يسعى الكثير من الناس كرجال الأعمال، الساسة، الوزراء والرؤساء إلى تبوء مناصب مهمّة في الحياة ويعرّفهم الناس بأنّهم قادة أو زعماء المجتمع.

ولكن في الحقيقة قد لا تكون القيادة بتولّي مثل هذه المهام فقط، وقد تكون أنت، من يقرأ هذه السطور، قائداً دون أن تدري! يقول علماء النفس إنّ دور الرجل أو المرأة في استقرار العائلة، حل مشكلات زملائهم في فريق العمل أو نزاعات أصدقائهم، إلهامهم للآخرين، وتحريك الهمم الراكدة في نفوس من يتعاملون معهم، جميعها أدوار من القيادة يمارسونها بشكل عفوي من خلال تسيير شؤون حياتهم. لذلك يعتقد هؤلاء العلماء أنّ فهمنا للقيادة يحتاج إلى إعادة تعريف، إذ يؤكدون أنّ جميع الناس يمتلكون أسلوب «القيادة الفطريّة» وتبقى تأثيرات البيئة المحيطة والقدرة على تحمّل مسؤوليّة المرحلة هي العوامل التي تحسم صعودهم على سلّم القيادة أو بقاءهم في مكانهم.

وفي هذا المقال سنساعدك على التعرّف إلى ذاتك وأيّ شخصيّة قياديّة تمتلك بعبارات سهلة وواضحة، كي تطلق زعامتك من بين جنبيك وتنطلق على سلّم القيادة.

القيادة المشتركة
يفكر الناس في القيادة بالطريقة التقليدية عندما ينظرون إلى قادتنا السياسيين أو رجال الأعمال، ولكن التعريف الحديث للقيادة عند العلماء هو ما يعرف «بالقيادة المشتركة». ويشرحون ذلك بأنّ أي فعل يحصل من مجموعة تتكوّن من اثنين أو أكثر من الناس تقرّبهم من تحقيق أهدافهم المشتركة هو فعل من أفعال القيادة. وينصح هؤلاء الخبراء بعدم حصر مفهوم القيادة «بالبطولات» بل «بالإنجازات» المبنيّة على القرار الأنسب الذي يمكن أن يتخذه أيّ شخص ضمن المجموعة ليضمن فيه مصالح الجميع. كما يحذرون، أي علماء النفس، من هيمنة ثقافة مخدّرة تعتمد على مفهوم «الرجل الواحد» صاحب السلطة المطلقة الذي ينطلق من سؤال: «من أنت؟» واستبدالها بثقافة المجموع التي تنطلق من سؤال: «من أنا ضمن الفريق؟»، ولتعزيز هذه المفاهيم يشير الخبراء إلى ضرورة غرسها في مرحلة مبكرة من حياة الأطفال من خلال تشجيعهم على التعبير عن آرائهم وعدم توبيخهم بعبارات: «اجلس هناك»، «كن هادئاً»، «والدك يعرف مصلحتك»، وغيرها من العبارات التي تدفن في نفوسهم الثقة بالنفس وروح المبادرة. لذلك إذا كنت جزءاً من مجموعة وكلّفت بعمل مهم يجب إنجازه، فأنت في دائرة القيادة سواء كنت الزعيم أم لا. وفي الخلاصة يؤكد العلماء أنّنا بحاجة ماسة في وقتنا الراهن لقيادة حقيقية، لا تعتمد على ترديد الأفعال والأقوال كالببغاء بل تتخذ إجراءات ولو قليلة تساعدنا على الاقتراب من تحقيق أهدافنا المشتركة.

أربعة أنماط للقيادة
تقترح النظريّة الجديدة لعلماء النفس الغربيين أربعة أنماط للشخصيّات تندرج في دائرة القيادة وقد توجد عند الناس العاديين وهي «الشخصيّة الحالمة»، «الشخصيّة الإجرائيّة»،«الشخصيّة العمليّة» و«الشخصيّة الموجّهة». وتتمايز هذه الأنماط فيما بينها بعدّة صفات قد تكون بمجملها إيجابيّة مع وجود محاذير يجب التنبه لها في كلّ نوع. وفيما يلي عرض لهذه الأنماط مع شرح مبسّط عنها، يساعدك على معرفة أيّ نمط ينطبق على شخصيّتك وماذا يتوجّب عليك تصحيحه:

