سلسلة العالمات والمبدعات الاماراتيات التي بدأت أرى بنشرها قبل فترة تستمر بالزخم ذاته ، وفي هذا العدد ، و بعيداً عن المختبرات التقليدية، والأساليب المُتبعة في عالم الكيمياء، تجد شيرين الفلاح، دكتورة الكيمياء بجامعة الخليل في فلسطين لنفسها فسحة من الإبداع مع تسخير أحدث التقنيات الإلكترونية لإجراء الاختبارات الكيميائية.

درست شيرين الكيمياء في جامعة الخليل بفلسطين، وانتقلت إلى برلين لمتابعة دراستها العليا، حيث نالت شهادة الدكتوراه في الكيمياء النظرية، وتتحدث بشغف عن الاختصاص الذي تناولته في دراستها وبحوثها قائلةً: «أعمل بمجال الكيمياء المحوسبة، حيث إن الاختبارات التي أقوم بها لا تطبق على المختبرات العادية، بالأحرى أعمل على أجهزة الحاسب فقط، إذ إن كل الاختبارات التي أقوم بها هي عبارة عن معادلات محوسبة، يتم تقدير نتائجها عبر برامج متخصصة على أجهزة الكمبيوتر.

فعوضاً عن إجراء الاختبار مئات المرات، يقتصر الأمر مع استخدام الحاسوب على ثلاث أو أربع مرات فقط. وفي أحيان أخرى، عوضاً عن استخدام حيوانات الاختبار، أو بشرة الأشخاص العاديين، أقوم بإجراء الاختبارات ذاتها عبر الحاسوب. وقد أثبت هذا المجال فاعلية كبيرة وهو نشط جداً في أوروبا الغربية، إلا أنّه لا يزال حديثاً في عالمنا العربي. ولهذه التطبيقات جوانب إيجابية كثيرة، أهمها التكلفة القليلة، فنحن في فلسطين على سبيل المثال نعاني من قلة الموارد، وعليه فإن الاختبارات التي لا تتطلب سوى حاسوب وبعض البرامج المتخصصة، وهذا يكفيني لعشرين عاماً تقريباً».

تفوق ذكوري
تعتقد شيرين أن المرأة في بعض الأحيان تتمتع بامتيازات إذا ما كانت عاملة في مجال البحث، وتقول: «هذه السياسة ليست حكراً على عالمنا العربي، إذ إن أعداد الرجال الذين يعملون في هذا المجال يفوق عدد النساء في مختلف أنحاء العالم، ما دفع الكثير من الهيئات إلى تشجيع المرأة، شأن مبادرة ماري كوري، المقدمة للباحثات النساء من ناحية، ومبادرة «لوريال» واحدة منها، هدفها تشجيع النساء على الخوض في هذا الغمار، لاسيما أنه كان هنالك وثائقيّ، تم بثه مؤخراً في بعض الدول الاسكندنافية يتحدث عن أن المرأة لا تهتم بالبحث ظناً منها أن الرجل قادر على هذا الأمر أكثر منها، في حين أن اعتقادي هو المساواة التامة، بالأحرى؛ أعتقد أن النساء تلفتهن التفاصيل أكثر من الرجال من ناحية، ولديهن الصبر على إعادة اختبار ما أكثر من الرجال. إلى جانب الدافع الشخصي لدى كل امرأة كي تثبت أنه لا فرق بينها وبين أي رجل، وفي عالمنا العربي على وجه الخصوص، حيث يتم تغيير هذه الفكرة تدريجيّاً».

الأكثر حظاً
على الرغم من إيمانها بالمساواة بين الرجل والمرأة، فإن شيرين تعتبر أن الرجال في مجتمعنا العربي أكثر حظاً، نظراً لعدم وجود المقيدات التقليدية، وتشرح هذا المفهوم بقولها: «من التحديات الأساسية التي تواجه أي شخص أثناء العمل في مجال البحوث، هي عدم قدرته على الخوض في غمار مهنته بنفسه، فعندما يقدم أحدنا على سبيل المثال بغاية الحصول على تمويل لإجراء بحث في مجال ما، تكون معايير التقديم هي البحوث التي قام بها كلّ من هذين الشخصين، ولكن في الكثير من الأحوال يكون الباحث في بداية مشواره، وتزداد الصعوبة لدى التقديم إلى جهات كبرى، حيث تكون التنافسية عالية على مستوى عالميّ. أما في العالم العربي، فلا زال لدينا بعض القيود، أياً كانت الشهادات التي تحملها المرأة، يبقى لديها بعض القيود التي تتيح للرجل فرصاً أكبر بالتناسب مع الحرية التي يمتلكها».

