لم تكتب الدراما الإماراتية بعد نصها التاريخي، كما أنها لم تقترب من التراث على النحو المطلوب، وما قدم في غالبه كان يقترب بحذر من التراث، كما لو أنه مقدساً، ومن الأعمال من فهم أصحابها مقاربة التراث استعارة مفردات المرحلة القديمة لتوظيفها في ديكور حكاية تصلح لكل زمان ومكان.

قليلة هي الأعمال التي استطاعت أن تفك رموز التراث درامياً، وتقدمه في قالب حكائي درامي دون لي ذراع الحكاية أو حشر الجانب التراثي فيها قسراً. رغم أنه ليس في الأمر أحجية، واللعبة الدرامية مع التراث هي أسهل ما يروج لها إذا ما توافر عاملان اثنان، هما التوثيق المحكم للمرحلة التي تدور فيها الحكاية، وفهم القائمين على صياغة الحكاية أن التراث ليس سوى ممارسة حياتية واقعية، ضمن شرطها الزماني والمكاني، وبالتالي، ليس مطلوباً أكثر من حكاية، تحترم شرطها الزماني والمكاني، لنقدم التراث درامياً كما يفترض، وعلى نحو يمكن اعتمادها لتوثيق العادات والتقاليد ونمط الحياة اليومية، وما يرتبط بها من أزياء وسواها.



مراجعة تاريخية
إذاً، تناول التراث، درامياً، يشترط زماناً ومكاناً محددين، وبالتالي، تبدو مسألة التوثيق ملحة، الأمر الذي يقتضي توافر ما يمكن تسميته بالمراجعة التاريخية للعمل من قبل مؤرخين ودراسي تراث، فضلاً عن الذاكرة الشفوية، وبتوافر هؤلاء لن يكون مطلوباً سوى صياغة حكاية درامية، لها خطوطها الدرامية المتعددة والمتشابكة، ضمن سياق البناء الدرامي المعتاد لأي مسلسل، على أن يكون التراث جزءاً من نسيج الحكاية، لا يبدو كخيط التطريز في ثوبها، وهنا، يكمن الفارق بين دراما تقدم التراث كجزء من ممارسة حياتية ضمن زمان ومكان محددين، وبالتالي، يبدي كتابها جهداً في البحث والتحري عن أدق التفاصيل، وبين دراما تقدم التراث ضمن إطار تزييني كصورة فوتغرافية.

الكاتب والمنتج محمد سعيد الضنحاني، أكد في حواره مع «أرى»، أن «الدراما التلفزيونية باتت مصدراً ومرجعاً يعتمده الناس، وبالتالي، ليس مقبولاً من أي عمل أن يقارب التراث بخفة، دون بحث أو جهد توثيقي، فما تقدمه الدراما من التراث سيتعامل معه الناس بوصفه الواقع الذي كان، وهنا تكمن مسؤولية صناع الدراما الأخلاقية»، ويرى الضنحاني أن «التراث مثل التاريخ، كلاهما لا يحتملان الخفة عند تناولهما درامياً، الأمر الذي يستوجب الاعتماد على متخصصين بالتراث لتدقيق النص الدرامي وضبط المفردات التراثية فيه».
غنى الذاكرة
تجارب درامية عديدة للكاتب محمد سعيد الضنحاني عبر شركة «أرى الإمارات للإنتاج الإعلامي»، قدمت مقترحات درامية لمقاربة التراث في قالب درامي حكائي، لعل من أبرزها مسلسل «الغافة»، قصة وأشعار محمد سعيد الضنحاني، سيناريو وحوار فيصل جواد، إخراج شعلان الدباس.

في «الغافة» تجري أحداث المسلسل خلال منتصف القرن الفائت، ويسلط الضوء على ما اكتنف حياة الناس من المفارقات التي طبعت حياتهم بألوان شتى، وهم يتعرضون لأشد أزمة واجهتها الإنسانية جمعاء حينذاك، متمثلة بداء الجدري الذي فتك بالكثير من سكان القرية، ووسط هذا الجو المشحون بالموت والمغلف بالحزن، ستنضج قصة حب جميلة وقصص أخرى تحمل بمضمونها الكثير من الرسائل المجتمعية، وإلى جانب حكاياته هذه، سيتناول المسلسل مرحلة الأربعينيات من القرن الماضي، والأنساق القيمية والاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك.

فضلاً عن رصده الفلكلور والأزياء والأنماط المعيشية السائدة في تلك المرحلة، وبذلك، يبدي المسلسل محاولة لتوثيق مرحلة مهمة من مجتمع ما قبل النفط. كثير من تفاصيلها لم يعد لها وجود إلا في ذاكرة كبار السن الذين عايشوا تلك الحقبة، لذلك اهتم العمل بروايات هؤلاء عن فترة الأربعينيات من القرن الماضي، في نقل الأحداث، إضافةً إلى أخذ التاريخ من مصادره، بالإضافة إلى الاهتمام بأدق التفاصيل، فكان ما يميز مسلسل «الغافة»، غنى الذاكرة الشعبية المحلية بالكثير من الأحداث والقصص، أثرت العمل بتفاصيل مكانية، وقصص إنسانية، وأحداث يومية.

