تنعش الأحداث الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم لكرة القدم، اقتصاد الدولة المضيفة من خلال زيادة الموارد السياحية، وتوفير فرص عمل، وزيادة الاستثمارات، إلا أن دراسات علمية أكدت أن كون المونديال المنقذ الاقتصادي دائماً هو أمر غير محسوم، فالمسألة نسبية تخضع لعوامل عديدة.
نقف الآن على بعد أشهر من انطلاق كأس العالم في قطر، والمقررة من 21 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2022، مع توقعات بحجم إنفاق يتجاوز 200 مليار دولار، على استضافة الحدث العالمي، وبأن الأرباح لن تعوض ما تم إنفاقه لإقامة أول مونديال في وطننا العربي. ويرى البعض أن حجم الإنفاق القطري الكبير على مونديال 2022، سببه أن هناك جانباً كبيراً أنفق على البنية التحتية، وليس على ملاعب البطولة فقط، وأن الدول الكبرى عندما استضافت المونديال، حققت أرباحاً كبيرة، لأنها كانت تمتلك بالفعل البنى التحتية اللازمة.
أرقام وبيانات
ردت دراسة أجرتها جامعة ميريلاند الأمريكية على هذا الأمر، بأرقام وبيانات، تضمنت توقعات اللجنة المنظمة لكأس العالم 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية، بأن كأس العالم سيضيف 4 مليارات دولار للاقتصاد الأمريكي، ولكن الواقع أن أمريكا خسرت 9.6 مليارات دولار من التنظيم، والذي كلف أمريكا حينها 340 مليون دولار فقط، لما لديها من بنى تحتية وملاعب لم يتكلف تعديلها كثيراً لاحتضان مباريات المونديال.
ميزانية مخصصة
وفي روسيا، ذكرت وكالة انترفاكس الروسية، أن الميزانية المخصصة لنهائيات كأس العالم 2018، والذي استضافته روسيا، تجاوزت 20 مليار دولار على إنشاء وتطوير ملاعب كرة القدم، مع توقعات بعوائد 31 مليار دولار على مدى 10 سنوات متتالية، وهو معدل ربح ضعيف للغاية على دولة بحجم روسيا.
وعندما استضافت ألمانيا مونديال 2006، تكلفت نحو 6.2 مليار دولار على البنية التحتية، وتجهيز الملاعب، وأعلنت أن أرباح كأس العالم بلغت 194 مليون دولار، فيما تراجع الناتج القومي لجنوب أفريقيا في عام 2016، بنسبة 2.2% عن عام 2009، أي قبل استضافتها كأس العالم عام 2010، والتي بلغت ميزانية تنظيمها وقتها أكثر من 3.5 مليارات دولار، بحسب ما أكده وزير المالية برافين جوردهان، رغم أن أتوقع وقتها بأن المونديال سيضيف ما بين 0.3 و0.7 نقطة مئوية إلى النمو الاقتصادي.
بنية أعمال
أما الحكومة البرازيلية، فقدرت التكلفة الإجمالية التحضيرية للمونديال الذي استضافته عام 2014، بنحو 8.6 مليارات دولار فقط لأعمال البنية التحتية، بالإضافة إلى 2.4 مليار دولار على الملاعب، وملياري دولار على الترتيبات الأمنية، ليصل إجمالي الإنفاق 13 مليار دولار.
ووفر المونديال في البرازيل، نحو مليون فرصة عمل، وزار نحو مليون سائح أجنبي البرازيل خلال نهائيات كأس العالم، وكانت الحصيلة إضافة 3 مليارات دولار إلى الاقتصاد البرازيلي، و2.4 مليار دولار من بيع حقوق البث التلفزيوني، و1.6 مليار دولار من حقوق التسويق، و500 مليون دولار عائدات من بيع التذاكر، وهو بالتالي لا يغطي حجم تكلفة «العرس العالمي».
مكاسب معنوية
يقول راكان جاسم لاعب الجزيرة السابق: «مكاسب المونديال ليست دائماً مالية، فهناك مكاسب أخرى، ومنها المعنوي، وهو دخول الدولة المضيفة تاريخ أهم بطولة كرة قدم في العالم، وتحقيق ترويج سياحي ودعائي مهم، وهو أمر تنفق عليه بعض الدول، مبالغ طائلة، ويوفره تنظيم كأس العالم خلال فترة قصيرة، وبقيم مالية أقل».
