منة عرفة، أحمد داش، كريم الأبنودي، وغيرهم)، أسماء أطفال بزغ نجمها في الأعمال الفنية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أفرد لهم المخرجون مساحات من أدوار البطولة في تلك الأعمال.
وبرغم أن الظاهرة ليست بالجديدة على السينما المصرية، فمنذ نشأتها اعتاد الجمهور على وجود الطفل النجم في هذه الأعمال بأدوار عادةً كانت لا تخرج عن تيمة معينة، متمثلة في الطفل سليط اللسان ذي الشخصية الكوميدية المرحة، كما في أفلام الطفلة فيروز وأحمد فرحات، مروراً بـ«الحفيد» و«أم العروسة».
لكن في وقتنا الحالي الأمر اختلف تماماً، إذ تحول الطفل ذو الدم الخفيف إلى «بلطجي وسارق»، وتحول مفتاح الكوميديا والبراءة الذي يخلق للبطل فرصة لإلقاء «الإفيهات» المضحكة، إلى «متحرش ذي هواجس جنسية»، كما تحول دور الطفل الذي يتلصص على أخيه صاحب اختراع «طاقية الإخفاء»، إلى دور الطفل الذي يتلصص على جسد هيفاء وهبي وهي تغيِّر ملابسها، كما حدث مع الطفل كريم الأبنودي في فيلم «حلاوة روح». 
تحذير
ولاقت تلك الظاهرة هجوماً كبيراً من قِبل المنظمات المعنية بالطفل، إذ أكد المجلس القومي للأمومة والطفولة أن انتشار هذه الأدوار بصورة كبيرة، من شأنه أن يؤثر في سلوكيات الطفل الذي يرى في هؤلاء الأطفال نجوماً له، ويُحاول دائماً محاكاتهم.
ورأى المجلس أن ذلك الأمر يعود بالضرر على كلٍّ من الطفل والمتلقي، فاتجاه الطفل إلى العمل بالفن في هذه السن، يحرمه من الكثير من مظاهر الحياة الطبيعية التي يعيشها أمثاله، كما من الوارد جداً أن يؤثر ذلك بشكل سلبي في شخصية الطفل نفسه، ويجعل منه إنساناً مغروراً أو متكبراً، مُحذراً من انتشار هذه الأدوار؛ لأن عواقبها على المجتمع ستكون وخيمة.
حرمان
وبسؤال الممثلة منة عرفة التي أدت الكثير من أدوار الطفولة، قالت لـ«أرى» إن الطفل في السينما المصرية أدواره محدودة، وعادة لا تتعدى دور الطفل المشاغب الشقي الذي يُحاول دائماً أن يوقع بطل العمل في المقالب.
وتابعت: «بالنسبة إلى أدوار أطفال الشوارع والمتحرشين، فإن المجتمع انتشرت به هذه الفئات، ومن الطبيعي أن تلجأ السينما إلى تجسيد هذه الشخصيات، حتى نقف على مشكلاتنا، ونحاول التوصل إلى حلول لها».
وعن واقعة اعتداء بعض الأفراد على الطفل كريم الأبنودي بطل فيلم «حلاوة روح»، بعد تجسيده لدور المتلصص الجنسي على جارته، أعربت «منة» عن تعاطفها مع الطفل، مؤكدة رفضها التام للاعتداء الذي وقع عليه، قائلة: «كريم ليس له ذنب في ذلك، فالدور الذي يؤديه هو الذي طلب منه أن يقوم بهذه الأفعال».
وأضافت منة أن اتجاهها إلى التمثيل وهي طفلة، أجبرها على الاستغناء عن كثير من الأشياء التي كان يعيشها أطفال جيلها، موضحة أن الطفل في ذلك الوقت لا يُطلب منه سوى المذاكرة والنجاح، في حين عندما يتجه إلى التمثيل يأخذ من وقته بصورة كبيرة، ما يؤثر في دراسته، وفي علاقته بأصدقائه، لكن في مقابل ذلك منحتني التجربة شهرة واسعة، إضافة إلى حب الناس الذي من الصعب الوصول إليه في أي مجال آخر.
