يعتبر تلوث الهواء (Air pollution) سبباً مهمّاً للعديد من المشكلات الصحية المزمنة بما فيها الربو، التهاب الشعب الهوائية، وأمراض القلب والأوعية الدموية.
ولكن الدراسات الحديثة تكشف الآن أن السموم المحمولة جواً هي أيضاً السبب الرئيسي للسرطان!
فقد ذكر تقرير صادر أخيراً عن منظمة الصحة العالمية (WHO) أنّ 223 ألف حالة وفاة في جميع أنحاء العالم كانت بسبب سرطان الرئة الناتج عن تلوث الهواء. لذلك بعد مراجعة أكثر من ألف دراسة، صنّفت الوكالة الدولية لمنظمة الصحة العالمية للبحوث في مجال السرطان تلوث الهواء على أنه من «المسرطنات للبشر» وهو التصنيف نفسه لفئة دخان السجائر. وفي هذا التقرير، سنسلط الضوء على كيفيّة تلوث الهواء وماهيّة المواد المسرطنة ومدى تأثيرها على الصحّة.
القائمة السوداء للملوّثات
تتأثر جودة ونقاوة الهواء بالعديد من العوامل الكيميائية والفيزيائية والبيولوجية التي تدخل في الغلاف الجوي. وبهدف تحديد مدى خطورتها وتسهيل مراجعتها الدائمة وضعت المنظمات الصحيّة منذ بداية العقد السابع من القرن الماضي بعض القوائم والمعايير للملوّثات الجويّة المعروفة أطلقت عليها اسم (CACs). وتضم هذه القوائم مجموعة من ملوثات الهواء التي تسبب الضباب الدخاني، الأمطار الحمضية، وغيرها من المخاطر الصحية. وعادة ما يكون سببها الانبعاثات الناتجة عن الصناعة والتعدين والنقل وتوليد الكهرباء والزراعة. وفي معظم الحالات تكون المنتجات من احتراق الوقود الأحفوري أو العمليات الصناعية هي المشكلة الأساسيّة في التلوّث. وتشمل القوائم السوداء للملوّثات الجويّة مثلاً: الكبريت، أكاسيد النيتروجين والجسيمات الأولية، المركبات العضوية المتطايرة، الأمونيا، وأول أكسيد الكربون.
تأثير الملوّثات على الصحّة
يعتبر الخبراء أنّ من أخطر الآثار الصحية الناجمة عن مجموعة الملوّثات (CACs) هي قدرتها على التفاعل مع بعضها البعض لإحداث جزيئات الأوزون السامّة أو الجسيمات الثانوية (secondary particulate) التي تعتبر مؤشراً على سوء نوعية الهواء.
وقد تم ربط التعرض لهذه الملوّثات على المدى الطويل بأمراض الجهاز التنفسي كالربو، الانسداد الرئوي المزمن، مرض السكري، أمراض القلب والأوعية الدموية. كما أنّ التقلبات اليومية في الأوزون والجسيمات غالباً ما تؤدي إلى زيادة الدخول إلى المستشفيات وارتفاع حالات الوفاة.
غير أنّ الجديد في الأمر ما أثبته العلماء حديثاً من أنّ استنشاق هذه السموم يسبب أيضاً السرطان. وأشاروا إلى أنّ تلوث الهواء يتسبب في مشكلات صحيّة عدّة تلعب دور الممرات لتطور السرطان، بما في ذلك الإجهاد التأكسدي (يعكس اختلال التوازن بين تفاعل جزيئات الأكسجين في الهواء وقدرة الجسم على إزالة السموم أو إصلاح الأضرار الناتجة)، تلف الحمض النووي DNA الطفرات الجينيّة الخطيرة (gene mutation).
مشكلة الأوزون
يوجد الأوزون طبيعياً في طبقة الستراتوسفير ويتفكك بفعل ضوء الشمس إلى جزئي أوكسجين، وعندما يحدث تداخل لبعض المواد الملوّثة يحدث خللاً في الاتزان، إما بزيادة تركيز الأوزون أو بالعكس تحلل الأوزون من منطقة الستراتوسفير. ويلعب الأوزون (عندما يكون في طبقة الستراتسفور) دوراً مهمّاً في حمايتنا من الأشعة فوق البنفسجية الضارة. أمّا عند تواجده في طبقات الجو السفلى فإنّه يقلب الطقس إلى ضبابي دخاني، ويكون مسؤولاً عن العديد من الأضرار، خصوصاً في الجهاز التنفسي للإنسان. ولأنّ مستويات الأوزون في الطبقات العليا تتناقص يوماً بعد يوم (أدنى مستوى له عند شروق الشمس والفجر)، ينصح بالحد من التعرض للهواء في هذا الوقت ومحاولة جدولة الأنشطة والرياضة في الهواء الطلق خارج ساعات الذروة والتحقق من تقرير الطقس المحلي. وتبقى الغازات المنبعثة من عوادم السيارات وأدخنة المصانع المتهم الرئيسي في إلحاق الضرر بطبقة الأوزون وتسرّبه إلى الطبقات السفلى.
