هي مزيج فريد من أشياء كثيرة، يتربع على عرشها جمال ناعم، وقوة شخصية تبدو حتى في تلك النظرة التي تطلقها كسهم يعرف تماماً أين يذهب، لها رؤيتها الخاصة جداً في الحياة، وصلبة كمحارب اعتاد الحروب، فصار يملك من الخطط والخبرة والتوقع ما يحقق له النصر، إلا أن تلك الصلابة لا تنتقص ولو «فيمتو» واحداً من رقتها وجديتها، وهي باختصار شديد عاشقة للفن والأسرة والوطن.

أمينة دسمال التي تنفرد أرى بتقديم سيرة حياتها الفنية والسينمائية في هذا اللقاء ،هي منتجة سينمائية إماراتية بمعنى الكلمة مهنياً وفنياً، تملك الكثير من مواصفات الإصرار والتحدي، درست التاريخ في الجامعات البريطانية، واستطاعت من خلال بعض الكورسات في مجال الإخراج والإنتاج والسيناريو، أن تحدد توجهها ورغبتها، وكونت شركة إنتاج «الكوف إنترتينمنت» مع زوجها المنتج البريطاني روبن فوكس، وخلال الأعوام الأخيرة التي شهدت حراك السينما في الإمارات، توسعت في نشاط شركتها ما بين (لوس أنجلوس ولندن ودبي)، وقدمت حتى الآن خمسة أفلام ناجحة غطت مختلف الأنواع على الصعيد العالمي.

وحصدت العديد من الجوائز والإشادات التي تلقتها في عالم السينما، ومن أهم تلك الأعمال: (Cochochi، The Caller، The Double)، ومع درايتها الكاملة بكل فنون صناعة السينما وعناصرها، عملت على جلب بعض الأفلام من هوليوود وأوروبا لتنفيذها في الإمارات، سواء من خلال التمويل أو التصوير في دبي وأبوظبي اللتين توسعتا كـ«لوكيشن» جاذب لصناع الأفلام، وفي العام 2009 اختارتها مجلة «أريبيان بيزنس» كأفضل سيدة أعمال في الدولة، ودخلت قائمة «فوربس» كواحدة من 50 سيدة أعمال هن الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط، وحول تلك المسيرة المثمرة، وتطلعات أمينة دسمال السينمائية في السنوات المقبلة، توقفت معها «أرى» في الحوار التالي، الذي رصد أدق تفاصيل أفكار المنتجة التي تسعى جاهدة لتمثيل بلادها، في مجال لايزال يبحث عن عناصر متفوقة تملك الخبرات، وتؤكد تميزه في الفن السابع.

رحلة مع الإنتاج
سيطرة نسائية إماراتية ظهرت في الآونة الأخيرة في غالبية الأفلام التي قدمتها المهرجانات السينمائية بالدولة، ورغم أن معظمها تركز في الإخراج، إلا أن محور الإنتاج من قبل الأيدي الناعمة يعتبر اختراقاً يستحق الانتباه والتأمل.

تقول أمينة دسمال: أنا دارسة للإنتاج والإخراج وكتابة السيناريو وكذلك التمثيل، إيماناً مني بأن المنتج الجيد لابد أن يكون على دراية كاملة بكل فنون الصناعة وعناصرها، فمنذ قراءة النص يمكن للمنتج الواعي أن يدرك أهميته، ويعرف مدى النجاح الذي من الممكن أن يحققه، وتحديد نوعية المخرج الذي يمكن أن ينفذه، ومن ثم تخيل التسويق الجيد له، أما بالنسبة لعالم الإخراج فهي مرحلة أدرسها حالياً وربما أقدم عليها مستقبلاً، وحالياً لدي قصص كثيرة لآخرين أريد تقديمها كمنتجة، أما الأفكار الخاصة بي فتحتاج إلى وقت ومجهود وخبرة طويلة كي أقدمها كمخرجة، وهذا ما أعمل عليه الآن وأتمنى أن أنجح فيه، خصوصاً أن رحلتي بدأت في الإنتاج منذ العام 2005 وقدمت خلالها 5 أفلام، استغرقني فيها اختيار النصوص السينمائية وطاقم العمل وكيفية تمويلها، لأنني أفكر في الفيلم كـ«بزنس» من عمليات الدعم إلى كيفية التسويق والحصول على إيرادات تغطي كلفته وتحقق أرباحاً تدفع إلى مواصلة المسيرة، وهي أمور ليست سهلة إطلاقاً وصعبة جداً في لوس أنجلوس ولندن، وعانيت في فيلمي الأول كثيراً وكذلك في أعمالي اللاحقة، وكانت كلها من أجل فيلم مهم جداً مازلت أحتفظ به في أدراج مكتبي، وأسعى إلى تنفيذه خلال الأعوام المقبلة، ولذلك أرى أن فكرة الإنتاج على المستوى المحلي والعربي مازالت مرتبكة وفيها لغط كثير، وتحتاج إلى تجارب وخبرات أكثر، وتحفيز لتحقيق تطور ملموس في صناعة الأفلام بالمنطقة الخليجية والعربية.

