بين العزف على أوتار العود، أكثر آلات الموسيقى العربية أصالة، والعزف على نوتات البحث العلمي والأكاديمي المتقدم، تتنقل الدكتورة فرح أويشتاتي، واجدة لنفسها مكانة مرموقة في المشهد العلمي العالمي، دون أن تتخلى عن مساحتها الفنية الخاصة، التي تساعدها على التعرف إلى ثقافات قريبة منها، وترصف الطريق أمامها نحو مزيد من الإبداع.

جراحة العيون
درست فرح أويشتاتي الطب في تونس، وحصلت على شهادة الدكتوراه في جامعة المنار بتونس، ومن ثم انتقلت إلى معهد «باستور» ومعهد أمراض العيون في تونس. «عملت بالمجال الذي حصلت على شهادة الدكتوراه خاصتي فيه، وهو أمراض العيون، وبعد حصولي على الدكتوراه انتقلت إلى باريس بغاية دراسات ما بعد الدكتوراه، وانتقلت إلى معهد متخصص في علاج وبحوث الأمراض المتعلقة بالأعصاب البصرية».

على جناح الإبداع
وجدت فرح لنفسها مساحة كبيرة من الإبداع في علاقة تمكنت من تسليط الضوء عليها، وهي علاقة أحد الجينات العينية بمرض الخرف، وتتحدث عن ذلك قائلةً: «دراساتي في مرحلة ما بعد الدكتوراه تعلقت أساساً بجين خاص له تأثيران مختلفان بعضهما عن بعض، الأول يتعلق بالعين، والثاني بالدماغ. وقد أظهرت الدراسات التي قمت بها أن هذا الجين له صلة بمرض الخرف «الزهايمر»، وتمكنت من إيجاد دليل يؤكد أن لهذا الجين علاقة مباشرة بمرض «الزهايمر»».

المرأة التونسية
تختلف تونس عن العديد من البلدان العربية، حسب قول فرح التي تؤكد أن الحضور الأكاديمي للمرأة فيها متفوق من ناحية العدد، والأسبقية أيضاً، وعلى الرغم من هذا تجد أن هنالك عناصر سلبية بهذا الوجود، لا سيما الابتعاد عن مراكز صنع القرار، وتقول: «من السهل على المرأة أن تتابع دراستها في المجال الأكاديمي والبحث العلمي، وهذا الميدان بالنسبة إلى مجتمعنا غريب نسبياً، إذ لا يتم التطرق إليه كثيراً من قبل الإعلام، وهذا الأمر يشكّل خسارة نسبية لنا. ونسبة النساء في مجال البحث العلمي البيولوجي أكثر من الرجال، أما مواقع صناعة القرار، فهي محصورة بالرجال. أعتقد شخصياً أنه يجب المساواة بين الجنسين بهذا المجال، فليس هنالك حجة ترفع من مكانة الرجل مقابل المرأة، لا سيما إذا كانت الكفاءة هي المقياس. أما بالحديث عن المنح الأكاديمية، فتحصل المرأة على حقها كاملاً، لأنني شاركت في العديد منها، وحصلت على النسبة التي أستحقها عندما كنت طالبة».

في كنف الأسرة
وجود الرجال في مواقع صناعة القرار المتعلقة بالبحوث العلمية والأكاديمية لا يشكّل تحدياً بالنسبة إلى فرح في بلدها تونس، إلا أنها تعترض على طريقة التفكير التي تؤدي عادةً إلى تفضيل الرجل على المرأة، وتقول: «لم أواجه هذه التحديات لأنني محظوظة برأيي، فهنالك العديد من أفراد أسرتي الذين كان لهم دور كبير في دعمي على المتابعة الدراسية، والدي ووالدتي اللذان يعملان في مجال التدريس. وجاء تشجيعهما منذ كنت طفلة، وتابع حتى دخولي الجامعة، إذ كانوا يدفعونني إلى المتابعة وعدم الوقوع في فخ الملل أو الإحباط إذا ما لم أتمكن من تحقيق النتائج المرجوة من بحوثي أو دراستي».

