عند التفكير بمحطات المترو، لاسيما أثناء زيارة أولى المدن التي تم ابتكار وسيلة النقل هذه فيها، لندن العام 1863، يتراءى لنا أن على المحطة أن تكون داكنة، يسير فيها رجال ونساء وأطفال أحياناً، كلهم على عجلة من أمرهم، إما بقصد التخلص من الرائحة غير اللطيفة التي تعم في مختلف محطات مترو أوروبا، وإما لحاجة الوصول السريع إلى وجهة أي كانت باستخدام واحدة من أرخص وسائل النقل.
هذه الصورة بالذات، هي التي حرصت دبي منذ إطلاقها مشروع «مترو دبي» العام 2006 على عدم عكسها، من خلال تقديم تجربة جديدة ومختلفة، تقلب مفاهيم هذه المحطات، وآخرها تحويل العديد منها إلى وجهات ثقافية.
6 محطات و137 مليون راكب
وقعت «هيئة دبي للثقافة والفنون» مذكرة تفاهم مع هيئة الطرق والمواصلات لتحويل ست من محطات مترو دبي إلى متاحف لعرض الأعمال والإبداعات الفنية والثقافية، إذ يمرّ عبر هذه المحطات أكثر من 137 مليون زائر سنوياً، وتهدف هذه المبادرة لإيجاد متاحف دائمة تكون جزءاً رئيساً من أسلوب الحياة، وتجربة التنقل في دبي، ولنقل التحف والإبداعات الفنية والثقافية والجمالية والتاريخية في المجالات كل لتصل للناس بدل أن يصلوا إليها، وليستمتعوا بها جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
ستقوم هيئة الطرق المواصلات بتنفيذ وتجهيز البنية التحتية الخاصة بالمحطات، وتنفيذ التصميم الداخلي والمحتويات، فيما تتولى «هيئة دبي للثقافة والفنون»، تحديد متطلبات البنية التحتية من طاقة كهربائية وتهوية ونظم معلومات، وكذلك التصميم الداخلي وتطوير محتويات المتحف، وتجهيز مستندات تنفيذ التصميم الداخلي وتطوير محتويات المتحف، إضافة إلى تحديد وتجهيز الأعمال الفنية، ووضع خطة لتحديث محتويات ومعروضات المتحف.
قضبان وفنون
وسيختلف نوع ونمط المتحف في كل محطة، إذ سيتم تحويل محطة برجمان إلى متحف الموسيقى والآداب، ومحطة أبراج الإمارات إلى متحف الزخارف والمخطوطات الإسلامية، ومحطة المركز المالي إلى متحف المسكوكات الإسلامية، ومحطة برج خليفة/ دبي مول إلى مكتبة إلكترونية، ومحطة الخليج التجاري إلى متحف للصور الفوتوغرافية، وستحتضن محطة بنك نور متحف الفن المعاصر، الذي يقدم نظرة فريدة، وشاملة للفن للحديث.
أرض الإبداع
«تنسجم مذكرة التفاهم هذه في مضمونها وأهدافها مع مساعي الهيئة الرامية إلى تطوير المشهد الإبداعي في الإمارة، عبر تفعيل تواصل مختلف شرائح الجمهور مع الحراك الفني المتنامي في دبي لتصبح المدينة بكل أرجائها منطلقاً لعرض أروع الإبداعات الفنية»، يقول معالي عبد الرحمن العويس وزير الصحة ورئيس مجلس إدارة هيئة دبي للثقافة والفنون.
من جانبه يقول مطر الطاير رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للهيئة: «سيضيف المشروع عنصر جذب لركاب مترو دبي، وبعداً جمالياً لمحطات المترو المصممة في الأساس تحفة معمارية فريدة يمتاز بها مترو دبي، وتسهم في تحقيق أحد الأهداف الاستراتيجية للهيئة، وهو زيادة عدد ركاب وسائل النقل الجماعي، كما تسهم المبادرة في إيصال الرسالة السامية للفن باعتباره لغة عالمية في التواصل بين الحضارات والشعوب».
والجدير بالذكر أن هذه المبادرة ليست الأولى من نوعها، فإن ريادتها تتمثل بفكرة تحويل محطات المترو إلى متاحف حقيقية، إذ استخدمت مدن شأن أثينا وبروكسل وليل ولشبونة مفهوماً أبسط لتزيين محطات المترو الموجودة فيها، وجعلها وجهات ثقافية، إما من خلال عرض أعمال فنية مميزة في أرجاء المحطة، وإما عبر إدخال عنصر ثقافي على تصميم المعماري بتعاون فنانين تشكيليين مع مهندسي العمارة القائمين على تلك إنجاز تلك المحطات.
