جولة سياحية وجغرافية تراثية تأخذكم بها أرى إلى أحد الاسواق المهمة في العين ، حيث تعد الآثار والمباني التاريخية عناصر أساسية للبيئة التاريخية لإمارة أبوظبي، كما أنّها تمثل إرثاً حضارياً يعتزّ به أبناء الإمارة.
ومن هذا المنطلق قامت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة بترميم سوق القطارة في مدينة العين، والعمل على إعادة إحيائه وتطويره وفق الأساليب العلمية، وتوظيفه بشكل ينسجم وروح العصر لإبراز العمق الحضاري للإمارة، وليس هذا فحسب إذ يكتسب هذا السوق أهمية كبيرة على الصعيدين الثقافي والسياحي، حيث تشكل الأسواق الشعبية التراثية أحد أهم عناصر الجذب السياحي على مستوى العالم.
تظاهرة تراثية وثقافية
إعادة افتتاح سوق القطارة، بعد أن خضع لعملية ترميم، أعاد الحياة للبناء من جديد، نظراً لما يشكله هذا السوق من أهمية تاريخية، وما لعبه من دور تجاري واجتماعي في حياة أهالي مدينة العين فيما مضى.. وليس هذا فحسب إذ يُعد هذا السوق التاريخي إضافةً مهمة تُثري خارطة المعالم الأثرية والتراثية في المدينة، والتي تم إدراج مواقع فيها على قائمة اليونيسكو للتراث الإنساني العالمي، فهي مدينة ما زالت تحافظ على صفاتها المحلية من المنظور العمراني. ويقع السوق في موقع متميز، ذي رؤية واضحة، وهو محاط بمجموعة من المباني التاريخية منها قلعة بن عاتي الدرمكي والتي أعيد استخدامها كمركز للفنون.

نافذة سياحية جديدة
يعود تاريخ هذا السوق لعشرات السنين، ولم يكن سوى امتداد لما كانت تشهده المنطقة عموماً ومدينة العين على وجه الخصوص من نشاط اقتصادي، حيث أظهرت الأدلة العلمية التاريخية والأثرية حركة التبادل التجاري الكبيرة بين المدينة في الماضي وكبرى حضارات الشمال «بلاد ما بين النهرين» و«بلاد فارس»، والشرق «الهند وباكستان»، وذلك عبر طرق تجارية طويلة وهامة. وفي هذا الإطار يقول سعيد حمد الكعبي، رئيس قسم الحرف والمنتجات التقليدية، في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة: «إن إعادة سوق القطارة إلى الحياة مرة أخرى هي استعادة لبعده الاجتماعي والاقتصادي، وتجسيداً لرمزيته ودلالاته المتعددة بالنسبة لشعب الإمارات، وستسهم في إعادة الاعتبار للسوق والمنطقة المحيطة به، وإحياء الحرف التقليدية واستعادة مكانتها في المجتمع المحلي، وتنشيط الحراك الاجتماعي والاقتصادي لأهالي مدينة العين، وفتح نافذة سياحية جديدة فيها، يتعرف من خلالها المقيمون والسياح على جوانب مختلفة من أوجه النشاط التقليدي للمجتمع الإماراتي». ويضيف: «ويعد سوق القطارة نموذجاً للأسواق العربية القديمة التي كانت تنبض بالحياة، وتعد قلباً لأي مدينة، فهو مركز للتبادل التجاري ونقطة التقاء مهمة لسكان المنطقة الذين كانوا يقصدونه للتزود باحتياجاتهم الأساسية وفي نفس الوقت التواصل الاجتماعي، وقد شهد أعمال توسعة في السبعينات بتوجيهات من سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية».
ما يتضمنه السوق
يتضمن سوق القطارة باقة متنوعة من الفعاليات الثقافية والتراثية؛ منها أعمال الحرف اليدوية التراثية وعروض العيالة وحفل للعزف على آلة العود، وعروض حية للطرق التقليدية للبناء بالطين وصناعة العريش وسعف النخيل بمشاركة الجمهور من مختلف الأعمار لإثراء تجربتهم في زيارة السوق ومركز الفنون. ويشير الكعبي إلى أن سوق القطارة يتكون من 18 دكاناً، إضافة لوجود مقهى شعبي، حيث سيتخصص السوق في بيع جميع المنتجات التقليدية، وتتوزع الدكاكين على بيع السيوف والخناجر، والملابس النسائية والرجالية التقليدية، وبيع الأواني المنزلية. إضافةً إلى بيع البهارات ومعدات الرحلات والتخييم وأدوات الصقور مع وجود بقالة تراثية. كما توجد حرف تراثية مثل «الخوص» و«السدو» و«عمل الحبال» و«الفخار».
ولدى سؤالنا عن تجهيزات السوق، يجيب الكعبي بالقول: «اشتملت التجهيزات على وضع جميع المنتجات التراثية في مكان واحد، حتى يكون ذلك عامل جذب للجمهور»، ويلفت الكعبي إلى أن سوق القطارة سيكون السوق الوحيد الذي يجمع كل المشغولات والحرف والأدوات التراثية في مكان واحد، وهو ما يوفر الوقت والجهد، حيث إن الأسواق الأخرى لا تتميز بهذا الشمول، فقد تجد بعض المنتجات في مكان والمنتجات الأخرى في مكان آخر مما يصعب على المشتري عملية البحث.
