وجوه كثيرة تفتقد أصواتها، تبحث عمّن يتحدث بلسان حالها بأمانة، هنا يبدأ دور الكاتب والمؤرخ السويدي شيل إسبمارك، الذي يأخذ على عاتقه الحديث بلغات ليس بالسهولة أن تتخطى حواجز الآذان، والوصول إلى القلوب.
الأكاديمي المخضرم، عضو لجنة نوبل للآداب، يتحدث بتلقائية استثنائية عن علاقة شغف تجمعه بالأدب العربي، فهو الذي لا يقرأ العربية، يعرف الكثير من كتابها ويحتفظ بكتبهم بلغتهم الأم.
بين عوالم النقد والشعر والرواية، مساحات شاسعة يقطعها إسبمارك في حديثه إلينا، مستعيداً بين سطر وآخر مفهوم النسيان الذي لا ينساه.
«أنا كاتب ثلاثي الأهواء، أقرض الشعر وأكتب الرواية، كما أنني أختص بالنقد الأدبي، لذا كتبت العديد من الكتب حوله. يزيد عدد كتبي على 40 في مختلف أجناس الأدب» هكذا يعرف شيل نوعية نتاجه الأدبي، ولا يجد تناقضاً وإنما الكثير من التقارب بين ما يكتبه، ويتابع شارحاً هذا التقارب: «هنالك تقارب كبير بين الشعر والرواية اللذين أكتبهما، فكل رواية من العشر اللاتي كتبتها، بدأت بقصيدة، ومن ثم توسعت هذه القصيدة حتّى كونت الرواية الحقيقية التي تلازمها. وفي الوقت ذاته، قصائدي التي أنظمها، فيها لمسة روائية لأن معظمها تتحدث عن الإنسان، ما يجعل تطورها الطبيعي إلى رواية أمر منطقي».
يتحدث عن رواياته، ويقول: «تتحدث بمعظمها حول المشكلات المجتمعية الأساسية، لذا فهي ببساطة محاكاةً للواقع. قمت بكتابة سلسلة من الروايات تحت اسم The Age of Oblivion واخترت الاسم من منطلق إيماني بأننا نعيش عالماً يتم فيه ضخ تيار من المعلومات إلينا، بأسلوب مقصود.
وفي زخم هذه المعلومات، ليس من السهل الاحتفاظ بما نريد الاحتفاظ به، فقد لاحظ الكثير من الكتاب حول العالم أن ما نعيشه الآن، ما هو إلا حالة من فقدان الذاكرة؛ شأن غور فيدال الكاتب الأميركي الذي يسمي بلده (ولايات النسيان المتحدة)».
يؤكد إسبمارك على أن الأفكار الشاملة المتضمنة في الأدب، لا بد أن تلاقي جمهوراً أينما حلت في أرجاء الأرض، ويضيف: «في كل رواية من تلك الروايات، تكون البطولة لشخصية شاملة، بمعنى أنه يمكن ربطها بأشخاص ووجوه حقيقين، كالسياسي والصحفي والممثل وما إلى ذلك، وقد تمّ ترجمة كل روايات المجموعة أخيراً، ونشرت في الصين، ما يعني أن الأفكار التي تخاطب المشاكل والقضايا الإنسانية، هي أفكار عالمية، على الرغم من أن كتابتي عنها تنطلق من وجهة نظر سويدية».
الدرب اللبنية
لطالما وجد إسبمارك في العلاقات التي تجمع الناس ببعضها البعض المصدر الغني لعديد الأفكار التي يتغنى بها في رواياته وشعره، والذي يقول عنه: «سميت أفضل مجموعة شعرية لدي (الدرب اللبنية)، وهو اسم المجرة التي نعيش فيها، وأطلق هذا الاسم على تلك المجموعة لأن فيها مجرة من الناس من مختلف الأعمار والأجناس قادمون ليوجهوا لك الكلام، لفترة بسيطة، كي ينقلوا إليك همومهم. في الولايات المتحدة، الدرب اللبنية أو «Milky Way» هو اسم حلوى أيضاً، لذا عندما ترجمت المجموعة، اختير لها اسم آخر، ألا وهو (أعرني صوتك)، لأنني قمت من خلال مقاطعي الشعرية بمنح صوتي لأولئك الأشخاص غير القادرين عن التعبير عن أنفسهم. وهذا هو المفهوم الأساسي الذي أعتمده في كل كتاباتي؛ أعير صوتي لمختلف الأشخاص».