فنون «إعمار»
لطالما كانت «إعمار العقارية» سباقة في مجال عرض الأعمال الفنية بالأماكن العامة، لتعزيزه تماشياً مع توجه دبي في تعزيز مبادئ التعبير الإبداعي، وعن هذا الموضوع ومشروح متاحف مترو دبي، يقول أحمد المطروشي، العضو المنتدب لإعمار العقارية:
«يمثل الفن جزءاً لا يتجزأ من تراثنا العريق، وهو ما يتجسد في عدد من أهم وأكبر إنجازاتنا وفي مقدمتها «برج خليفة»، أطول مبنى في العالم، الذي يستقي تصاميمه من المدارس الهندسية والمعمارية الإسلامية المتجذرة عبر التاريخ.
وانطلاقاً من الدور الذي تلعبه الشركة في تعهد الأعمال الفنية ودعم مختلف أساليب التعبير الإبداعي، فإن «إعمار» ماضية قدماً في بذل كل جهد ممكن لتعزيز الوعي العام واهتمام مختلف شرائح المجتمع بمفاهيم الفن في المناطق العامة. وبفضل الدعم الذي تحظى به مشروعات الفن في المناطق العامة بدبي من قبل مبادرات سبّاقة مثل «موسم دبي الفني»، ما يتيح للجمهور التفاعل بشكل مباشر مع المشهد الفني المحلي، ما أثمر عن بروز العديد من المشاريع الفنية المحلية التي تستحق المتابعة والتقدير.
ونحن على ثقة بأن مشروع متحف مترو دبي سيمثل منطلقاً استثنائياً لتسليط الضوء على المواهب الإبداعية المميزة التي تحتضنها المدينة، إضافة إلى التعريف بالحراك الفني المزدهر في دبي».
محطات متميزة
تترك الأعمال الفنية، أو العمارة المتميزة لمسة مبهجة على محطات المترو، فهي من ناحية تبعث الإلهام والتفكير الإبداعي في عقول من يتنقلون إلى جانبها يومياً، إضافة إلى أنها تشكل مقاصد سياحية تجذب الزوار، فالظلال اللونية الاستثنائية، والفنون بمختلف أنواعها توجه الناس بشكل مشرق، لاسيما في البلدان التي ترتفع فيها نسبة الثقافة، وهنالك دلائل تقول، إن الأعمال الفنية الموضوعة في الأماكن العامة، تقلل من نسبة التخريب، نظراً للاحترام الذي تفرضه.
في ما يلي نستعرض مجموعة من المدن ذات المحطات الأكثر تميزاً ثقافياً حول العالم:
أثينا
تنتشر في العديد من محطات المترو بالعاصمة اليونانية أعمال فنية، ومعروضات تاريخية تعود للحقب الإغريقية، وقد تجاوزت ذلك المحطات الحديثة، إذ إن تصميمها تم على أنها متاحف فقط، شأن محطة «سينتاغما» المفتتحة عام 2000، التي تم تصميم القاعة العلوية الكبرى فيها، وتجهيزها لعرض قطع وجداريات أثرية.
بروكسل
تسعى المدينة لتفعيل البصمة الثقافية بمختلف محطات المترو الموجودة فيها، شأن محطة Comte De Flandre، التي تعرض عملاً معلقاً، يظهر أجساماً طائرة أبدعها الفنان بول فان هويدونك، أو محطة Kruidtuin التي تعرض عملاً نحتياً اسمه «الأوديسة» من إبداع مارتن غاياكس.
هانوفر
قامت شركة Uestra المشغلة لخط مترو مدينة هانوفر بدعوة مجموعة من أشهر الفنانين والمصممين في العالم، ليحسنوا من شكل نظام النقل العام. ونتج عن هذا المبادرة قيام جاسبر موريسون بوضع تصميم جديد للقطارات العام 1997، في حين أعاد فرانك أوغيري تصميم المبنى الرئيس للشركة إلى الشكل المكعب، وقام ماسيمو لوسا غيني بالرسم على جدران محطة Kröpcke العام 2000.
هونغ كونغ
لا تظهر الأعمال الفنية بوضوح كبير في مترو هونغ كونغ، إلا أن هنالك مبادرة تحت اسم «الفن في المحطة»، بدأت تبعث روحاً فنياً متميزة في محطات المترو منذ العام 1998، ويحتفي خط مترو الجزيرة بالعديد من محطاته بمساحات كبيرة، يتم فيها تنظيم معارض مفتوحة، وعروض فنية حية، شأن محطةTsing Yi، وفيها عمل فني يحمل اسم «طيور من ريش» للفنان نيل داوسون.
