بارعة الوراثة متأملة بإبداع الخالق في ما خلق

فاطمة الجسمي تجد إلهامها بتصاوير طبيعية توحي لها بالجمال

تنفرد أرى بإجراء حوارات وتحقيقات مع أبرز سيدات المجتمع الاماراتي وهن يتركن آثارا واضحة في بناء المجتمع وتعميق حضور الانثى فيه ، ولعل الدكتورة فاطمة الجسمي هي واحدة ممن تركن حضورا لافتا لدور المرأة في بناء المستقبل فهي تعالج المرضى الذين يعانون الأمراض الوراثية والاستقلابية في الإمارات.

وتقول إن مشروعها في مجال الأمراض الوراثية والاستقلابية والكيميائية، ومشروع البحث الذي تقدمت به هو دراسة الأمراض الوراثية الأكثر انتشاراً في الإمارات وفي الوقت ذاته البحث في نسبة إصابة الأطفال بهذه الأمراض، إلى جانب بناء أساس بنوك الحمض النووي وخلايا الجلد لكي تتيح للأخصائيين في المستقبل سهولة التشخيص وعلاج هذه الأمراض.

المرأة في مواجهة التحديات
عن دور المرأة في مجال البحث العلمي بالإمارات، والمؤسسة التي تعمل بها فاطمة، تقول: "بالنسبة لنا في الجامعة، لن أتحدث عن الأساتذة فحسب، بل الطلاب أيضاً، هنالك نسبة كبيرة منهم من النساء، وكثيرات أيضاً تمكن من إجراء بحوث عليا، ونشرها في مجلات مختصة ذات صيت عالمي، على الرغم من أن بعضهن لديهن واجبات أسرية لأنهن متزوجات. ما يعني أن البحوث العلمية ليس محصورة بالأساتذة الحاصلين على شهادات الدكتوراه، بل الطالبات أيضاً نظراً إلى التشجيع الكبير الذي يلقينه.

على الرغم من أن رأيي الخاص يقودني للقول بأن التحديات تشكل بالنسبة للمرأة دافعاً كبيراً للتقدم من ناحية، وجامعة الإمارات جامعة بحثية بحتة، فأغلب الأبحاث التي يكون مصدرها دولة الإمارات تتم في جامعة الإمارات نظراً لتوجهات القائمين عليها.

ولهذا السبب فإن كل الأطباء الإماراتيين الذين تمكنوا من تحقيق النجاح، وتبوأوا مناصب متميزة في مجال الطب، هم من خريجي هذه الجامعة. إلى جانب الجهات الحكومية، القطاع الخاص شأن "لوريال"، يستثمر بشكل جيد في قطاع الأبحاث، وسبب نجاح هذه الشركة برأيي لفترة تزيد على 100 عام هو الأبحاث التي ترتكز عليها كل منتجاتها. لذا فمن الواجب في وطننا العربي تثقيف الناس تجاه البحث العلمي، لأنه الأسلوب الرائد في تطوير المجتمع، وهذا لا ينحصر في المرأة فحسب، بل في كل قطاعات المجتمع".

عمر النضوج
تعتبر فاطمة أن دعم الباحثات من جيلها في هذا الوقت أساسي، وله نتائج إيجابية سببها: "اختيار الفئة العمرية ما بين الثلاثين والأربعين، فكرة ذكية، لاسيما أن هذه الفئة هي نقطة الوصل ما بين جيلين؛ جيل النساء الرائدات اللاتي واجهن الكثير حتى تمكن من تحقيق النجاح والوصول إلى غاياتهن، والجيل الشاب الذي يحتاج إلى إرشاد من ناحية، وإلى أشخاص يشكلون له مثلاً عليا".

عمل جماعي
تعتبر فاطمة أن العمل في مجالها لا يمكن أن يكون فردياً، لاسيما بسبب غايته النبيلة في تطوير وتسهيل حياة الإنسان، وتقول: "البحوث التي نقوم بها غايتها تطوير جودة حياة الأشخاص، وصناعة جزء فعال في هذه الناحية، وصناعته تنسجم مع المجتمع بشكل أكبر. في عملي أنا إذا تمكنت من تشخيص مشكلة لدى أحد الأشخاص بشكل دقيق، وتمكنت من إيجاد العلاج المناسب، في الوقت المناسب، فسأكون قد غيرت مجرى حياة هذا الشخص. وهذا ما تقوم به كل باحثة، لذا فالعمل في مجال البحث لا بد أن يكون جماعياً، بغاية توفير الوقت والجهد أيضاً. لأننا نشكل حلقات وصل تعمل على منتج، ونجاح هذا المنتج يعني تغيير مستوى حياة الكثير من الأشخاص بشكل إيجابي، لذا فلا أعتقد أن هنالك باحثاً لا يسخر جهده وعلمه كاملاً لإكمال المهمة التي يقوم بها".

