء في حقل النشر للأطفال واليافعين، المجال الذي تعتبره الناشرة الجزائرية مظلوماً. «أرى» التقت الناشرة الجزائرية آسيا موساي على هامش مشاركته في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2014 وكان الحوار التالي..

ما عدد إصدارات دار الاختلاف اليوم؟
أكثر من 450 إصداراً. أذكر في 2003 قال لي صديق لبناني تأمل الجناح وقال لي ما أحلامك، فأجبت: أن تصل عدد إصداراتنا إلى 400 إصدار. لم أتخيل أن أتجاوز هذه العتبة، لكننا فعلناها. والآن نفكر في مغامرة جديدة من خلال دار «حكايا» وهي دار نشر مخصصة للأطفال واليافعين، وتتوجه إلى الفئة المظلومة عربياً وستجمع المغامرة ثلاث دور نشر هي دار الاختلاف الجزائرية ودار ضفاف اللبنانية ودار الهدهد الإماراتية، وبالتالي نستطيع تشكيل هذه التوليفة العربية، وشعارنا «في عشق لغة الضاد».

ماذا عن المنافسة العربية – العربية في مجال النشر؟
لا أبوح بسر، إن قلت إن النشر العربي لا يعطي الرقم الحقيقي.

هل هو أكثر سوءاً؟
على العكس.

هل يخاف الناشر من «صيبة العين» مثلاً؟
هناك أشياء كثيرة تخيف الناشر العربي، أبرزها الضرائب. للأسف نظامنا الاقتصادي غريب عجيب ويدفعك للتحايل. أبرزها عدم التصريح بالأرقام الحقيقية. وأنا لا أقول كل الناشرين يتبعون هذه الطريقة. في الواقع لا تربطني مثل الناشرين العرب علاقة تجارية مع الكتاب فأستطيع قول هذا بحرية. بعض الناشرين لا يقولون الأرقام الحقيقية حتى لا يعطوا المؤلف حقه – مع الأسف. وعندما يترجمون يتكلمون عن طبعة مع الناشر الأجنبي ويمكن أن يعيدوا الطبعة دون إبلاغ الناشر الثاني، للتخفيف من قيمة الإنفاق لهذا السبب لا يجب أن نصدق كل ما يقال.

ماذا عن الكتاب الإلكتروني؟
كل إصداراتنا موجودة على نيل وفرات، لكن بالنسبة لي شخصياً هذا ليس رهاني على الإطلاق لأني لا أتوجه إلى شريحة تملك هذه الأجهزة وتقرأ منها.

لماذا تسطحين هذه الشريحة؟
أنا في بلدي لا أتوجه إلى هذه الشريحة، وأخصص في كلامي هنا. يهمني بالدرجة الأولى القارئ الجزائري. وكل من يبحث عن منشورات دار الاختلاف يجدها إلكترونياً.

هل تغطي تكاليف النشر الإلكتروني تكاليف النشر الورقي؟
الأرقام عادية جداً في عالم النشر الإلكتروني والكتاب الإلكتروني أرخص، ولا يكلف الناشر لكن الورقي متوافر في كثير من الأماكن، إنما عندما لا يشتري القارئ الكتاب فالإلكتروني ليس حلاً لأن الورقي لا يباع. هناك مكتبات متنقلة تعرض الكتب ولا يوجد إقبال، بالتالي المشكلة ليست في عدم الوصول للقارئ، إنما المشكلة في عدم وجود إقبال من أصله، الكتاب الإلكتروني في العالم العربي هو للكتاب الممنوع فقط.

كيف يمكن لناشرة دار الاختلاف الحديث عن الدار بعد 14 عاماً على تأسيسها؟
يصعب وصف دار الاختلاف دون القول إنها «مغامرة». بدأت الدار كجمعية ثقافية تمارس نشاطها عام 1995 في الجزائر. كنت وقتها طالبة في كلية الطب، وفي تلك المرحلة بتحولي إلى طبيبة شعرت بأني أفقد عوالم الأدب والخيال التي كنت أجد نفسي فيها. وعندما ظهرت الفكرة تحمست كثيراً وانضممت إلى المجموعة دون أي تردد، وقلت هذا سيكون فضاءً موازياً لفضائي الأكاديمي، إلا أن القراءة عندي ليست فعلاً فردياً إنما هي طقس كامل. كثير من الزملاء في كلية الطب لا يقرؤون وخشيت من هذه العدوى، لأن عدم القراءة مرض معدٍ.

من هم المؤسسون؟
كانت المجوعة تضم عدداً من الشعراء والكتاب منهم الشاعر الجزائري نجيب أنزار، والشاعرة نصيرة محمدي، والكاتب بشير مفتي، وآخرون، لكن كان ينقصهم شخص ليصيروا 15 شخصاً ويكتمل الطلب بتأسيس الجمعية. مع الوقت اكتشفت أن باستطاعتي تقديم الكتاب ولدي موهبة تنظيم الأنشطة الثقافية، واكتشفت قدرتي على التلخيص. بدأت الفكرة تكبر وهوسي بها يكبر، وصرت مهووسة بجمعية الاختلاف إلى أن صرت رئيسة لها عام 1999.