وأضاف: «إن التحضير لتنظيم كأس العالم، يساعد الدولة المضيفة على تحسين بنيتها التحتية من فنادق ومطارات ومواصلات، وهي أمور ستوفر على اقتصاد الدولة الكثير مستقبلاً، وعلى سبيل المثال، أعتقد أن قطر نجحت في تحسين بنيتها التحتية لتكون قادرة على استضافة كأس العالم، وهو الأمر الذي سيوفر الكثير للدولة المضيفة مستقبلاً».
وأوضح: «بالتأكيد يختلف حجم الإنفاق على استضافة المونديال، من دولة إلى أخرى، فالدول الكبرى مثل ألمانيا وأمريكا وفرنسا، تمتلك بنى تحتية ومنشآت رياضية عالية المستوى، وبالتالي عندما استضافت نهائيات كأس العالم، لم تحتج إلى إنفاق الكثير لاستضافة البطولة، ويتوقع معها زيادة العوائد على تلك الدول من التنظيم».
وتابع: «كما أن هناك مكسباً آخر، وهو أن تنظيم المونديال، يعطي الحافز لتطوير مستقبل الكرة في الدولة المضيفة، بشرط أن يكون لدى الدولة المضيفة الإدارة الصحيحة، وهو الأمر الذي نراه يتحقق في قطر خلال السنوات التالية للإعلان عن استضافتها لكأس العالم، ومن النتائج المهمة، تتويج منتخبها بكأس آسيا في الإمارات 2019».
وأنهى قائلاً: «يمكن تطبيق المثل نفسه على اليابان وكوريا الجنوبية عندما استضافا معاً كأس العالم 2002، ووضعا وقتها خطة مستقبلية لتطوير كرة القدم، ومنذ ذلك الوقت، ونحن نرى البلدين، ضيفاً دائماً على نهائيات كأس العالم، ومنافسين أقوياء في نهائيات كأس آسيا».
تنشيط سياحي
وقال أحمد خليفة حماد المدير التنفيذي السابق لشباب الأهلي: «تنظيم كأس العالم، له تأثير مباشر وغير مباشر، والتأثير الأوضح الترويج للبلد، وهناك دول تصرف مبالغ كبيرة للترويج لنفسها من خلال استضافة أحداث رياضية أو مباريات كأس العالم، ويختلف الهدف من تنظيم المونديال من دولة إلى أخرى، هل هو هدف اقتصادي أو ترويجي؟».
وأوضح: «هناك دول جاهزة للتنظيم، ولا تحتاج إلى إنفاق كبير، ومنها على سبيل المثال، الولايات المتحدة في مونديال 1994، وفرنسا 1998، وألمانيا 2006، وروسيا 2018، وحتى عندما نظمت اليابان وكوريا الجنوبية مونديال 2002، وفي المقابل، هناك دول تحتاج تبني كل شيء، ومنها قطر، ولكن بعد نهاية المونديال، يبقى ما أنفق مكسباً لاقتصاد الدولة، من خلال تحسين البنى التحتية، وزيادة وتطوير المنشآت الرياضية والسياحية».
خطط مستقبلية
وأكمل: «في بعض الأحيان تكون لدى بعض الدولة، خطط مستقبلية لتحسين البنى التحتية، وتستغل نيلها شرف تنظيم المونديال، في الإسراع بتنفيذ تلك الخطط، مستفيدة من دعم كافة قطاعات الدولة لتحقيق المشروع الوطني العالمي، وبالتالي لا يجب أن يخضع تنظيم كأس العالم، لحسابات المكسب والخسارة وفق القطاع المالي فقط، لأن هناك أرباحاً أخرى يمكن الشعور بها بعد نهاية الحدث نفسه».
واختتم موضحاً: «حتى إذا لم يكن هناك عائد مالي مباشر، إلا إنه سيكون هناك تنشيط سياحي وترويج لأشياء أخرى للدولة، وهذا الأمر ليس قاصراً على كأس العالم للمنتخبات الأولى فقط، بل يشمل الأمر العديد من الأحداث الرياضية الهامة، ومنها كأس العالم للأندية أو للشباب، ودورات الألعاب العالمية، وتلك البطولات تحرص الدول على المشاركة فيها أو حتى نيل شرف تنظيمها حتى إذا كانت هناك خسائر مادية، لأن العوائد من تلك الأحداث تتجاوز كثيراً الأمور المالية».