وأشارت منة، إلى أن ذلك الأمر له تأثير إيجابي وسلبي في الوقت نفسه، فالإيجابي متمثل في أن العمل يُنمي لديه روح المسؤولية، كما أنه يُربي لديه القدرة على اتخاذ القرارات، في حين السلبي مُتمثل في وضعه تحت ضغوط نفسية مستمرة ناتجة عن مشكلات العمل.

دروس توعية
ومن جهته، قال الناقد السينمائي وليد سيف (رئيس قسم السينما بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون)، إن المجتمع المصري أصيب بحالة من عدم القدرة على الفصل بين ما يُقدَّم على شاشات السينمات والفضائيات وبين الواقع، فأصبح الخلط دائماً موجوداً بين الشخصية التي تقدم على الشاشة وبين شخصية الفنان الحقيقة، مطالباً الإعلام ومنظمات المجتمع بالعمل على توعية جميع فئات المجتمع بهذه الإشكالية.
وأكد الناقد السينمائي لـ«أرى» دعمه الكامل لتجارب الاستعانة بالأطفال كأبطال بالأعمال السينمائية، مطالباً بزيادتها أكثر من ذلك، حتى تكون قاعدة تتيح لنا الخروج بأكثر من تجربة ناجحة، قائلاً: «لا نستطيع أن ننهض بحال السينما المصرية، إلا لو أتحنا الفرصة أمام الجميع لزيادة التجارب المقدمة، حتى لو كانت تجارب ضعيفة تفتقر إلى الاحترافية، فالتعلم والنجاح لا يأتيان إلا بالمحاولات».
وتابع سيف أن المجلس القومي للطفولة والأمومة من حقه أن يعترض على الشكل الذي يظهر به الطفل المصري في السينما، لكن عليه في الوقت ذاته أن تكون لديه القدرة على استماع رأي المتخصصين في المجال الفني، مُطالباً بضرورة تفعيل سبل الحوار كافة، والمشاركة في بناء وجهات النظر، ورافضاً أن تتدخل أية جهة في عمل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وموضحاً أنه الجهة الوحيدة في مصر المنوط بها تقييم الأعمال الفنية، ما إذا كانت صالحة لعادات وتقاليد وقيم المجتمع، بما فيها قضايا الطفل ونفسيته أم لا.
الغرور
من جانبها، أكدت أستاذة الاجتماع بجامعة عين شمس الدكتورة ثرية عبدالجواد أن ظاهرة الاستعانة بالأطفال أبطالاً للأعمال السينمائية بصفة خاصة، أو الأعمال الفنية عامة، ظاهرة ليست بالجديدة على المجتمع المصري، وموجودة بكل دول العالم، مؤكدة أن ضررها نابع من طبيعة الأدوار التي بدأ صناع السينما يعطونها للأطفال، ومضيفة أن الأمر سيزداد خطورة إذا استمرت الاستعانة بهؤلاء الأطفال في أدوار من شأنها أن تضر بأخلاق الطفل، وتصدر له سلوكيات معينة حول فئة معينة بالأطفال، كأولاد الشوارع والمتحرشين.
وشددت على ضرورة التدقيق في طبيعة الأدوار التي يقدمها الأطفال في الأعمال الفنية، خاصة أن الأطفال دائماً ما ينظرون إلى الطفل النجم على أنه أسلوب حياة، ويجب تقليده في كل شيء، على أمل أن يصبحوا مثله في يوم من الأيام.
وعن تأثيرها في المجتمع، اختلفت أستاذة الاجتماع مع الناقد السينمائي، قائلةً إن هذه الظاهرة من شأنها أن تضر الطفل الذي يقدم هذه الأعمال، في حال لم يتم توجيهه بالشكل السليم من قبل عائلته، فبالطبع التعامل معه كنجم في سن صغيرة كهذه، سيربي لديه نوعاً من الشعور بالكبرياء والتعالي على زملائه.
لا تعليق
وفي حديثه مع «أرى»، رفض المخرج عثمان أبولبن التعليق على هذه الظاهرة، مؤكداً أنها قضية مطروحة الآن، فجَّرها الدور الذي قدمه الطفل كريم الأبنودي بفيلم «حلاوة روح»، موضحاً أنه ليس من شأنه التعليق على عمل زملائه المخرجين.