حوافز النجاح
تختلف محفزات النجاح بشكر مرحلي حسب رأي شيرين، لاسيما أن النجاح الحقيقي لا يمكن تحقيقه بسهولة، «لا أتوقع لأي أمر في حياة الإنسان أن يتم بسهولة تامة، لابد أن يكون هنالك بعض الصعوبات، وحياة المرأة الباحثة في المجال العلمي ليست استثناءً في هذا المجال، فلولا وجود الشغف لدى كل منا فيما يقوم به، لن يكون قادراً على متابعة الطريق إلى النهاية؛ وبالتالي تحقيق النجاح. ولكن أريد أن أضيف أن هذا الشغف الذي هو المحفز الأساسي، نحن من نقوم بإيجاده في أنفسنا، نبحث عنه من ناحية، ومن ثم نقوم بدعمه وتقويته بغاية تحقيق مرادنا، إلا أن نبوعه من داخلنا هو أمر لا مساومة عليه، فإن لم تكن مؤمناً بما تقوم به، لن تكون قادراً على مواجهة العالم وإقناعهم بقناعاتك الخاصة».

على طريق ماري كوري
تُشكّل سير الشخصيات للناجحين في مجال العلم من مختلف الأزمان والأرجاء مصدر إلهام لشيرين، وتسمو هذه السير لتترك تأثيراً إيجابياً على حياتها حسب قولها: «أعتقد أنه كان لقصة حياة ماري كوري التأثير الكبير على حياتي بشكل عام، فأنا أعتبرها مصدر إلهام بالنسبة لي. ففي الكثير من الأحيان تواجهنا بعض المحن أو الأوقات الصعبة، ومنها عندما قيل لي في الجامعة التي أدرس بها إن تخصصي جديد وغير معروف، وبالتالي علي ألا أفكر بتدريسه بالجامعة، وبالأحرى البحث عن اختصاص آخر لأقوم بتدريسه، إلا أنني واجهت هذا الموقف وتمكنت من تحقيق غايتي في إقناع الناس به. أحب أن أقرأ السير الذاتية لشخصيات ناجحة، شأن ألبرت أينشتاين وماري كوري. هؤلاء لم يقف النجاح بانتظارهم، بالأحرى هم جاهدوا حتى يتمكنوا من تحقيقه، ما يجعلني أفكر أنه من العادي ألا يفهم الناس طريقة تفكيرك، ومن العادي أيضاً أن تصاب بالإحباط، ولكن ما هو من غير المقبول أن نسمح لهذه العقبات أن تقف في طريقنا، وأعتقد أن هذه القراءات هي التي شكّلت لي مصدر الإلهام في طريقي».

مثلي الأعلى
«أحب حياة ماري كوري وإصرارها في سبيل العلم، أما مثلي الأعلى، فهو الدكتور نوف بورت المشرف على رسالة الماجستير خاصتي، فأنا أدين لهذا الرجل بالكثير فقد علمني كيف أفكر، ودفعني للإيمان بكوني عالمة في مجالي، لقد كان شغوفاً جداً لما يقوم به، وأعتقد أن هذا الشغف هو أمر معدٍ، فالتعامل مع شخص بهذه المواصفات، لابد أن يخلق فيك الدافع لتتخذه مثلاً أعلى».

بين العلم والفن
«ليس بإمكان أي منا أن يكون مجرد عالم، فالعلم يرتبط عميقاً بالإبداع ولابد لكل منا أن يكون في داخله تلك اللمسة الإنسانية المرتبطة بالطبيعة لأننا لسنا مجرد عقول، فعقولنا مرتبطة بقلوبنا بشكل وثيق. وأنا أحب الجمال، أستمتع بالأعمال الجميلة شأن النحت أو اللوحات الفنية المعبرة التي تحتوي صوراً إبداعية، وإلى جانب ذلك أحب قراءة الروايات المبدعة، وأعتبر نفسي من عشاق الشعر العربي نظراً لما يحتويه من صور استثنائية، ونحن في حاجة كل هذه الجوانب الإبداعية كل نتمكن من تحديد الطريق الذي ستسير به بحوثنا بغاية الوصول إلى هدف ما».