يؤكد علماء التربية على أنّ التشاجر بين الأشقاء أمر طبيعي، ولكن عندما يستمر القتال قد يحتاج الأهل إلى مد يد العون. وبمجرّد وجود شقيقان في المنزل ستنشأ مباشرةً احتمالات التنافس والصراع، حتى أنّ الأهل سيشعرون في معظم الأيام أنّهم أشبه بالحكم من كونهم أحد الوالدين.
معارك لا نهاية لها يخوضها الأشقاء فيما بينهم تحت عناوين منها: «من يحصل على ماذا؟» و «من الذي يحصل عليه أولاً» وجميعها يمكن أن تكون بمثابة اختبار لصبر الأهل. كما يمكن لصرخات مثل: «أنت لست عادلة» و «أنت تحبيه أكثر مني»، أن تبعث في نفسك الإحباط والحزن خصوصاً عندما تري وتسمعي مهاجمة أطفالك لبعضهم البعض لفظياً، أو ما هو أسوأ من ذلك، جسدياً. وماذا ستفعلين حينما يبدو أطفالك أكثر عزماً على القتال فيما بينهم من الحصول على التقارب والألفة؟ وكيف يمكن أن تقومي، دون أن يلاحظوا، بتحويل المشاحنات بينهم إلى ود ومحبّة. في هذا المقال سنتناول بعض نصائح خبراء تربية الأطفال حول أفضل السبل للتعامل مع صراع الأخوة.
ما خلف التنافس
يقول الخبراء إنّ معظم الشجارات بين الأشقاء تعود إلى الغيرة، التنافس والحاجة إلى تقاسم المكتسبات؛ والحقيقة أنّ معظم الأطفال يحبون إخوتهم أو أخواتهم ولكنّهم يخوضون معهم منافسة شرسة على رعاية الوالدين والتقديمات. وتبين البحوث أن الأشقاء تحت سن الخامسة يتشاجرون مرة واحدة جسديّاً أو لفظيّا كل ستة إلى 10 دقائق أي حوالي 50 مرّة في اليوم، وأنّ التنافس يصبح أكثر صعوبةً مع التقدم في السن، وخصوصاً عند دخول المدرسة. وتستمر مثل هذه الشجارات، التي لا تخرج بالضرورة عن نطاق الطفولة، لتأخذ منحى آخر أكثر خطورة في سن المراهقة «حين تصبح التفاعلات بين الأشقاء المراهقين أكثر تقلباً واشتعالاً».
وفي هذا السياق يقول الدكتور فيرونيكا هاريس عالم النفس السريري والمقيم في سيدني: «الفتيان والفتيات في عمر المراهقة هم أكثر تصلّباً وعناداً، لذلك قد يطوّر الأشقاء وجهات اتجاه بعهم البعض تؤدي إلى مشادات ومشاجرات عند أصغر مشكلة ويسهل توجيه الإساءات بينهم». وفي هذه المرحلة يقول الخبراء إنّ التنافس يأتي من مسألة (هل أنا مهتم أو مهتمّة بما فيه الكفاية بنفسي؟) وفي محاولة للتأكد من هذا السؤال يقارن المراهق نفسه بأشقائه.
عوامل تشعل المنافسة
هناك بعض العوامل التي يمكن أن تجعل التنافس بين الأشقاء أكثر وضوحاً ووجوداً، منها:
1. التقارب في السن: بين الأشقاء يزيد في رغبتهم انتزاع حقوقهم والمطالبة بها. ويقول الخبراء إنّ وجود فجوة عمريّة من 1 - 3 سنوات بين الأشقاء تظهر التنافس والمشاكل بسبب ضيق نقطة زاوية المقارنة بينهم، ولأنّهم يخضعون على الأغلب لنفس التعامل من قبل والديهم، وحتى نفس الحدود والقيود الملقاة عليهم. إنّ هذه الأمور مجتمعةً سوف تجعل مصالحهم عادةً ما تتداخل جدا، فتنشأ المزيد من الفرص التي تؤدي لإزعاج بعضهم البعض.
2. وجود شقيق مراهق: قد يصبح الصراع ضارياً بين الأشقاء مع وجود فجوة كبيرة في السن، خصوصاً بين شقيق في عمر المراهقة مثلاً وآخر قبل هذا العمر. ويقول الخبراء إنّ هذا العامل قد يستمر في تفجير الصراعات لأنّ سن المراهقة سيعطي المراهق دور الشرطي المنضبط جدّاً أمام شقيقه الأصغر، فهو الذي ينبغي أن يسمح له فعل الأمور أو عدم القيام بها. ويمكن أيضاً أن يظهر الشقيق المراهق الضيق من والديه ويحملهما مسؤوليّة ترك شقيقه الأصغر يفعل ما يريد دون حساب، فينقلب ذلك إلى توتر ومضايقة لهذا الشقيق المستضعف.
3. وجود أشقاء من نفس الجنس: يمكن للمنافسة أن تصبح أكثر شيوعاً بين الأشقاء من نفس الجنس. ويرجع خبراء التربية السبب إلى المقارنة الدائمة التي يمكن أن تحدث بينهما، وإلى المساحة الأوسع في تبادل ومشاركة الأشياء مثل غرفة النوم، الملابس والألعاب حيث يشعران بعدم وجود خصوصيّة شخصية أو هوية لهما فيضطران للمشاركة. وفي المقابل أشارت بعض الدراسات المغايرة إلى أن علاقات الأخوة من نفس الجنس، لا سيما العلاقات الأخ / الأخ قد تكون سبباً أكثر للتقارب، والاتصال والرفقة.