الأكثر تأثيراً
تأثير المرأة في المرأة يتجاوز قدرة الرجل على التأثير بتقدير أويشتاتي التي تبرر ذلك قائلة: «إذا أردت الحديث عن مصدر الإلهام في حياتي، فلا بد لي من ذكر امرأتين، أستاذتي الجامعية آمال القعيد؛ لأنها إنسانة طيبة ومعطاءة جداً، والشخصية الأخرى هي مادام ماتري، وهي برفيسور وطبيبة أيضاً تتمتع بأكبر قدر بإمكاننا أن نجده لدى الإنسان من التواضع والإيجابية أيضاً، وتلهمني طريقة تعاملها مع المرضى وأسرهم، وقد وجهت إلي مقولة في يوم من الأيام أضحت واحدة من الأهم في حياتي، ومضمونها: ليس مهم قدر عطائنا، ولكن المهم أننا قادرون على العطاء. أما بالنسبة إلى الرجال، فهو خال والدي العضو في أكاديمية الطب، وأول رئيس لمعهد «باستور» في تونس، وأصبو لأكون مثله في يوم من الأيام».

المساومة على النجاح
ترفض فرح المساومة على مفهوم النجاح، ولا تعترف بمقولة إن كل نجاح في مجال يقابله فشل في مجال آخر، وتتوسع في شرح وجهة نظرها بالقول: «هنالك بعض الأشياء التي أود أن أقوم بها، إلا أن الوقت لا يسعفني بكل تأكيد، شأن السفر على سبيل المثال، إذ كنت أرغب في زيارة أماكن مختلفة من العالم من أميركا اللاتينية إلى آسيا وجنوب أفريقيا بقصد السياحة فقط، بعيداً عن البحوث لفترات معينة، ولكن التزامي بما أقوم به يمنعني من ذلك».

مساحة الفنون
في حياة كل فتاة، لا بد أن يكون هنالك مساحة للفنون، برأي أويشتاتي، فهي عازفة عود على سبيل المثال، وتتحدث عن هذا الجانب من حياتها بالقول: «أعزف العود في فرقة تونسية، كنت أقدم عروضاً خلال مهرجان المدينة في شهر رمضان المبارك. ولدى انتقالي إلى فرنسا، لم أكن أعرف أي أحد بهذا المجال، وأثناء حضوري مؤتمراً صحافياً بالمعهد العالم العربي، سمعت أحدهم يعزف الإيقاع، وبحثت عن مصدر الصوت، إلى أن وجدت فرقة تقوم بتحضيرات لحفل بوجود الفنان السوري حمام خيري. وانضممت إليهم، وبتنا نغني في بعض المناسبات. الجدير بالذكر أن الموسيقى كانت سبيلي للتعرف إلى الكثير من الأشخاص من ثقافات عربية مختلفة، شأن المغاربة والسوريين والمصريين، هنا في فرنسا».

منحة لوريال يونسكو
فريح هي واحدة من 3 نساء حصلن على منحة برنامج من أجل المرأة في العلم من «L’Oreal –UNESCO»، وعن الامتياز الذي حظيت به، تقول: «كان هذا فخراً كبيراً لي ولتونس، أنا أعشق بلدي، وأشعر بأن أي نجاح أتمكن من تحقيقه ما هو إلا نجاح لبلدي، لأنني أتمنى لها كل الخير، وأتمنى لها أن تصل إلى مستوى أفضل البلدان على مستوى العالم. هذا إلى جانب ما يمثله هذا النجاح للمرأة التونسية والعربية أيضاً، فالمرأة في مجتمعنا العربي هي عماد الأسرة، لأنها هي التي تبدأ الحياة وتستمر من خلالها، لذا أقدر كل الجهود التي بذلها القائمون على هذه المنحة لدعم مكانة المرأة في العلم».