صعوبات وتحديات الأفلام
في السنوات الأخيرة، أنشئت صناديق لدعم الأفلام بالإمارات، ووجدت جهات ومؤسسات لتمويل صناعة السينما محلياً وعالمياً، وتحاول جذب أفلام لتصويرها بالدولة، وكلها سياسات ورؤى تحتاج إلى وقفة للدراسة والتحليل

بنظرة تأمل وتفكير تسترسل أمينة دسمال قائلة: رغم كوني إماراتية، إلا أن تمويل أفلامي يعتمد على مستثمرين من الخارج، وبعض الحكومات، مثل تجربتي مع الحكومة المكسيكية وبورتريكو، وصناديق لدعم الأفلام في بريطانيا، وكانت لي تجارب سابقة في جلب أفلام للتمويل من بعض الجهات والمؤسسات في الإمارات ولكنها لم تكتمل، لأنه ليس شرطاً في الدعم التصوير داخل البلد الذي يقوم بالتمويل، ومثلاً فيلم «المليونير المتشرد» تم تصويره كاملاً في الهند رغم أن تمويله بريطاني، ومن ثم لابد وأن يكون للحكومات توجهات واستراتيجيات للوصول إلى صيغ تناسب تمويل الأفلام بها، والمشكلة التي واجهتها هنا من «إيمجينيشن» و«دبي استوديو سيتي»، أهذا الحوار غير موجود لأن هناك دائماً ارتباكاً وارتياباً في كيفية قيام المنتج بتنفيذ القصة وعملها، ومثال على ذلك قدمت قصة في عام 2011 عن حياة البدو في الإمارات ولسبب ما لم يعط التمويل، وتم تصوير الفيلم في الأردن بعد حصوله على تمويل من هناك، وقمنا بتغيير في محتواه وتفاصيله، وبالتالي يجب أن تتغير وتختلف عقلية الذين يديرون هذا المجال، لتشهد الإمارات نهضة حقيقية سينمائياً، ويكفي أن أقول، إنه منذ عام 2006 وأنا أقدم مبادرات لدعم وتمويل أفلام هوليوودية من شركات كبيرة، ليست مشحونة بالسياسة، وليست مخلة بالآداب، وتحتاج فقط إلى دعم 50% فقط، ووصلت مفاوضاتي إلا أنه ليس شرطاً أن تصور في الإمارات، ورغم ذلك انتهت إلى طريق مسدود، مع أن بعضها بعد تنفيذها وعرضها حصل على الأوسكار والعديد من الجوائز ونالت تقديراً كبيراً من النقاد والجمهور.

مستقبل السينما الإماراتية
هذه دعوة لاستثمار علاقات ومصادر أمينة دسمال، وأن يتم تقييمها على أساس ما اكتسبته من خبرة خلال أفلامها ومبادراتها، وضرورة جذب مختلف الطاقات الشابة من أجل مستقبل صناعة السينما في الإمارات.