كيف بدأت مغامرة النشر وما هي ظروفها؟
كانت جمعية الاختلاف تنظم الأنشطة وتنشر الكتب بصعوبة بالغة ومن هنا بدأت المغامرة الحقيقية. في عام 2000 نشرنا أول كتاب لجمعية الاختلاف وكان رواية للكتاب بشير مفتي بعنوان «المراسيم والجنائز». وقتها كانت الجزائر تمر بمرحلة صعبة ولم تكن الكتابة ولا النشر من أولويات الدولة ولا المؤسسات، فقررنا خوص هذه المغامرة بأنفسنا. كنا نقوم بكافة المهام بأنفسنا من كتابة وتنضيد وإخراج وتوزيع ونطلب من أصحاب المكتبات عرضها، كما جلنا بها على معارض الجامعات. هذا ما كان بيدنا فعله لمقاومة حالة الخوف التي كان يعيشها الجزائري من النظام والإرهاب.

متى حققت دار الاختلاف هذه النقلة النوعية في عالم النشر وصارت الدار اسماً في عالم النشر العربي؟
سنة التحول كانت عام 2003 عندما عاد المعرض الوطني للكتاب إلى الوجود بعد العشرية السوداء، فكانت هذه العودة مهمة وشاركنا بجناح ضم 40 إصداراً تتوزع ما بين الدراسات النقدية، والمجموعات الشعرية والقصصية والرواية. زارنا الناشر اللبناني بشار شبارو - كان في الدار العربية للعلوم حينها - ليطرح فكرة تعاون، قال لنا أنتم يربطكم بالكتاب الشغف وتقدمون نوعية لا أقدمها، وفي الوقت نفسه لا تملكون إمكانات طبع ونشر وتسويق، فيما أملك كل هذا. ما رأيكم بخلق توليفة ما؟ وبدأت من هذه اللحظة الأمور تكبر وتكبر. صحيح أننا فقدنا في تلك اللحظة جانب الهواية والعلاقة الخاصة الذي نقوم بها وصارت أكثر احترافية، لكن بالنظر إلى ما وصلت إليه الدار اليوم، لست نادمة خصوصاً أن رغبتي بتقديم المعرفة والكتاب الجيد لاتزال راسخة في صدري.

كيف كانت أرقام التوزيع؟
كنا نطبع ألف نسخة قبل مرحلة بيروت ونوزعها في الملتقيات والمهرجانات أو نسافر بها بأنفسنا، لكنها كانت توزع. فجأة تكتشف أن المقولات التي تسمعها عبارة عن كليشيه، وهناك قارئ مهم في الجزائر. المشكلة أن المستورد يحضر ما يريده المزاج العام، وطالما الغالبية تريد الكتاب الديني فهو يحضر الكتاب الديني، لذا تجد كتب العقلانية والحداثة غير موجودة في السوق. حتى كتب التراث المستنيرة لم تكن متوافرة. كانت أحلامنا تبدو مستحيلة في ظل هذا الواقع. صحيح مرت أكثر من 10 سنوات على هذه التجربة لكننا نجحنا اليوم، وهناك شريحة واسعة من الطلبة والباحثين لغتهم الفرنسية ضعيفة ويجد ما يريد في دار نشر عربية. وهناك ما يقول لك –أسعد ما يمكن أن أسمعه- عندما قرأت ما تنشرون كثير من القناعات في رأسي تغيرت. في النهاية مادياً لانزال نتأرجح، وكل أصدقائي يعانون هذا التأثير. لكن الكلام هذا لا يساوي أي مال في الدنيا.

كيف أثر هذا التعاون في المنتج الذي تقدمونه للجمهور الجزائري والعربي في وقت لاحق؟
كان صدى التعاون مع «الدار العربية للعلوم» و«ضفاف» لاحقاً، أكبر بكثير خارج الجزائر منه في داخلها. في الجزائر ازدواجية مقيتة. العربية تُربط بالأصولية في حين تعتبر الفرنسية لغة العصر والناس الذين يعيشون الحداثة. هنا وقعنا في مطب، فلا هذا الجانب يقبلنا ويعتبرنا نروج أفكاراً هدامة، ولا تيار الحداثة يعترف بنا ولا يفهم ما نقوم به. إلا أن ردة فعل الفرنكوفونيين كانت أكثر رحابة من الفريق الأول لكنهم لم يكونوا يفهمون ماذا نقدم. الاختلاف اللغوي أثر كثيراً فينا، إضافة إلى أن ما يشاع عن القارئ العربي أنه يذهب فقط إلى كتب التراث وتفسير الأحلام لكننا تحدينا هذه الكليشيه.

