الغيرة بين الزوجين من المشاعر الفطرية التي تشبه التوابل في الطعام، تمنحه مذاقاً ونكهة محببة، لكن ما إن تتحول الغيرة إلى شك، يسكن القلوب ويعشش فيها، حتى يتحول إلى طعنة غائرة تهدد العلاقة الزوجية في مقتل.. سواء كان الشك من جانب الزوج أم من جانب الزوجة.. وحول أسباب الشك القاتل خاصة من جانب الزوج وطرق علاجه يُحدثنا عدد من خبراء علم النفس والاجتماع، وإليكم التفاصيل..
«زوجي شكاك بشكل مرضي».. هكذا بدأت نسرين في سرد تجربتها، موضحة: دائماً يفتش في هاتفي المحمول ويسألني عن أي شخص اتصل بي، بل يقوم بإعادة الاتصال بهذا الشخص ليتأكد من صدق كلامي، ودائماً أجده يراقب تصرفاتي، وحينما نخرج إلى أي مكان عام، إذا حدث أن نظر لي أحد مصادفة يتهمني بأنني أعرفه وعلى علاقة به، وكثيراً ما حدثت مشاحنات وصلت للعراك اللفظي والجسدي بين زوجي وبين أشخاص عابرين نقابلهم في الأماكن العامة لا لشيء إلا لشكه في أن أحدهم ينظر إلي باهتمام أو نحو ذلك.. حتى أصبحت الحياة جحيماً لا يطاق، ولم أعد أستطيع تحمل هذا الوضع.
وأضافت: سبق أن قررت الطلاق عدة مرات وطلبت منه ذلك لكن سرعان ما يعدني بأن حاله سيتغير؛ مبرراً تصرفاته بأنها من قبيل شدة حبه لي، وما يمر إلا أيام حتى يعود لطبعه دون جدوى.
المرأة والفضائيات
أما ليلى فترى أن الزوجة هي المسؤول الأول عن إثارة شك زوجها بسبب تصرفاتها، فقد تخرج دون علمه أو تتعمد إثارة غيرته من شخص معين، وقد يحدث أن تتمادى في استخدام الهاتف أو الإنترنت، الأمر الذي يثير شكوكه حول الأشخاص التي تطيل الحديث معهم، كما أن ما تقدمه الفضائيات من صورة ذهنية سلبية عن المرأة وتكريس مفهوم المرأة الخائنة لدى كثير من الرجال وراء رسوخ هذه الصور السلبية في أذهان الأزواج، فمازالت كثير من الأعمال الدرامية تتفنن في تشويه الصورة الأخلاقية للمرأة لتدور جميعاً في إطار الزوجة التي تخدع زوجها.. كما أن انتشار المقاطع الإباحية لزوجات يخن أزواجهن جعلت كل الرجال يشكون في أدنى تصرف.
انعدام ثقة
من جانبه، يوضح وليد عبد المنعم أن الغيرة أمر محبب بين الزوجين خاصة من الزوج الذي تعتبر الغيرة إحدى الطرق الدالة على حبه لها وخوفه عليها، وهو أمر مطلوب في هذا الزمن، إلا أن الغيرة التي أقصدها هي الغيرة الوسطية التي تمثل التوابل للعلاقة الزوجية، أما الغيرة المرضية والتي تتحول إلى مرض شك في كل من حوله، فأعتبرها مرضاً نفسياً في حاجة إلى العلاج، كما أنها تدل في المقام الأول على عدم ثقة الشخص في نفسه سواء رجلاً أو امرأة.
أُفكّر في الطلاق
وتحكي منى تجربتها قائلة: تزوجت منذ فترة قصيرة، وأتذكر في بداياتها أن زوجي كان يراقبني في كل تصرف أقوم به ويحاول إبعادي بكل الطرق عن الآخرين، فتوقعت أنه حب زائد، لكن بمجرد أن أثنى زميلي في الشركة التي نعمل بها أنا وزوجي على أخلاقي وتصرفاتي انقلبت الغيرة إلى شك لا يحتمل، فبدأ يراقبني بكل تصرفاتي، وتطور الأمر لمشادات كلامية اتهمني فيها بالخيانة بعد سلسلة من الشتائم والضرب المبرح حتى أصبحت الحياة معه لا تطاق، وإلى الآن لا يستطيع التوقف عن الاستجوابات اليومية بعد أن تركت العمل لتهدأ الأمور بيننا! حتى أنني أُفكّر في طلب الطلاق.