لشبونة
تتضمن كل محطات المترو بمدينة لشبونة أعمالاً فنية معاصرة، ولكن غالباً ما يكون للبورسلان البرتغالي وظيفةً ما في قلب هذه الأعمال الفنية، بغاية تسويق ثقافة وتراث المدينة، فمحطة Olaias على سبيل المثال، تحتوي في طابقها العلوي سقفاً فنياً قام بتصميمه المعماري العالمي توما تافييرا بمشاركة مجموعة من الفنانين، ومحطات أخرى يكون للأعمال الفنية فيها موضوع واحد، كمحطة Parque التي تحتفي بإنجازات المكتشفين البرتغاليين.
لوس أنجلوس
خصصت المدينة نسبة نصف في المئة من تكلفة تجهيز محطات المترو لتقديم أعمال فنية أصيلة، وشارك فيها أكثر من 250 فناناً معروفاً. وتتوزع هذه الأعمال الفنية بشكل أساسي بين الخطين الأحمر والبنفسجي لمترو لوس أنجلوس، إلا أن بعضها يتواجد في المحطات الأخرى، ففي محطة Hollywood/Highland على سبيل المثال هنالك أعمال نفذتها الفنانة شيلا كلاين، في حين تحتوي محطة Hollywood/Vine على معدات تصوير أصيلة تعود للعام 1930 احتفاءً بتاريخ هوليوود.
تراث عالمي
تحتفي العاصمة الهنغارية بودابست بأول خط مترو في القارة الأوروبية، الخط الأول، الذي يعرف باسم «فولدالاتي» أو خط الألفية، تم إدراجه ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي سنة 2001، وتم أيضاً تحديث العديد من محطات هذا الخط وخطوط أخرى، وباتت مقصداً أساسياً لسياح العاصمة الهنغارية.
تحديات
يشكل عبور قرابة 136 مليون زائر سنوياً في محطات مترو دبي تحدياً حقيقياً للحفاظ على المعروضات الفنية، لا سيما أن بعضها سيحوي مخطوطات ومسكوكات إسلامية، لا تقدر بثمن، فعلى الرغم من شبه انعدام المشكلات الأمنية في محطات مترو دبي، إذا ما قارناها بحوادث النشل وسرقة الحقائب، وأحياناً الجرائم في مختلف أماكن العالم، فإن المعروضات غالية الثمن، وذات القيمة الثقافية العالية، تتطلب تجهيزات حماية وأمن مضاعفة للحفاظ عليها، شأن زيادة عدد كاميرات المراقبة، واستخدام أنظمة الإنذار الآني، والاستعانة بعدد أكبر من رجال الأمن في المحطات التي توضع فيها التحف. وزيادة على ذلك، يمكن الاستفادة من تجارب الولايات المتحدة وكندا، حيث تم تخصيص أقسام شرطة عملها الوحيد تنظيم الأمن في خطوط ومحطات المترو.
فنون للعامة
نظم مركز مرايا للفنون بالشارقة، العديد من المعارض الفنية في الأماكن العامة، شأن تجربة حديقة المجاز، وعن هذه التجربة وتحدياتها يقول مدير المركز جوزيبي موسكاتيلو: «أطلقنا» حديقة مرايا للفنون« قبل عام ونصف العام تقريباً، والهدف منها عرض الأعمال الفنية في مساحة مفتوحة بواجهة المجاز المائية، بغاية توسيع أفق اطلاع العامة على الفنون بمختلف أنواعها. وواجهتنا ولا تزال تواجهنا العديد من التحديات التي نعمل على تجاوزها خطوة بخطوة. على سبيل المثال، ليس من السهل مراقبة زوار المعارض العامة بالمقارنة مع تلك المغلقة، لذا فنحن نضاعف عدد رجال الأمن، ونستخدم أنظمة مراقبة، ويبقى حاضراً مع الفريق الأمني مشرفٌ من مركزنا لإدارة المساحة العامة.
وبالنسبة للقائمة الناظمة لهذه المعارض، ارتأينا أن يكون أحد العاملين من الفريق الإبداعي في المركز حاضراً دائماً خلال فترات الزيارة، ليساعد الناس على فهم قيمة هذه الأعمال الفنية، وبالتالي التوعية بغاية الحفاظ عليها؛ أي أننا نستخدم أسلوب تسويق الأهمية الفنية والثقافية لهذه المعارض، من أجل تلافي أي حوادث تخريب قد تنتج عن جهل الأشخاص بماهية الأعمال المعروضة».






