أرى تستمر في متابعة ملف العالمات العربيات المتفوقات والمؤثرات في الرأي الراي العام العربي من خلال أبحاثهن ، حيث تجد الدكتورة نهاد المصري في التفاعل مع الأطفال، الذين تكرس لسعادتهم رسالتها العلمية البحتة، فسحةً للخروج من الأوراق بغاية تحقيق الأهداف الحقيقية، وهي مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة للتفاعل مع المجتمع. هنالك أربعة أقسام في الكلية التي تدرس بها نهاد في الجامعة الأردنية؛ العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، والأطراف الاصطناعية والأجهزة المساعدة، وقسم علوم السمع والبصر.

وتتوسع نهاد في شرح عملها: «في قسم العلاج الطبيعي هنالك مختلف الاختصاصات شأن الأطفال والأعصاب والعظام، وشغفي ومجال اختصاصي هو كل ما يتعلق بالأطفال. فالمشروع الذي أقوم بتجهيزه ليس مركزاً على العمل المخبري؛ بالأحرى أعالج الأطفال الذين لديهم بعض الاحتياجات الخاصة الحركية، شأن الأطفال المصابين بالشلل الدماغي والذين يعانون مشاكل التنقل الحركية بمختلف أشكالها. هؤلاء الأطفال يحتاجون للعلاج الطبيعي على مدى العمر، وهذا جزءٌ من برنامج العلاج الذي يخضعون له، والهدف منه مساعدتهم بغاية الاندماج بالمجتمع كي يكونوا أعضاء فاعلين، من خلال الدعم الحركي وتوفير الأجهزة المساندة وتقديم طرق العلاج التي تساعد العضلات على أداء الوظائف الحركية بطريقة صحيحة».

تبتعد نهاد في عملها البحثي عن المجال النظري، محاولةً تطبيق ما تخلص إليه في مجال تفاعلي، إذ تقول: «أبحاثي تركز على نقل العلاج من المختبرات إلى المجتمع الذي يؤثر على مشاركة هؤلاء الأطفال في المدرسة أو المنزل بالآن ذاته. نظراً لأهمية هذه المشاركة هي الغاية والهدف، ومن الأمور التي أهتم بها هي كشف المعيقات وتبيان الطرق الأفضل للعلاج من خلال الممارسات الفيزيائية بالحياة اليومية، لذا فإن عملي لا ينحصر بالعضلة والمفصل، أنا أحاول عوضاً عن ذلك مساعدة الأطفال على تأدية وظائفهم الحياتية مركّزة بالأساس على البحوث».

مشروع مفصل
بالنسبة لدراسة المشروع المقدم لزمالة اليونيسكو ولوريال، تحدده نهاد بثلاث مراحل هي: «الأولى هي ترجمة أدوات القياس، والتي هي غير متوفرة بالعالم العربي، ومن الضروري توثيقها بالآن ذاته. والخطوة الثانية هي جمع البيانات للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة الحركية من مختلف الأماكن بالأردن، بغاية تشخيص الأمراض الحقيقية والتركيز عليها للعلاج بغاية تحقيق الأهداف. والخطوة الثالثة هي تقديم التوصيات لمزودي ومقدمي الخدمات من أطباء ومعالجين موضعيين وفيزيائيين والتأكيد على حضور هذه البحوث في المجتمعات وليس المختبرات».

تحد مختلف
بالنسبة لاختصاص علوم التأهيل في الأردن والبلدان العربية أيضاً، تقول نهاد إنه على الرغم من وجوده منذ ستينات القرن الفائت، فإنه كان محدوداً بمعهدٍ تدريبي يمنح مرتاديه شهادة دبلوم فقط. والتدريب كان يتم باستقطاب المختصين من بلدان متقدمة في المجال ذاته، شأن المملكة المتحدة وكندا. وتضيف متحدثةً عن التحدي الحقيقي: «التحدي لم يكن لكوني امرأة، فأغلب العاملات بهذا المجال، باستثناء الأطراف الصناعية، هم من النساء.

إذ هنالك 15 استاذاً مدرساً في الكلية، اثنان منهم فقط من الرجال. وكون هذا التخصص جديدا في الشرق الأوسط، فالتحدي هو توعية الناس والجهات الممولة تجاه هذا القطاع، لذا أعتبر أن الزمالة التي طرحتها (لوريال) للنساء في مجالات البحوث العلمية، سوف تزيد من مقدار معرفة الناس به، لأنه مجال متقدم في أوروبا والبلدان الغربية، وقد حان الوقت للجامعات في الشرق الأوسط أن تأخذ دورها الريادي به أيضاً».