1 -  الشخصيّة الحالمة
يقول العلماء إنّ «الحالمين» أو ما يعرف بـ(Visionaries) يمتلكون الأفكار العظيمة الأقرب إلى المثاليّة، لذلك تشعر بالملل والإحباط بسرعة. ويجب على من يمتلك هذه الشخصيّة أن يحاول الاقتباس قليلاً من أصحاب «الشخصيّة الإجرائيّة» التي تنظر إلى التفاصيل ولا تكتفي بالفكرة العامّة. ويتميّز «الحالمون» بكثرة الكلام والرغبة في الحديث، ولكن دون أن يعرف الآخرون ما إذا كان حديثهم نوعاً من الثرثرة المستمرة أو هو عبارة عن سلسلة من التعليمات. لذلك يقوم الخبراء بتدريب هذه الشخصيّات، خصوصاً إذا كانت في موقع القرار أو الإدارة، أثناء الاجتماعات على رفع القلم عندما يتم إعطاء التعليمات للإيحاء بالجديّة والقصد، ووضعه على الطاولة عندما يكون الكلام فقط هدفه تبادل الأفكار. ويقول علماء التنمية البشريّة إنّ أفضل وسيلة لعلاج الحالمين هو الإهمال اللطيف، حيث توضع فكرتهم في ملف لفترة انتظار معرفة ما إذا كانوا سيذكرونها مرة أخرى. فإذا فعلوا ذلك، قد يكون من المهم أن تتحوّل إلى إجراءات وتوضع في الفعل.

هل أنت شخصيّة حالمة؟ ابحث عن هذه الصفات في نفسك
-     ممتلئ بالأفكار التي قد تصل إلى حدّ المثاليّة أو الخيال.
-     ترتاح للعمل في القضايا التي تعالج على المدى الطويل أو الاستراتيجية.
-     تتغذى وتحتاج إلى الكثير للتغيير والدخول في المخاطر حتى تثبت وجودها.
-     في كثير من الأحيان تمتلك الكاريزما ولا تبالي كثيراً بولاء فريق العمل.
-     تبدأ الأمور ولكن لا تنهيها.
-     تتأرجح في نشاطها بين فترات من الطاقة الناريّة وبين فتور بهدف إعادة الشحن.
-     يصيبها الملل من الدخول في التفاصيل.
-     ترعب في كثير من الأحيان بتأسيس عمل خاص مستقل بها كشركة أو تجارة.
-     تكمن خطورتها حين تصل إلى إتقان «إشعال الحرائق» (أيّ الدخول في الأعمال الكبيرة) دون تحقيق الكثير من الإنجازات.

2 - الشخصيّة الإجرائيّة
تسعى هذه الشخصيّة (Processors) إلى تقديم معالجات للأمور الإداريّة عن طريق إخراجها من دائرة الفوضى والتدرّج بتنفيذها. وتتناقض هذه الشخصيّة مع النمط التنفيذي (المذكور لاحقاً) الذي يحبّ تنمية الأعمال التجارية دون الالتزام بنظام وتخطي الحواجز. وتعتمد الشخصيّة الإجرائيّة في عملها على أسلوب التنمية الواسعة والتغيير ولكن بطريقة التكرار، والاتساق، الأمر الذي يتطلب وجود النظم والخطط المرحليّة. ولا تميل إلى الانتماء لشركة أو مشروع، بقدر ما تهتم بالعملية الموكلة لها. لذلك يمكن أن يشعر الشخص الإجرائي بأنّه ليس لاعباً في فريق. ويقول خبراء التنمية إنّ مجموعات العمل الضخمة بحاجة إلى وجود مثل هذه الشخصيّة في فريقها لأنّها تفرض نوعاً من الروتين الآمن، لا تستطيع الشخصيات «الحالمة» أو «التنفيذيّة» تقديمه فضلاً عن الالتزام به. وحتى لا يكون هناك اشتباك بين هذه الشخصيّات ينصح فريق العمل باستشعار أنّ مشاركة الجميع هي بمثابة قضية شخصية، وليس صراعاً للأدوار.

هل أنت شخصيّة إجرائيّة؟ ابحث عن هذه الصفات في نفسك
-     يستمتع بالنظم والإجراءات ولا يعرف العمل إذا فقدت.
-     ينفر من المخاطر والأمور المشكك بها.
-     يحب البيانات، ويتجنب القفزات التي تعتمد على الحدس والبديهة.
-     دقيق في عمله ويركز كثيراً على الفاعليّة والتكرار.
-     يفكر بطريقة منطقيّة.
-     يحب إدخال النظام إلى الفوضى في دائرة عمله.
-     لا يحب الغموض.
-     من مخاطر هذه الشخصيّة أنّ صاحبها يمكن أن يصبح بيروقراطياً تستهلكه النظم والإجراءات ولا يمكنه أن يحيد عنها.