خبرات سيئة
إلى ذلك، توضح د.أمينة كاظم أستاذ علم النفس التربوي أن شك الزوج يمكن تقسيمه إلى نوعين، أولهما طبيعي يظهر نتيجة إثارة الزوجة لمشاعر غيرة وشك زوجها سواء بقصد أو بدون، كأن تطيل الحديث في التليفون وحينما يسألها عن المتحدث تذكر شخصاً يعلم فيما بعد انه شخص آخر، أو أن تخرج دون علمه أو تذهب إلى مكان ولا تخبره بحقيقة هذا المكان لأي سبب من الأسباب، فبشكل عام الكذب وعدم الوضوح من الطبيعي يولدان الشك في صدر هذا الرجل، لذلك على الزوجة أن تتجنب وضع نفسها في أي موقف شبهات حتى وإن كان الأمر بحسن نية حفاظاً على منزلها واستقراره.
أما النوع الآخر والذي يُسمى بالمرضي، فيعتمد على وهم يقوم الزوج برسمه في خياله ثم الاقتناع به، بل ومهاجمة الزوجة واتهامها بالخيانة دون أن تقوم بأي فعل يسيء إليها أو يثير شكه، وهذا النوع من الشك يستوجب العلاج لأنه نابع من شخص مريض نفسياً، ويعود في أغلب الأحوال إلى تجارب طفولية وشبابية سيئة أفقدته الثقة في كل من حوله وخاصة النساء، فهناك من الرجال الذين عرفوا نساء سيئات تجدهم لا يثقون بسهولة في أي امرأة وهو ما يعود إلى خطأ كبير في التربية.
وبشكل عام ترى كاظم أن تصرف الزوجة إزاء هذا الشك يختلف من امرأة إلى أخرى، ويتحدد وفقاً لعدد من الأمور، فهناك من الزوجات من لا تطيق هذه الحياة ولا تجد مفراً من طلب الطلاق، وهناك من تتضرر من هذه الحياة لكن تتقبلها لوجود أطفال أو لاحتياجها المادي لهذا الزوج، خاصة إذا كانت ربة منزل وليس لديها أي مصدر دخل آخر.
غيرة المرأة
أما د.فاطمة الشناوي خبيرة العلاقات الزوجية والأسرية واستشارية الطب النفسي فترى أن الغيرة بين الأزواج من الأمور الطبيعية والصحيحة والدالة على صحة العلاقة الزوجية، وتكون أكثر اشتعالاً في السنوات الأولى من الزواج، حيث يكون الزوجان في عمر الشباب وما تتسم به هذه المرحلة من ثورية وفوران مقارنة بسن النضوج أو بعد مرور سنوات عدة من الزواج، حيث يكونا الطرفان أكثر هدوءاً واتزاناً.
أما بخصوص الغيرة المرضية، فلا ترتبط بعمر محدد، وإن كانت مع تقدم العمر تزداد غيرة الزوجة مقارنة بالرجل الذي يُصبح أكثر هدوءاً ونضجاً، لخوفها المستمر من فكرة الفتاة الصغيرة التي قد تخطف زوجها؛ نظراً لما قد يعانيه من مراهقة متأخرة مع تقدم العمر به.
ظنون وافتراءات
وأخيراً، يوضح د.محمد المهدي استشاري الطب النفسي، الشك بأنه إحدى سمات الشخصية الإنسانية، حيث يطلق في علم النفس الشخصية الارتيابية أو الوسوسة، وتتسم بالشك وعدم الثقة بالآخر سواء كان زوجاً أو زوجة أو صديقاً أو ابناً، وبالنسبة لشك الزوج، فتزداد حدته حينما تتوافر الظروف الملائمة والمهيأة لتوليد هذه المشاعر بداخله، وغالباً من يتصف بهذه الصفة يصعب عليه إخفاؤها أو إنكارها فتجد كل أفعاله وتصرفاته تفضح أمره، حتى وإن كان يتعمد إخفاءها.
ويضيف أن هذا الشخص غالباً ما يصعب علاجه أو إقناعه بمحاولة التخلي عن هذه الصفة، بل تتسبب له دائماً في كثير من المشكلات والأزمات مع كل من حوله، وغالباً ما تقوم على افتراءات وأوهام تستوطن خياله دون وجود أي أدلة حقيقية على خيانة زوجته.
ويتابع المهدي أن الزوجة قد تكون بدون قصد سبباً في إثارة غيرة زوجها، وسرعان ما تتحول إلى شعور بالشك في سلوكياتها، فقد تكون من الشخصيات التي تستمتع بإعجاب الآخرين أو دائماً تتطلع إلى الاستعراض بإظهار جمالها أو محاسنها، وهو ما يزيد من قابلية الزوج نحو افتراض الظن السيئ وبالتالي الشك.
وينصح المهدي، الزوج الشكاك بضرورة التيقن والتروي والتأكد من خطأ الآخر قبل إصدار أي أحكام أو اتهامات جزافية، كما أن الحل لهذه الصفة هو العلاج النفسي لأنه يُعتبر مرضاً يحتاج إلى زيارة طبيب نفسي.