ويضيف: «جميع أصحاب الدكاكين هم من الإماراتيين الذين تم اختيارهم من خلال لجان خبراء، وهم من المهتمين بالتجارة في مثل هذه الأدوات والمعدات التقليدية التراثية، حيث إن السوق سيلعب دوراً كبيراً وبارزاً في إحياء أنشطة تراثية كثيرة لمدينة العين الخضراء من خلال توفير الأدوات اللازمة التي كان يبحث عنها المواطنون والمقيمون في الأسواق ولا يجدوها بسهولة».
من جانب آخر يذكر الكعبي بأن السوق حالياً لا يحتوي على تجهيزات حديثة مثل التكيف وغيرها، لأن فصل الشتاء يساعد على ذلك، ولكن بعد نجاح التجربة سيتم إدخال التجهيزات الحديثة للسوق مثل المكيفات مع الاحتفاظ بالطابع التقليدي التراثي، مع إمكانية زيادة توسعات السوق في المستقبل.
إنعاش الحرف اليدوية
في سوق القطارة يتحلق العشرات من الزوار الأجانب حول بعض الصناعات اليدوية التي تجيد صناعتها سيدات وفتيات إماراتيات، من بينها حرف التلي؛ وهي من الحرف المنتشرة بدولة الإمارات التي كانت تمارسها النساء، ويستعمل التلي لتزين صدور وأكمام الثوب الإماراتي التقليدي، حيث لا يوجد هذا النوع إلا في الإمارات وسلطنة عمان فقط. وقد حاول الأجانب من الزوار توثيق هذه الحرفة في رغبة منهم التعرف عليها وتعريف الآخرين بها.
كما اشتهرت نساء الإمارات بصناعة الخوص؛ وهي من الصناعات المشهورة التي تعتمد على سعف النخيل، وكانت المرأة الإماراتية قديماً تسعى إلى هذه الحرف البسيطة رغبة منها في توفير حاجيات أسرتها ومساعدة زوجها، وفي أحد دكاكين السوق هناك سيدات يمتهن صناعة الخوص، وتعريف الزوار القادمين من الخارج بطبيعة هذه الحرفة وأسرار صناعتها ودقتها.
ندوات ومعارض
بين حين وآخر يتم في سوق القطارة تنظيم ندوات في مجال التراث الإماراتي والمواقع الأثرية في مدينة العين، ومعارض لفنون الرسم والتصوير الفوتوغرافي، منها المعرض الفني «لمسة من التراث» لفنانين من دولة الإمارات، وإقامة استديو تراثي، إضافةً إلى عدد من النشاطات الموجهة للأطفال والعائلات، ومعرض كتب لدار الكتب الوطنية التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة. وكانت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة قد افتتحت أخيراً مركز القطارة للفنون، ضمن جهودها لتطوير واحة القطارة التاريخية، لتضمّ مركزاً يوفر مكاناً لدراسة الفنون والثقافة وممارستها من قبل جميع شرائح المجتمع الإماراتي، وبالتالي تعزيز التواصل بين السوق والمركز في إطار البرامج والفعاليات المختلفة، خاصة أنه تم الحفاظ على جميع جوانب البناء الأصلي للمركز بعد ترميمه، بهدف تحقيق التوازن بين التراث والحداثة التي تعد إحدى التحديات الرئيسة للحياة الثقافية عموماً.
قالوا عن سوق القطارة:
1. مطر راشد بن حميد الدرمكي (73) عاماً، يقول: «من الأسباب التي دعت إلى إنشاء السوق في ثلاثينيات القرن الماضي توفير الوقت والجهد والعناء الذي كان يبذله السكان في تأمين احتياجاتهم من المواد الأساسيّة من سوق البريمي». ويبين دور الشيخ الراحل شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم إمارة أبوظبي في إنشاء السوق في منتصف الطريق الفاصل بين واحتي القطارة والجيمي (طريق النخيل) ودور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تطويره والمحافظة عليه.
2. الراوي راشد بخيت بن ديول الدرمكي (63) عاماً، يشير إلى النشاط الاقتصادي الذي شهده السوق في تأمين احتياجات السكان من المواد الغذائية كالأرز والطحين والسكر والتمر والبهارات والصابون والألبسة بأنواعها، وغير ذلك من المستلزمات التي كان يجلبها التجار من دبي وأبوظبي، كما بيّن أن السوق كان محط اهتمام ورعاية الشيخ زايد حيث كان يتفقده ضمن جولاته على الواحات.
3. الشاعر سيف بن خميس بن بدر الظاهري (62) عاماً، يؤكد على أن السوق كان ملتقى ومركزاً مهماً للتواصل والتعارف وتبادل الآراء والأخبار بين أبناء القبائل، كما لعب دوراً ثقافياً في المجتمع آنذاك تمثّل في تعليم عدد من أبناء واحة القطارة والواحات المجاورة.
4. الراوي سهيل الماس عن والده البالغ من العمر (92) عاماً، يقول: «كنت أشغل أحد الدكاكين لبيع الألبسة، إذ كان أبي يستورد الأقمشة من دبي وغيرها، وأخيطها بآلة خياطة تقليدية لا تزال محفوظة لدي، ولي ذكريات في السوق، منها ختم القرآن الكريم على يد المطوع جمعة بخيت الدرمكي».