خطوة داخل الصراع
بعد ما تقدّم ماذا ستفعلين من أجل الحفاظ على السلام بين أولادك؟. في البداية تذكري بأنّ كل هذا التنافس والجدال بين الأشقاء هو في الأغلب أمر طبيعي لتعليم أطفالك المهارات الحياتية الهامة مثل حل النزاعات، التعاون وحل المشاكل.
ويؤكد الخبراء على هذه الفكرة بأنّ المفاوضات والطرق التي يستخدمها الأشقاء المتنافسين أو المتخاصمين كالوصول إلى حلول وسط أو ضمانات، هي الاستراتيجيات ذاتها التي سوف يستخدمونها لاحقاً في العالم الحقيقي عند التعامل مع الناس أو أثناء المواقف الصعبة. وفي المقابل يخشى بعض علماء النفس المتخصصين من تحوّل المنافسة بين الأشقاء من كونها جزء طبيعي من النمو إلى مواقف مستمرة ومتكرّرة تكثر فيها المشاكل والعداء المتبادل دون الوصول إلى حل.
ومن الأمور التي يجب التنبّه لها أنّ الشجار المستمر بين الأشقاء يمكن أن يكون له أيضاً عواقب أكثر خطورةً على جميع أفراد الأسرة، لأنّه يضعف الرابطة الأسريّة ويجعل الوالدين في توتّر شديد يؤثر على قراراتهم ويخلق مواقف تتجاوز مسألة عقاب الشقيقين إلى تهديد بناء الأسرة ككلّ. وقد يزداد الأمر سوءاً فتظهر أنماط من القطيعة بين الأشقاء في سن مبكرة يصعب التئامها فيما بعد.
الحل في الأسرة الموحدة
هذه بعض الخطوات العمليّة التي يمكنك اتباعها لمساعدة أطفالك على ترك النزاع والتشاحن:
1. لا تقارني بينهم: من الخطأ على الأهل والأم خصوصاً الوقوع في فخ المقارنة والتفوه بمثل هذه العبارات: «لماذا لا يمكنك أن تكوني مرتبة مثل أختك؟» أو «ليتك مثل أخيك ينفذ كلّ ما أطلب؟». ويقول الخبراء إنّنا عندما نفعل ذلك، ننمّي مشاعر الاستياء عند أحد الأولاد وندفعه إلى الشعور بالكره ولإحباط اتجاه شقيقه الآخر.
2. أعطي بعدل وليس بمساواة: إذ ينبغي أن يكون للأطفال من مختلف الأعمار متطلبات مختلفة حول السلوك والنوم، وما يسمح لهم القيام به وغير ذلك من خصوصيّة. وينبغي أن يملكون أيضاً بعض المتعلقات التي تبقى خارج حدود أشقائهم وبعض المساحة التي تشعرهم بالرعاية دون تمييز.
3. ابحثي عن السبب الحقيقي: لا يجب على الأم أن تغفل العوامل الخارجية إذا لاحظت بأنّ أحد أولادها يصارع أخوه بشكل مفرط، فقد يكون هذا السلوك مرتبط عنده بأوضاع مدرسيّة غير مستقرة، خلاف مع أصدقائه، عدم القدرة على إنشاء علاقات مع أصدقاء مقربين أو الخوف والقلق من الفشل.
4. احرصي على الأسرة المتينة: يقول علماء التربية إنّ البيئة الأسرية هي أمر إيجابي يبعث على السلام والوحدة بين أفراد العائلة ويمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في الوقاية من مشاكل الغيرة والتنافس بين مكوّناتها. لذلك يوصي الخبراء بزيادة مشاعر الفخر والحب من قبل الأهل اتجاه أولادهم وإنشاء العلاقات الحميمة معهم دون محاباة طرف على آخر، فذلك سينعكس حتماً بعلاقة أفضل فيما بينهم واضمحلال مشاعر الغيرة والتنافس في نفوسهم.
استراتيجيات مفيدة لكبح المنافسة بين الأشقاء
- إعطاء الوقت والاهتمام الفردي: يتعيّن على الأهل إعطاء كل طفل القليل من الوقت بشكل مستقل مع كلا الوالدين بشكل منتظم. ومن الممكن تقضية هذا الوقت في اللعب، الحديث أو القيام بشيء خاص.
- خلق أجواء وأوقات لجمع الأسرة: حيث يمكنكم القيام بأشياء ممتعة معاً، وتشجيع الشعور بالوحدة.
- لا تقفي في جانب واحد: بل على العكس قومي بإرشاد الولدين المتنازعين بغض النظر عمّن يملك الحق. وتأكدي من أنّ الأطفال يعرفون جيّداً أنك لن تسمحين لهم بالتصرّف بشكل سيئ تجاه بعضهم البعض.
- ادعمي خصوصيّتهم: فعندما يكون للأشقاء منافعهم الخاصة أو مهاراتهم التي يحبّون الاحتفاظ بها فإنّهم سيشعرون براحة أكبر وثقة تخفّف من الغيرة والتنافس فيما بينهم.
- درّبي أطفالك: بدلاً من أن تلعبي دور الحكم في حل نزاعاتهم. فمساعدتهم على إيجاد حلول لمشاكلهم التي تلبي احتياجاتهم على حد سواء هو أنفع وأكثر حكمة.
- ركزي على السلوك الإيجابي والتعاوني عند رؤيته: حيث يجب مكافأة الشقيقين حين يقضون وقتاً جيّداً فيما بينهما، أو يتعاونون في حل مشكلة تنشأ من اللعب وغيره. وتأكدي من أنهم يعرفون أنّك لاحظت ذلك السلوك الإيجابي وقمت بتشجيعهما على تكراره.