3 - الشخصيّة العمليّة
أفضل نقاط قوةّ الشخصيّة العمليّة Operator's قوة المشغل هي أنّها تحصل على نتائج ما تقوم به من أشياء. لكن هذا النمط من الشخصيّات لا يحب الاجتماعات، وقد تبدو بمظهر القاسي والجشع خصوصاً في نظر بعض الأشخاص الذين يفسّرون، بطريقة غير صحيحة، رغبتهم الشديدة في تنفيذ الأمور. وينزعج الشخص العملي إذا حاول أحدهم الإفراط في وضع القيود حول عمله، فهو يستمع لما يجب القيام به ويحب تنفيذه بنفسه غالباً. لذلك تستمتع هذه الشخصيّة بالعمل في المشاريع الصغيرة، وبشكل وثيق مع الشخصيّة الحالمة. فعلى سبيل المثال، في مقهى محلي، يقوم الشخص صاحب النمط «الحالم» بالخروج ومصافحة العملاء والترحيب بهم، بينما يتأكد الشخص صاحب النمط «العملي» من أنّهم قد حصلوا على ما يريدون من طلبات وأيضاً من وجود ما يكفي من المنتجات لليوم التالي..

هل أنت شخصيّة عمليّة؟ ابحث عن هذه الصفات في نفسك:
-     يحرص أن تتحقق الأفكار ويختلق الأحداث كي يحرّك الركود.
-     يتميّز بالعمل الدؤوب والعملي.
-     يتغلب على العقبات ويرتجل الحلول.
-     يحب الاستماع لتوجيهات واضحة ويكره العمل في بيئة ضبابيّة.
-     يركز على مهمّته بشكل مكثف.
-     يفضل العمل ضمن نظرية أو فلسفة.
-     يعشق إكمال المشاريع وتحقيق رؤى الآخرين.
-     من المخاطر الموجودة لمثل هذه الشخصيّة أنّها معرّضة أكثر من غيرها للانشقاق والعمل الفردي.

4 - الشخصيّة الموجّهة
إذا كانت الشخصيّة «الحالمة» تهتم بما يجب القيام به، و«العمليّة» بتحقيق ذلك، و«الإجرائيّة» بكيفيّة تنفيذ ذلك، فإنّ الشخصيّة «الموجهة» (Synergist) هي التي تقرّر من الذي سيفعل ذلك؟ تعرف هذه الأنماط من الشخصيّات كيفية جعل الناس يعملون معاً بشكل جيد للحصول على أفضل النتائج كفريق. ولكن ما يعيب عليها أنّها يمكن أن تظهر أن ذلك العمل هو أجندتها الخاصة، مع أنّ هذه الشخصيّة تبدو للآخرين وكأنّها لا تفعل أي شيء في الواقع. بسبب هذا، فإنها تميل إلى الصدام مع الآخرين، وخصوصاً الشخص «الإجرائي». لذلك ينبغي على الشخص «الموجه» أن يتعّلّم إخضاع رغباته وتنفيذ التزاماته عندما يجتمع مع «الإجرائي» و«العملي» في فريق واحد. فعلى سبيل المثال، قد يصرّ الشخص «الحالم» على الدعوة إلى عقد اجتماع عاجل في 09:00 صباحاً (فكل شيء هو عاجل بالنسبة إلى الحالم)، ثم يوافق «الموجّه» ويحدّد مكان اللقاء ويأتي متأخراً نحو 20 دقيقة بحجّة التنزّه. لذلك مع مرور الوقت قد يفقد الشخص «الموجّه» مصداقيّته إذا لم يتعوّد الالتزام بما ينصح به الآخرين في الفريق.


هل أنت شخصيّة موجّهة؟ ابحث عن هذه الصفات في نفسك
-     غير أناني يركز على ما هو أفضل للفريق، بدل التركيز على ما هو أفضل له.
-     بالنسبة لباقي الشخصيّات هو الأكثر حبّاً للانفصال والتنظير من بعيد.
-     القيادة الفطريّة معدومة في نفسه بل يتعلّم كيفيّة أن يكون موجّهاً بعكس باقي الشخصيّات.
-     من مخاطر هذه الشخصيّة الدلال والكسل إذا ما تعوّدت التوجيه دون إبداء جهد واضح.