تميّز المرأة
حول النقطة ذاتها المتعلقة بالدعم الذي تلقاه في الأردن، تضيف: «هنالك بعض مبادرات التمويل في الأردن، لأن المسؤولين عن هذا المجال يهتمون له، لاسيما أن الأردن هو بلد متواضع الإمكانيات، ومع هذا تقوم وزارة التعليم العالي بتقديم الدعم بقدر استطاعتها. لذا أحاول أن أحدد الصعوبة في الحصول على الدعم المادي ليس سببه أني امرأة، بالأحرى سببه أن التخصص الذي أعمل به جديد نسبياً بالمقارنة مع التخصصات الأخرى. وفي مجتمعنا العربي والإسلامي، لطالما كان للمرأة مكانة متقدمة في مجال العلم والطب، وأرى فيها قدرة أكبر على موازنة أولويات حياتها، نظراً لعديد المهمات التي تسأل عنها، فهي عندما يكون عليها أن تبذل جهداً ما تكون حريصة على أن يبذل هذا الجهد في مكانه، وأن يأتي بثماره أيضاً».

صعوبات
«أن أتمكن من إيجاد الوقت الكافي لكل مهمة، ولا أنجز مهمة على حساب أخرى، وإضافةً إلى ذلك أن أعطي نفسي حقها وأهلي وأولادي»، هذه هي الصعوبة الوحيدة التي تقول المصري إنها تواجهها، وتضيف: «إن أكثر ما يهمني هو ربط نتائج الأبحاث التي أقوم بها بالواقع، فإذا قمت ببحث ما، وخلصت إلى نتائج معينة يكون علي جهد إضافي إقناع أصحاب القرار بضرورة تطبيق هذه النتائج. برأيي الخاص، الباحثون العاملون في المخابر لا يواجهون المشاكل ذاتها، ولكن العمل مع أصحاب الإعاقات يتطلب توعية كبيرة يجب أن يخضع لها المجتمع بأكمله، ومنها على سبيل المثال إقناع الناس بأن من لديه إعاقة جسدية لا مشكلة لديه في العقل، وليس من الضروري أن يلتزم المنزل، فمن حقه أن يكون عضواً فاعلاً في المجتمع. هذا هو دور العلم؛ تغيير المصطلحات الدارجة، فمنظمة الصحة العالمية جاهدت على مدى 23 عاماً كي تلزم الجهات الرسمية العالمية بتغيير المصطلحات التي تستخدمها للإشارة للأشخاص ذوي الإعاقات، ونسمي هذا التحدي (ترجمة المعرفة)».

منارة أسريّة
بالنسبة للمصري، يختلف دور الشخصية ذات الفضل حسب المرحلة التي يمر بها الإنسان، وتقول: «مرشداي الرئيسيان هما والدي ووالدتي، اللذان استثمرا كثيراً بي وبإخوتي، وحرما نفسيهما الكثير من الأشياء بغاية إيصالنا إلى مكان مميز. وفي الجامعة، وجدت الإرشاد في أساتذتي الجامعيين، أما خلال فترة الدراسة خارج الأردن، فكان هنالك أساتذة الأشراف. ولكن إذا أردت أن أتحدث عن المرحلة التي أقوم فيها ببحوثي، فلا بد لي من الاعتراف بأن الأسر الذين لديهم أولاد من ذوي الاحتياجات الخاصة، أولئك من يشكلون المرشد الأساسي. في الكثير من الأحيان أكون متعبة، ولكن عندما أعمل مع طفل يعاني من مشكلة ما، وأجد البسمة على وجوه أسرته، والتقدير في أعينهم لما أقوم به، أشعر برغبة كبيرة في العمل والمتابعة لتأمين حياة أفضل لهؤلاء، لأنهم فعلاً يستحقونها».

مثل أعلى
«في الكثير من الأحيان أعتقد أن والدتي هي مثلي الأعلى، من ناحية القوة والترتيب والإصرار على النجاح في الحياة»، هكذا تصف نهاد والدتها التي شكلت لها مثلاً أعلى في مختلف النواحي الحياتية، وتتابع: «ولكن في مجال البحث، لم أعمل مع نساء في القطاع الذي أختص به، إلا أن المشرف على رسالة الدكتوراه خاصتي كان الشخصية الأكثر أهميةً بالنسبة لي، لا سيما أنه علمني الكثير عن الشغف تجاه البحث الذي أقوم به. ويجدر بي القول إنه أول سؤال وجهه لي (هل لديك شغف تجاه العلاج الفيزيائي للأطفال؟)، في تلك اللحظة لم أعرف بما أجيبه، ولكنني بعد كل هذه السنوات أعلم تماماً ما كان قصده، وأتكلم معه كلما شعرت ببعض الكآبة، أو كلما احتجت لبعض الدعم في حياتي».

غذاء روحي
إلى جانب العمل مع الأطفال، تمارس المصري بعض الهوايات، تقول: «أحب الموسيقى، أعزف القليل على البيانو إلا أنني لست محترفة، ولكن هذا هو الجزء الفني المميز في حياتي، أحب سماع الموسيقى الكلاسيكية للكثير من الشخصيات، كما تعجبني المسرحيات الموسيقية شأن تلك التي تعرض في (برودواي)، وأقدر فعلاً الأدب، القصص الكلاسيكية، لأنني أجد فيها غذاءً حقيقياً لروحي».