الجسيمات الخبيثة
يرجع العلماء خطورة التلوّث إلى وجود مواد في الهواء باتت تعرف بالجسيمات (Particulate matter) كمصطلح عالمي يعني مجموعة من الجسيمات المحمولة جواً والصغيرة بما يكفي من الحجم كي نتنفسها. وتكمن أهميّة خطرها في قدرتها على التغلغل إلى أعمق أنسجة الرئة نظراً لدقتها الشديدة، حيث يؤدي التعرض على المدى الطويل لهذه السموم الصغيرة إلى التهابات وظهور الكثير من الأمراض بما في ذلك سرطان الرئة. وإلى جانب هذه الجسيمات تشكل الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PA Hs) الشغل الشاغل حالياً للعلماء بسبب ارتباط هذه الملوّثات مباشرة بسرطان الرئة إذا تمّ التعرّض لها بشكل طويل الأمد. وتنتج هذه المواد عن الاحتراق غير الكامل للمواد العضوية، والمواد القائمة على الكربون بما في ذلك الوقود الأحفوري. أمّا في الماضي، فكانت المصادر الأولية منها تنتج عن الأحداث الطبيعية مثل حرائق الغابات، والانفجارات البركانية. ولكن اليوم يعد النشاط البشري، ولا سيما استخدام المركبات، المسؤول عن معظم وجود الـ (PA Hs) في الغلاف الجوي.
عقّم رئتيك يوميّاً
يرتفع الخطر في الإصابة بأمراض التلّوث في المدن المكتظة بالسكان والبيئات الصناعيّة، لذلك ننصحك بما يلي كي تبقي رئتيك نظيفتين:
- ركّز على تناول بعض المواد المغذية الموجودة في الأطعمة أو المكملات الغذائية التي تلعب دوراً في الوقاية من السرطان مثل N-Acetyl-Cysteine. كما هو الحال دائماً، تحدث إلى طبيبك الخاص قبل أخذ أيّ مكمل هذه المكمّلات.
- ارتبط استهلاك الأغذية الغنيّة بالصويا بوقاية مهمّة من سرطان الرئة.
- يعتقد أنّ الزعفران، الكركم، وبعض الكاروتينات الأخرى تمتلك آثاراً مهمّة في مقاومة السرطان antitumour.
- تحظى بعض الخضروات مثل القرنبيط، بوك تشوي، الملفوف بسمعة جيّدة في مكافحة السرطان نظراً لغناها بمركّبات الايزوثيوسيانيتس (isothiocyanates) الفعّالة.
- لمكملات الجلوكوزامين (Glucosamine) تأثيرات مضادة للالتهابات يمكن أن تحمي ضد الطفرات الجينيّة المرتبطة بظهور السرطان. وقد أثبتت مادّة البوليفينول (Polyphenols) الموجودة في الشاي الأخضر فاعليّتها في الحد من تلف الحمض النووي، وربما منع تكوين الأوعية الدموية (خطوة في نمو الخلايا السرطانية).
التنفّس بالأوكسجين
في عصر التلوّث بات من الضروري إعادة النظر حتى في كيفيّة التنفّس الصحيح والطريقة السليمة لإدخال الأوكسجين إلى أجسامنا. وقد وجد العلماء بأنّ هناك مادّة تسمى (DPG) هي التي تسمح بإطلاق سراح الأوكسجين من الهيموغلوبين في دمنا. وعدم وجود هذه المادّة يخفّض الأوكسجين في أنسجة الجسم ويعزز المرض. لذا ينصح الخبراء بإتقان طريقة التنفس العميق لزيادة مستويات الـ (DPG) في الجسم، ويمكن فعل ذلك بالشكل التالي:
1 . استنشق الهواء عن طريق الأنف لمدة 4 ثوان.
2 . احبس الهواء في صدرك واعدد في ذهنك حتى بلوغ الرقم 7.
3. عند العدد 8 أخرج الهواء من خلال الزفير بقوة بواسطة الشفتين. وهذا سيخلق الضغط الخلفي، ويجب أن تكون قادراً على سماع الهواء يخرج من فمك.
4- . كرر هذه الدورة 8 مرات، مرتين في اليوم لمدة ما مجموعه حوالي 5 دقائق.
5 . إذا كنت تشعر بدوار قلّل من عدد المرّات حتى تنضبط.
6- . تحلّى بالصبر لأن جسمك بحاجة لأسبوعين كي ينتج المزيد من (DPG).
7 اجعل هذه العملية الصحيّة جزءاً من نشاطك اليومي وتمتع بفوائد طويلة الأجل نتيجة لزيادة الأوكسجين في جسمك.
