امتلأت الدراما الرمضانية هذا العام بمشاهد القصور الرئاسية التي أطلت علينا في أكثر من عمل درامي يتناول موضوعاً له علاقة بحاكم أو رئيس مصر في فترات تاريخية مختلفة، كما نرى في مسلسلات (السيدة الأولى، صديق العمر، سرايا عابدين)، الأمر الذي جذب أنظار المتابعين لهذه الأعمال؛ نظراً لفخامة وأصالة ديكورات هذه القصور التي يرجع تاريخ إنشاء عدد منها لأكثر من مئة عام، ما جعل البعض يظن أن هذه خطوة جيدة من صنّاع الدراما المصرية لإحياء وتنشيط السياحة مرة أخرى، بعد أن دخلت غرف الإنعاش والعنايات المركزة منذ اندلاع ثورة 25 يناير ولم تستطع الخروج منها حتى الآن، «أرى» والتفاصيل:
صديق العمر
ولعل أول مشاهد القصور الرئاسية في الأعمال الدرامية هذا العام أطلت علينا عبر بوابة مسلسل «صديق العمر» الذي يتناول علاقة الراحل المشير عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية ونائب رئيس الجمهور حتى 1967، والذي يجسد شخصيته الفنان المصري باسم سمرة، بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر والذي يلعب دوره الفنان السوري جمال سليمان، ويُشاركهما البطولة التونسية درة في دور الفنانة الراحلة برلنتي عبدالحميد «زوجة المشير»، والفنان صبري فواز مجسداً شخصية الكاتب محمد حسنين هيكل، إضافة إلى أمجد عابد في دور زكريا محيي الدين، وصبحي خليل في دور حسن الشافي، والمسلسل من تأليف السناريست الراحل ممدوح الليثي، وسيناريو وحوار محمد ناير، وإخراج عثمان أبو لبن.
وعلى الرغم من أن الشركة المنتجة للعمل لم تستطع أن تصور المشاهد الداخلية التي جمعت المشير بالرئيس داخل قصر جمال عبدالناصر ومكتبه؛ بسبب فشلهم في الحصول على الموافقات الأمنية، إلا أن مخرج العمل استطاع أن يتغلب على هذا المأزق بإقامة ديكورات ضخمة لمكتب الرئيس بالقصر الخاص به داخل حي جاردن سيتي بمدينة الإنتاج الإعلامي، في حين اعتمد بشكل رئيسي على قصر البارون في تصوير المشاهد الخارجية والتي تضمنت صالة ومدخل القصر.
واختيار «أبو لبن» جاء في محله؛ لأن القصر يُعد تحفة معمارية فريدة من نوعها على اعتبار أنه القصر الوحيد في العالم الذي لا تغيب عنه الشمس طوال النهار، وتم ذلك بتشييد قاعدته الخرسانية على رولمان بيلي تدور على عجلات بحيث يلف القصر بمن فيه (كل ساعة) ليرى الواقف في شرفته كل ما يدور حوله ويتبع الشمس في دورانها على مدار ساعات النهار.
السيدة الأولى
وعلى الرغم من إعجاب الجميع بمشاهد قصر القبة، والتي ظهرت في الحلقات الأولى من مسلسل «السيدة الأولى» والذي من المفترض أنه قصر الرئيس المصري في فترة تاريخية ما من عمر مصر، رفض صناع العمل تحديدها حتى لا يتهمون بأن المسلسل به إسقاطات سياسية على حياة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وزوجته سوزان مبارك، إلا أن الجميع سيفاجأ حينما يعلم أن مخرج العمل محمد بكير، تحايل على صعوبة التصوير داخل القصر بسبب تزامن تصوير حلقات العمل مع فترة الانتخابات الرئاسية المصرية التي أقيمت قبل شهر رمضان الكريم بشهر واحد فقط، ولم يستطع تصوير القصر سوى من الخارج فقط، واعتمد على استراحة الملك فاروق على كورنيش محافظة الأقصر لتصوير المشاهد الداخلية التي جمعت بطلة العمل غادة عبدالرازق والتي قامت بدور زوجة الرئيس الذي يجسد دوره الفنان ممدوح عبدالعليم.
ويشارك في بطولة العمل إلى جانب الرئيس وزوجته السوري باسل خياط وأحمد سلامة وأحمد صيام وعبير صبري وأحمد حاتم وريهام حجاج وأحمد فؤاد سليم وصبري عبدالمنعم وأنوشكا وتميم عبده وتهاني راشد وسامح الصريطي وسيد رجب، ومن تأليف عمرو الشامي وياسر عبدالمجيد، والجدير بالذكر أن بطلة العمل تقاضت 12 مليون جنيه أجر دورها بالمسلسل.