في مسلسل «القياضة» الذي عرض في شهر رمضان المبارك، نشهد انفتاحاً أكبر على التراث، حيث يستعين الكاتب محمد سعيد الضنحاني بمظهر تراثي أصيل، ليشكل البيئة الدرامية الحاضنة لحكاية عمله، يعرف بـ «أيام المقيض»، وهو ظاهرة كانت تشهدها البلاد في ستينيات القرن الفائت، حيث كانت تتوافد القبائل القادمة من مختلف إمارات الدولة، أثناء فترة الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة، إلى مدينة دبا الفجيرة المطلة على مياه الخليج العربي، لما تتمتع به من طقس معتدل، للإقامة فيها، فيما عرف بأيام المقيض، أو القياضة. فيما ينفتح المسلسل، ومنذ حلقته الأولى، على جزء من واقع حياة الإماراتيين في ستينيات القرن الفائت، حيث يخصص معظم المشاهد لبيئة شغلت بصراع إنساني مع ثورة الطبيعة، حين تهاجم القرية عاصفة ماطرة قوية تغرق البيوت والشوارع، وتسقط الأشجار، وتحيل البحر إلى جحيم يغتال أبناءه الصيادين، فيقلب سفينة من داهمتهم العاصفة وهم في عرض البحر، وتقتل الصيادين عليها، أما على البر، فستلاحق الكاميرا مشاهد أهل القرية وهم يواجهون العاصفة بمشاهد تحبس الأنفاس.

إذا ما أضفنا تفاصيل الحكاية السابقة إلى ديكورات القرية التراثية المتكاملة، التي احتضنت تصوير المسلسل، وضمت بيوتاً عديدة، وفق أسلوب البناء الإماراتي التقليدي، وسط أشجار كثيرة من النخيل، يجاورها مسجد وسوق وآبار ماء، وسعى المخرج سلوم حداد لتدب فيها حياة على نحو مشابه لما كانت عليه في الستينيات، فيمكن النظر إلى مسلسل «القياضة» بوصفه وثيقة بصرية تراثية للحياة الإماراتية في ستينيات القرن الفائت.

عن تجربة «القياضة» مع التراث درامياً، يقول الضنحاني: «بدأنا العمل مع مجموعة من الكتاب والباحثين والنقاد، وصولاً لتقديم عمل شديدة الخصوصية بالبيئة المحلية الإماراتية، ولكننا سعينا نحو المحافظة على الخط الفاصل بين تقديم حكاية درامية تعبق بروح الإمارات، وتراث الحياة فيها ما قبل خمسين عاماً من جهة، وبين تقديم صورة تراثية على خلفية درامية من جهة أخرى، لذلك اخترنا تقديم حكاية حب شكلت هي دراما العمل، فيما تركنا التراث والعادات ليشكل البيئة الحاضنة لحكاية الحب هذه»، ويشدد الضنحاني على قناعته بأن «الدراما اليوم كادت أن تكون ديوان العرب، لذلك وجدنا أنه لزاماً علينا أن ترتقي على صعيد المضمون والصورة لتكون كذلك، ولا سيما في أعمالنا التي تنطوي على جانب تراثي».



مقاربة شكلية
إلى جانب تلك الأعمال، كان من الممكن أن نتابع أعمالاً درامية إماراتية تدور أحداثها في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، ولكنها اختارت الابتعاد عن مقاربة التراث، فاختارت من المرحلة الزمنية إطارها العام المقتصر على الديكور والملابس، ولم تدخل في لعبة التوثيق الدرامي، كما كان الحال في مسلسلي «زمن اللول» و«وديمة وحليمة». وهما مسلسلان ينتميان إلى الدراما الكوميدية المحلية، ولعل في عدم مقاربتهما للتراث، إلا من الناحية الشكلانية، وعلى نحو محدود، يعود إلى ما يراه بعض صناع الدراما الخليجية، أنه جدية مقاربة التراث، تجعل من التعامل معه في العمل الكوميدي صعباً، وربما عاملاً منفراً للعمل، وبالتالي، هي تكتفي من التراث ما يكفي للإيهام بمرحلة العمل الزمنية.

بالتسليم بأهمية جدية التعامل مع التراث، لا بد من الإشارة هنا بالمقابل إلى غنى التراث بالمواقف والحكايات الطريفة التي يمكن توظيفها في أحداث العمل الكوميدي، فلا هي تبدو ثقيلة على العمل الكوميدي، ولا على المشاهد أيضاً، ولكنها في النهاية تقارب التراث على نحو ما، وبشكل توثيقي.

اليوم على مائدة الدراما المحلية الإماراتية أكثر من عمل درامي تراثي، لن نستبق عرضها بتقييم معالجتها لموضوعة التراث، وإنما سنسعى للانتظار، ونترك الحكم رهن العرض.