تعترف أمينة دسمال بأن هناك أسماء إماراتية كثيرة غيرها أسهمت في دفع حراك السينما بالدولة، وأبرزت أسماء مثل نايلة الخاجة، وعلي مصطفى، ونواف الجناحي، وأضافت قائلة: هؤلاء يعتبرون الأكثر نشاطاً وقاموا بمشاريع تستحق المشاهدة والمتابعة، وأتوقع ظهور الكثير من المواهب التي ستكتشف في القريب العاجل، لأن الإمارات مازالت في بداية الطريق السينمائي، ولأنني كنت أغلبية الوقت مشغولة بإنتاج أفلام ذات طابع عالمي، فقد قررت في الفترة الأخيرة ومن خلال مكتبي في الإمارات، الدخول في مشاريع عربية، وأبحث حالياً عن كتاب عرب قادرين على تقديم أفكار تصلح لتسويقها في كل أنحاء العالم، وهى نقطة بالغة الأهمية بالنسبة لي، فطيلة الوقت أعمل على أفلام عالمية، وأبحث دائماً عن الأفضل والمنافسة، وليس لدي استعداد لأن أنتج فيلماً إماراتياً لا يمكن تسويقه عالمياً، ويكتفي فقط بعرضه في المهرجانات، ولو نظرنا إلى الخليج أو الإمارات على وجه الخصوص، سنجد أن هناك محاولات جادة في دبي عبر مهرجانيها دبي والخليج السينمائيين، لاحتواء شباب المخرجين، سواء بدعم السيناريوهات وتمويل الأفلام، أو بتقديم الخبرة السينمائية لهم عبر الورش والدورات الفنية المتخصصة التي يقوم عليها مختصون لهم أسماؤهم المعروفة، ومن ثم آن الأوان للعمل والتنفيذ على وجود الأفلام الإماراتية التي تستطيع أن تنافس في شباك تذاكر صالات السينما.

سوق الأعمال العربية
تسويق الأفلام العربية وتحدياتها خارجياً، يبقى دائماً محوراً مهماً للحديث مع خبراء الإنتاج والتوزيع عالمياً، وهي معضلة تواجهها السينما العربية داخلياً وخارجياً في ظل هيمنة الأفلام الهوليوودية.

تؤكد أمينة دسمال أن تسويق الأفلام العربية عالمياً يحتاج إلى أن تنقل السينما القصص الحقيقية، وأن يتم دعم هذه الأفلام مالياً وأيضاً في سوق العرض التجاري، مشددة على أن الأمر يعتمد على انتقاء القصة الجيدة، ومقدرة المخرج على تقديمها لتصبح عملاً إنسانياً متميزاً يجذب الجمهور في كل مكان.

وتضيف قائلة: الطبيعي أن ننقل تجارب تسويق الأفلام الفرنسية والإسبانية إلي الأفلام العربية، وهناك قواعد ولوائح خاصة بتسويق الأفلام الأجنبية، وهناك أسواق في أوروبا وأميركا الشمالية يمكن أن يجد الفيلم العربي له مكاناً فيها، مع ضرورة التركيز على عرض تلك الأعمال في القنوات الفضائية الأجنبية للترويج لها، وخلق جمهور وصنع مساحة واسعة لعرضها مستقبلاً.

ملامح شخصية ومهنية
في وقفات سريعة رسمت أمينة دسمال ملامح حياتها الشخصية والمهنية، وتأثير رحلتها كمنتجة خلال تسعة أعوام مع السينما، ولخصت جملها الموجزة رؤيتها كشخصية نسائية احتلت مكانة بارزة في صناعة الأفلام.

ـ قالت أمينة: أعيش حالياً في لندن، وأتنقل بينها وبين دبي دائماً، ولدي ابنتان، ومحظوظة لأن شريكي في شركة الإنتاج هو شريكي في الحياة، ويتفهم طبيعة عملي الصعب، ويتيح لي الفرصة لتحقيق أحلامي الفنية والشخصية.
ـ أعتقد أن السينما هي أهم اللغات التي تصل الغرب بالشرق، وهو ما أحاول فعله من خلال فرعي شركتي «الكوف إنترتينمنت»، حيث أطرح دائماً أفكاراً جديدة يمكن للعالم من خلالها التعرف إلى الشرق، الذي مازال الكثيرون لا يعرفونه حق المعرفة، ويستقون المعلومات عنه من الجرائد ومواقع الإنترنت.
ـ «المزدوج» أهم الأفلام التي أنتجتها طوال مشواري الفني، وعموماً لا أشعر بالرضا التام عما قدمته، فأنا أستمر في التعلم أكثر مع كل إنتاج أقدمه من عام إلى آخر.
ـ سأحرص خلال السنوات المقبلة على مشاهدة الأفلام العربية، خصوصاً بعد ترشح ثلاثة أعمال منها في مسابقات مختلفة لجوائز الأوسكار هذا العام.
ـ أفلامي هي أولادي، ولا أندم على تلك الأعمال، ولكني لا أكرر التجارب السيئة منها مرتين، وأول فيلم لي لم يحقق نجاحاً في الإيرادات لكني غطيت كلفته.
ـ فيلم The Double، لم يعرض بعد في صالات السينما، وأتوقع نجاحاً كبيراً في إيراداته بعد تحقيقه العديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية المختلفة.