سرايا عابدين
وفي مفارقة غريبة بعض الشيء، وفي الوقت الذي لجأ بكير لتصوير «السيدة الأولى» بقصر القبة كما أشرنا سابقاً، والذي بناه الخديوي إسماعيل، وجدنا المخرج عمرو عرفة ابتعد تماماً عن التصوير في هذا القصر، ولم يسع حتى لتحقيق ذلك، على الرغم من أن مسلسل «سرايا عابدين» المعروض حالياً على شاشات الفضائيات يتناول فترة حكم الخديوي إسماعيل لمصر، عارضاً أبرز الملامح السياسية والاقتصادية لهذه الفترة، متناولاً علاقته الاجتماعية بوالدته الملكة خوشيار ونساء القصر اللاتي يحاولن جميعاً الفوز بقلبه ورضاه.
واستعان «عرفة» في تصوير مشاهد العمل بقصر الأمير محمد علي بالمنيل، الذي أُنشئ في مطلع القرن العشرين، وكذلك قصر عابدين، إضافة إلى قيامه بتصوير بعض المشاهد داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي واستراحة الخديوي بمرسى مطروح، والتي كان يذهب إليها دائماً في فترة الصيف.
والمسلسل شارك في بطولته مجموعة من كبار نجوم مصر والعرب على رأسهم قصي خولي الذي يجسد شخصية الخديوي، ويسرا التي تلعب دور والدته، إضافة إلى نيللي كريم وغادة عادل ونور في دور زوجاته، وكذلك داليا مصطفى ومي كساب، فضلاً عن المشاركة المتميزة لصلاح عبدالله ونبيل عيسى ويوسف فوزي والمراهقة منة عرفة، والعمل من تأليف الكاتبة الكويتية هبة مشاري، والمخرج عمرو عرفة، ومن إنتاج قنوات mbc.
الحتمية الدرامية
وفي ذلك الأمر، قالت الناقدة الفنية خيرية البشلاوي لـ«أرى»: إن القائمين على صناعة هذه المسلسلات لم يكن في نيتهم الأولى الترويج السياحي لهذه المناطق، وإنما لجؤوا للتصوير في هذه الأماكن بسبب الحتمية الدرامية التي فرضتها طبيعة الموضوعات التي تتناولها أعمالهم، موضحةً أن معظم هذا الأعمال المشار إليها تتناول حياة رؤساء وحكام مصر، وبالتالي من الطبيعي أن يتم تصوير أحداث العمل داخل القصور الرئاسية، لافتةً في الوقت ذاته إلى إعجابها بمنتجي هذه الأعمال الذين حرصوا على تصوير أعمالهم في القصور أو حتى الديكورات المشابهة لها، بعدما رفضت الجهات الأمنية إعطاءهم فرصة التصوير داخل بعض القصور المصرية.
وعما إذا كانت نجحت هذه المسلسلات في تنشيط السياحة المصرية مرة أخرى على غرار التجربة التركية بمسلسل «حريم السلطان»، رفضت «البشلاوي» المقارنة، مؤكدةً أن الدراما التركية تميزت في ذلك بصورة واضحة عن الذي يقدم في الدراما المصرية، موضحة أن الأمر يحتاج لمسلسلات عدة وليست بعض المشاهد للقصور الرئاسية من الداخل، مضيفة أنه وبالرغم من الأماكن السياحية والأثرية والتراثية التي تمتلكها مصر إلا أننا لم نستطيع حتى الآن أن نروّج للسياحة المصرية عبر الدراما بصفة خاصة، أو الأعمال الفنية بصفة عامة.
وبخصوص تعنت المؤسسات الحكومية في السماح للمخرجين بالتصوير داخل هذه المنشآت أثناء التحضير لهذه الأعمال، أوضحت الناقدة الفنية أنها لا تستطيع أن تلقي اللوم على الدولة في ذلك، مشيرةً إلى أن الدور الرئيسي لهذه الجهات هو الحفاظ على هذه المنشآت بالصورة التي شيدت بها، لذلك نجد الرفض الدائم من هذه الجهات للتصوير في هذه الأماكن الأثرية، خصوصاً أن عمليات التصوير تصاحب عادة بحالة من الهرج والمرج من كل فريق العمل من مصورين ومخرجين ومنتجين وممثلين.