ما التغيير الذي طال دار الاختلاف بعد التعاون مع الدار العربية للعلوم؟
صرنا نطبع 2000 نسخة من كتبنا لكن في الوقت الحالي نطبع 1500 نسخة. هناك استثناءات لكتب قليلة أعيد طبعها لكنها قليلة. لكن شيئاً فشيئاً أفاجأ بأن أسماء نشرنا لها في الجزائر صارت معروفة لدى القارئ الجزائري كالروائي السوداني أمير تاج السر، أو الروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله أو الروائية السورية هيفاء بيطار، وصار لهم حضور كبير في الجزائر، وأيضاً اسم كالمفكر اللبناني علي حرب له حضور فكري في الأوساط الجامعية قوي جداً، إضافة لوجود اسم دار الاختلاف وصار الكتاب الجيد متاحاً بسعر مناسب.

ما سياسة التسعير التي تتبعونها على اعتبار أنكم تطبعون في بيروت وتشحنون الكتب إلى الجزائر؟
نحن نبيع بسعر الجزائر وهذه نقطة مهمة جداً بالنسبة للقارئ الجزائري الذي نريد الوصول إليه، ودوماً في اجتماعاتنا نضع هذه المسألة بعين الاعتبار، ونصل إلى معادلة تجمع نسبة ربح بسيطة إضافية على سعر الكلفة ونكتفي بالقليل حرصاً على ميزانية طالب جامعي جزائري على سبيل المثال، والأمر يعود إلى أن علاقتي بما أعمل ليست تجارية، ولو أردت مشروعاً رابحاً لفعلت شيئاً آخر.

ما المشاكل التي تواجهها دار نشر جزائرية في العالم العربي؟
طالما أن الجانب اللبناني هو من يتكفل بكل أمور التوزيع في العالم العربي فلا مشكلات لدينا أبداً، جو الليبرالية الاقتصادية يجعلها مركزاً مهماً، وبالتالي لا مشكلة لدينا عدا مسألة الرقابة طبعاً. مثلاً هناك دول لا تقبل جرعة الحرية التي تتمتع بها منشوراتنا، إلا أننا لا نملك شيئاً إزاء هذا. عندما يصل السياسي العربي إلى لحظة يعرف فيها أنه لا فائدة من الوصاية على المواطنين ستحل هذه المشكلة، وعربياً هي موجودة للأسف.

هل هناك كتب تفوق الرقيب الجزائري على نظيره العربي في جرعة حريتها؟
في الجزائر هناك مشكلة تتعلق بالسياسي أو الديني، فيما عدا هذا لا مشكلة. في الجزائر لا يوجد رقابة مسبقة على الكتاب ولا حتى على التداول. لكن بالمصادفة إن وجد شيء في نظر الرقابة أكثر من المعقول - من وجهة نظرها - تتدخل جهات بطريقة غير مباشرة لسحب الكتاب. هناك رقابة على الكتب المستوردة لكن للأمانة هي سلسة جداً ولا تمارس أي مضايقات، ربما يعود هذا إلى أن الجهات الجزائرية لا ترى في هذه الأمور أي مشكلة. بشكل عام الكتاب المستورد لا يعاني أي رقابة، والمطلوب هو تأشيرة فقط على الكتاب، وعندما يكتشف وجود شيء يتعلق بالإساءة إلى الجزائر ربما تعاقب دار النشر وبقوة.

هل توجد كتب الروائي أمين الزاوي رغم فانتازيته التي من الممكن أن تكون مشكلة في مزاج الرقيب في السوق الجزائرية؟
كتبه تواجه رقابة في بعض الدول العربية لن أسميها، لكن في الجزائر لم يواجه أي مشكلة على الإطلاق. حتى أثناء نشر رواية «السماء الثامنة» لم تكن مشكلته مع الدولة إنما مع الإسلاميين. الحمد لله لا نفكر في الرقيب.

ماذا عن الجوائز؟
لو قال لي أحدهم عام 2000 إن دار الاختلاف ستكون ضمن قوائم الجوائز كنت لأقول لهذا الشخص أنت مجنون، لأننا لم نكن نستطيع دفع إيجارات المكتب، وكنا نعتقد أننا سنظل في هذه الحلقة المفرغة أبد الآبدين، إلا أن الأمور تغيرت. ولم يحالفنا الحظ في كتاب «الثّقاف في الأزمنة العجاف» للدكتور محمد شوقي الزين المرشح لجائزة الشيخ زايد للكتاب في الفوز، لكن شاركنا برواية وحيد طويلة «باب الليل» إلا أنها لم تصل إلى القائمة الطويلة، وكذلك كان معنا الروائي أمين الزاوي، أما بالنسبة للدورة المقبلة فأنا أعتمد سياسة الإرسال في اللحظة الأخيرة، لكننا نشارك بثلاثة عناوين مهما كان. في الواقع تهمنا الجوائز من الناحية المادية للمؤلف، لأن المؤلف العربي مظلوم، ويهمنا الحصول على جائزة مادية ويهمنا في الدعاية للدار ولأعمال أخرى لا تأخذ حظها من الاهتمام.