نظرة إلى النقد
لا يعير إسبمارك، مقالات النقد التي تتعرض لأعماله كثيراً، أي اهتمام، ويبرر ذلك بقوله: «إذا سمعتم بالوصايا العشر، أنا أضفت إليها الوصية الحادية عشر، ألا وهي؛ لا تأخذ نفسك على محمل الجد بشكل زائد عن حده، ولا تأخذ المقالات النقدية بالحسبان أيضاً. هذا لا يعني ألا أقرأ أياً منها، بل إني أقوم بذلك بعد نشر الكتاب مباشرةً، وسرعان ما أنسى ما كتب ولا أعود لأفكر به، فباعتقادي ما يقوم به الناقد هو وصف أسلوبه الخاص في إعادة كتابة ما قمت به، الأمر غير المهم بالنسبة لي».
دور المرأة
نشأ إسبمارك في محيط نسائي، إلى جانب والدته وإخوته، وكان هذا منطلق علاقة كتاباته بالمرأة، ويشرح ذلك بقوله: «تحتل المرأة مساحة واسعة مما أقوم بإنتاجه، والسبب في ذلك برأيي هو المجتمع الذي كنت أعيش فيه من ناحية، وحقيقة أنني لطالما أحببت دراسة الأشخاص الذين يمرون في حياتي، أي أنني أمنحهم الوقت، علًي أجد فيهم ما يمكنني الحديث عنه، أو إعادة إنتاجه في كتاباتي، وهذا هو سبب حضور المرأة على صفحاتي».
عن نوبل!
كونه عضواً في لجنة نوبل للآداب، فلا بد لإسبمارك أن يقرأ قرابة 200 عمل سنوياً، كي يتمكن ترشيح القائمة القصيرة، وتقديمها لأكاديمية نوبل، ويقول: «لا مشكلة لدي في القراءة إطلاقاً، ولكن عملي في أكاديمية نوبل غالباً ما يستهلك كل وقت القراءة الخاص بي، إذ الاطلاع على ذلك العدد الهائل من الأعمال ليس بالأمر السهل، ومن ثم المقارنة بينها، واستخلاص الأفضل منها في قائمة قصيرة يتم اختيار الأعمال أو الأسماء الفائزة سنوياً على أساسها».
على الرفوف!
يحتفظ كل كاتب ببعض الكتب التي قد يفاجئنا وجودها على رفوفه، ولا يشذ إسبمارك عن هذه القاعدة، ويشرح ذلك بقوله: «على الرغم من أني لا أقرأ اللغة العربية، فإني أحتفظ ببعض الكتب المكتوبة بالعربية، لأنني شغوف بالأدب العربي، الذي أقراه مترجماً إلى الفرنسية أو الألمانية أو الإنكليزية. وقد التقيت الشاعر السوري أدونيس على سبيل المثال عدة مرات في السويد وإسبانيا، وقرأ لي بعضاً من شعره الذي أحب، بسبب الموسيقى والشغف الذي أجدها فيه».
الوصية الحادية عشر
مصطلح أطلقه رونالد ريغان أثناء حملته الانتخابية لولاية كاليفورنيا العام 1966، وفيه يقول: «لا تتحدث على أصدقائك الجمهوريين بأسلوب سيء»، وهو قد استوحى ريغان هذه الوصية من الوصايا العشر في التراث اليهودي المسيحي، وباتت مفهوماً يستخدمه رجال السياسة والأدب لأفعال يفضلونها أو لا يفضلونها.