أكبر التحديات
تبرع فاطمة بالتغلب على التحديات التي تواجهها بسبب تعدد المهام الحياتية والمهنية التي تقوم بها، والسبب في ذلك حسب رأيها: "أعتقد أن الموازنة في الوقت الذي أخصصه لأسرتي، والوقت الذي أخصصه لعملي، ذلك هو الأهمية الكبرى، والتحدي الأصعب حسب رأيي. عندما أعمل على الموازنة بشكل أدق، أكون أكثر نجاحاً، على كل الأصعدة في حياتي. أعتبر نفسي بارعة في هذا الأمر، والدليل على ذلك هو النجاح الذي تمكنت من تحقيقه، ولكن علي الاعتراف بأن الأمر ليس سهلاً، إذ ليس من السهل أن أرضي أسرتي على المستوى الاجتماعي والخاص، وعملي بكل مكوناته على المستوى المهني.

فأمامي الكثير من المهام؛ معالجة مرضاي، أي إعطاءهم الرعاية الكافية، وتدريس الطلاب ومتابعتهم والتفاني في ذلك، ومن ثم العمل على الأبحاث، والمشاركة في المؤتمرات، كل هذا إلى جانب الأسرة، والسر في إنجاز هذه المهام، هو تحديد الأولويات حسب كل مرحلة. نحن نتكلم على التواصل لنقل فكرة وزرعها في المجتمع، أعتقد أن هذه الصعوبة موجودة في كل المجالات، وطريقة التوصيل هذه نعمل بها جنباً إلى جنب مع الجهات الصحفية".

ليس هنالك مصدر وحيد للدعم الذي تتلقاه الجسمي لتتابع عملها بنجاح، وتتحدث عن هذا قائلة: "دعمي الأساسي ألقاه من الأسرة، التي لا توفر جهداً في مساعدتي على إنجاز مهامي، ورسالتي التي لابد لي أن أوصلها لكل الأشخاص، لاسيما الباحثات، هو أنه في حياتي كان هنالك مرشد يساعدني في كل مرحلة من مراحل حياتي، وعلى كل باحثة أيضاً أن تختار مرشداً يكون إلى جانبها في كل مرحلة.

لأن هذا الشخص هو من يدفعك نحو التقدم والتطور، ومع غياب هذا الشخص الذي يعمل على التوجيه، وتحديد الأخطاء في حال الوقوع بها، لن يكون من السهل الوصول إلى النجاح. في طفولتي على سبيل المثال، كانت أسرتي هي المرشد الأول، وفي الجامعة كانت إحدى المدرسات هي المرشد الذي يوجهني في حياتي. ومن ثم في كندا، كان الأستاذ المشرف على رسالتي هو المرشد الخاص، ومن ثم مع عملي في الجامعة، رئيس القسم يساندني ويدعمني ويشكل سبيل إرشاد لي في مجالي البحثي".

مثل عليا
لا تعتبر فاطمة أن مثلها الأعلى يجب أن يكون محدداً بشخص واحد، نظراً إلى أهمية العديد من الأشخاص في حياتها، وتؤكد ذلك قائلة: "ليس بإمكاني أن أعطي اسماً واحداً، لأنني سأظلم الكثير من النساء اللواتي شكلن لي مثلاً أعلى، ولكنني أعتقد أن والدتي هي رقم واحد في قائمة مثلي العليا، وفي الوقت ذاته أبحث عن ما هو أفضل في الكثير من النساء اللاتي أقابلهن في حياتي، بعضهن يمر مروراً بسيطاً، إلا أنني ألاحظ أن لديهن خصلة متميزة أرغب في أن تكون لدي بالزخم ذاته. أؤكد مرة ثانية أنه من الضروري أن يكون في حياتنا مثل أعلى، وليس محدداً أن يكون شخصاً واحداً، ولكن أنا أبحث عن هذا المثل الأعلى في كل شخص أقابله، لأنني مؤمنة بأن الكمال لله فقط، ولكن هنالك أناس يكون لديهم تميز في مجال ما، وأعتقد أنني أجد فيهم مثلاً أعلى في المجال ذاته".

طيف فني
تعرف الجسمي الفن بأسلوبها الخاص، ألا وهو تقدير الجمال؛ جمال إبداع الخالق في ما خلق، وتتحدث عن علاقة هذا الجمال بالمرأة بقولها: "لا أعتقد أن هنالك امرأة في العالم لا تحب الفن، فالفن هو جزء لا يتجزأ من الجمال، فالمرأة بشخصيتها وكيانها ترتبط به بشكل وثيق، والجمال بالنسبة لي هو الطبيعة بحد ذاتها.

وهذا ما يجعلني شغوفة بالتصوير، لذا أصور ما يعجبني من زاويتي الخاصة. ففي كل وجهة أقصدها حول العالم، لابد لي من أخذ قسط من الراحة أقوم فيه بتصوير الطبيعة وتأمل إبداع الخالق فيها أيضاً".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات