عندما تمسكين طفلك في كذبة ما، من الطبيعي أن تشعري بالخيانة، بالأذى، بالغضب أو بالإحباط ولكن إليك الحقيقة: الكذب هو أمر خاطئ ولكنه طبيعي.
في الواقع نحن جميعاً نفعل ذلك إلى حد ما، فخذي بعين الاعتبار كيف أننا نستخدم الكذب أحياناً في حياتنا اليومية، وغالباً ما نقلل من حجم أعمالنا الخاطئة حتى لا نشعر بالذنب، ونأمل أحياناً في التخلص من شيء ما حتى ولو كنا نعرف أنه أفضل.
أعتقد أنه مع الأطفال، الكذب هو مشكلة معيبة يجب حلها بمهارة، ومن واجبنا نحن كآباء أن نعلم أطفالنا كيفية حل هذه المشاكل بطرق أكثر إيجابية. وهنا بعض من الأسباب التي تجعل الأطفال يكذبون، وما هي طرق المعالجة عندما يفعلون ذلك..
لماذا يكذب الأطفال:
1. لإنشاء الهوية:
- هي إحدى الطرق التي يستخدمها الأطفال لتأسيس هوياتهم وللتواصل مع أمثالهم.
- ويمكن أيضاً أن يكون الكذب ناتجاً عن التعرض للضغط من قبل رفاقهم.
- من المحتمل أن طفلك يكذب على الغير بخصوص أشياء يقول بأنه فعلها، ولكنه في الحقيقة لم يقم بها، كل ذلك لكي يجعلهم يعجبون به ويعتقدون أنه طفل رائع.
2. للتفرد عن الأهل:
- أحياناً يستخدم المراهقون الكذب لكي يبقى جزء من حياتهم منفصلاً عن أهلهم.
- في بعض الأوقات قد يبدو بأنهم يختلقون بعض الأكاذيب الصغيرة حول أشياء قد لا يبدو أنها بالغة الأهمية.
- سبب آخر يجعل الأولاد يكذبون على أهلهم؛ وهو عندما يدركون ويحسون بأن قواعد البيت وقيوده أصبحت ضيقة وشديدة عليهم.
حسناً لنقل إن ابنتك المراهقة البالغة من العمر 16 عاماً ليس مسموحاً لها أن تتبرج، في الوقت الذي جميع صديقاتها يفعلن ذلك، لذا فإنها تقوم بذلك خارج المنزل، ومن ثم تكذب عليك حول هذا الموضوع. قد يصبح الكذب طريقاً لها إن اعتقدت أنها تتبع القواعد الخاصة بك، وبأنها تقوم بنشاطات المراهقين «الطبيعية» في آن معاً.
3. للحصول على الاهتمام:
عندما يكون طفلك صغيراً تكون أكاذيبه غير منطقية، وهذا السلوك يمكن أن يكون طريقته لجذب القليل من الاهتمام. فعندما يقول طفلك صغير: «ماما، لقد رأيت فيلاً طائراً، أو جنية الأسنان خارج النافذة»، أنا أعتقد أنه أمر مختلف كلياً عن قول طفلك الأكبر: «ماما، لقد أنهيت واجباتي المدرسية»، علماً أنه لم يفعل ذلك. هذا ليس بكذب، ولكنه يعتبر بالنسبة للأطفال الصغار وسيلةً لهم لتفعيل مخيلتهم، وللبدء بفهم العالم الخارجي المحيط بهم.
4. لتجنب إيذاء مشاعر الآخرين:
في مرحلة ما، معظم الأشخاص يتعلمون كيفية التقليل من حجم بعض الأشياء لكي لا يجرحوا مشاعر الآخرين. فعوضاً عن قول: «أنا أحب حذاءك الجديد». يمكننا أن نقول: «هذا الحذاء يبدو عصرياً وهو رائج في هذه الأيام». هذا في ما يخص الكبار، ولكن بالنسبة للصغار فالأمر مختلف لأنهم لا يعلمون التعقيدات التي يعرفها الكبار، لذا فمن الأسهل لهم في معظم الأحيان الكذب.
أعتقد أننا كبالغين نعرف كيف نقول الأشياء بعناية أكثر، وكيف نخفف من وقع بعض الأمور دون أن نسبب الأذى للآخرين، ولكن الأطفال لا يعرفون كيف يقومون بذلك، بحيث يكون الكذب لديهم بمثابة الخطوة الأولى نحو تعلم كيفية قول الأمور بحرص وعناية أكثر.
ولكننا بشكل من الأشكال، نعلمهم الكذب بطريقة غير مباشرة كأن نقول لهم: «أخبروا جدتكم بأنكم تحبون الهدايا التي جلبتها لكم، لأن مشاعرها ستتأذى إذا كان الأمر على خلاف ذلك»، ففي هذه الحالة نحن لدينا سبب لتبرير الكذب، وهو أننا لا نريد إيذاء مشاعر شخص ما نهتم له ونحبه، ولكن علينا في نفس الوقت المثابرة على تعليم أطفالنا قول الحقيقة أو تجميلها وجعلها منمقة.
5. لتجنب المتاعب:
- معظم الأولاد يكذبون من وقت إلى آخر للخروج من المشاكل. لنقل إنهم وضعوا أنفسهم في موقف غير صحيح، أو أنهم فعلوا شيئاً لا ينبغي القيام به (كأن يكسروا قاعدة من قواعد المنزل)، أو أنهم لم يقوموا بالأعمال المنزلية المترتبة عليهم مثل تنظيف الغرف وترتيبها. فإذا أحسوا بأنه لا مهرب لديهم من تجنب عواقب فعلتهم، فإن الكذب سيكون السبيل الوحيد لتجنب الوقوع في المشاكل.
- في مرة أخرى، يكون السبب العام الذي يدفع الأطفال للكذب هو أنهم لا يملكون وسيلة أخرى للتعامل مع مشكلة أو نزاع.
- في الواقع، وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون الكذب هو الطريقة الوحيدة التي يعرفونها ليحلوا مشاكلهم، فيبدو وكأنها مهارة البقاء على قيد الحياة، وهي مهارة معيبة للأطفال.
أنواع الكذب:
من ناحية خطورته:
أنا أعتقد وأؤمن بأنه من واجب الأهل المعرفة والتفريق بين أنواع الكذب لدى أطفالهم، ليحرصوا على أنه ليس متصلاً بأي نوع من أنواع السلوك غير الآمن والمحفوف بالمخاطر، أو غير الشرعي. هذا يصل بك إلى أساس الموضوع بكامله والمتعلق باختيار نوع معركتك،
فإذا رأيت طفلتك تقول لطفلة أخرى: «آه، حقاً أنا أعجبني فستانك»، ولاحقاً وأنتما في السيارة تقول: «أنا حقاً لم يعجبني ذلك الفستان». يمكنك حينها أن تقولي لها شيئاً، أو يمكنك أن تجعلي الأمر يمر مرور الكرام، وخاصةً إذا كان أمراً غير معتاد من طفلتك وتفعله للمرة الأولى.
لكن في حال كانوا يكذبون بخصوص أمر خطير، أو غير شرعي أو غير آمن، فإن الواجب يحتم عليك التصدي لهذه الأمور، خاصةً إذا كانت ذات أهمية قصوى، كالكذب عن سلوك خطير، أو المخدرات، أو غيرها من الأنشطة الضارة، عندها قد تحتاجين إلى طلب المساعدة من الاختصاصيين. لذا اختاري معركتك، حلي ما يعتبر ضرورياً مقابل البحث عما هو غير طبيعي وعادي.
من ناحية عمر الطفل:
أيضاً مرة أخرى، هذا يعتمد على التطور العمري للطفل، ففي عمر 4 سنوات فإنه سيخترع قصصاً ضخمةً كطريقة ليكون خلاقاً وللبدء بتصور عالمه، إنها مرحلة النمو الطبيعي. وفي عمر 7 إلى 8 سنوات، فإنه سيخترع مثل هذه الأشياء أيضاً ولكن قد تكون لديه أفكار بيضاء وسوداء أكثر.
لذا فمن الممكن أن يقول: «لقد كرهت هذه السيدة» في حين أنه ببساطة كره تصرفاً قامت به. أنا أعتقد أنه يمكنك التغاضي عن مثل هذه الأمور أو أن تصحيحها له بلطف. فيمكنك قول: «هل تعني أنك لم تحب ما قامت به أمس»؟ هذا النوع من الامتداد للحقيقة يعتبر نتيجة لتفكير قوي ومتين، لأن الأطفال في هذه المرحلة من العمر لا يتمتعون بمهارات جيدة لقول أشياء أكثر حيادية ولباقة.
من ناحية الأخلاق:
أيضاً أنا لا أعتقد أن الكذب لدى الأطفال هي مسألة أخلاقية، وأعتقد أنه من الضروري عدم أخذه على محمل شخصي إذا كذب الطفل، فمعظم الأطفال لا يكذبون لإيذاء والديهم بل يكذبون لأن هناك شيئاً يحدث. إن الجزء المهم بالنسبة لك كأم هو بتوجيه هذا السلوك بعيداً عن الكذب.
إذا كنت تأخذين الأمر على محمل شخصي فمن المحتمل أن تكوني غاضبة ومحبطة ولا تتعاملين مع المعلومات الدقيقة التي دفعت بطفلك نحو هذا التصرف. وهنا مثال على ذلك: لنقل إن طفلك لم يقم بحل واجبه المدرسي، ولكنه قال لك إنه فعله، فعندما تكتشفين الحقيقة يعترف لك بأنه لم يفعله لأنه كان يلعب بالكرة مع أصدقائه بعد انتهاء دوام المدرسة.
فإذا صرخت به متهمةً إياه بالخيانة وقائلة: «كيف تجرؤ أن تكذب علي»؟ هذا كل ما يمكنك توجيهه له، فأنت لن تكوني قادرة على التعامل مع القضية الحقيقية لطفلك، وهي أن يقوم بإنهاء واجباته المنزلية قبل اللعب مع أصدقائه. بيت القصيد هو أن غضبك وإحباطك بخصوص الكذبة لن يساعد طفلك على تغيير سلوكه. لذا فإن الكذب ليس مسألة أخلاقية، بل هي مسألة حل المشكلة.
من ناحية الخطأ و الصواب:
في الواقع، الأطفال يميزون بين الخطأ والصواب، وهذا هو السبب في أنهم يكذبون لأنهم لا يريدون أن يقعوا في ورطة بسبب ما فعلوه، فيستخدمون الكذب لحل مشاكلهم. ويعني هذا، أنهم بحاجة إلى مهارات أفضل، وأنت كوالدة مسؤولة عن مساعدتهم على اكتساب مهارات جديدة وللعمل على تحسين قدراتهم الخاصة لحل مشاكلهم دون اللجوء إلى الكذب.
طرق المعالجة:
أنصحك بعدم الرد في اللحظة التي تمسكين فيها طفلك وهو يكذب، عوضاً عن ذلك أرسليه إلى غرفته لكي يهدأ، تكلمي مع زوجك عن المشكلة أو مع صديقتك المقربة الموثوق بها أو مع أحد أعضاء العائلة، ضعي مخططاً للعب، وأعطي لنفسك الوقت الكافي للتفكير به، تذكري، عندما تتفاعلين من دون تفكير، فإنك لن تكوني فعالة، لذا أعطي لنفسك قليلاً من الوقت لتجدي الحل المناسب.
- عندما تتكلمين، لا تتجادلي مع طفلك بخصوص الكذب، فقط أقري بما رأيت، وبما هو واضح، فأنت قد لا تعرفين السبب الحقيقي خلفه، ولكن في نهاية المطاف فإن طفلك قد يطلعك عليه.
- لذا فإن المحادثة يمكن أن تجري على هذا النحو: «لقد وردني اتصال من الجارة، تخبرني فيه بأنها رأتك تتسلل من النافذة، وكنت تنام على طاولة المطبخ هذا الصباح أثناء وجبة الإفطار. ولكنك أخبرتنا بأنك كنت في المنزل طوال الليل؟».
- يمكنك أن تقولي لابنك المراهق أيضاً: «نتيجةً لهذا العمل، فإنك لن تتمكن من البقاء في منزل أصدقائك في عطلة نهاية الأسبوع، ونحن مهتمون بمعرفة أين كنت؟ وأين ذهبت؟». اتركي له المجال ليقول لك ما حدث.
- تذكري أن الإقرار بما تعتقدين يرتكز على الحقائق التي لديك، نفذيها من دون جدال، قوليها فقط والتزمي بها. «لقد وردتنا هذه المعلومة ونحن ندقق بها وسوف يكون لها عواقب». اجعلي الأمر بسيطاً واستمعي لما لدى طفلك من أقوال، ولكن كوني حازمة في ما تعتقدينه وتؤمنين به.
