5 دروس مستفادة من كأس العالم 2026


اختتمت بطولة كأس العالم 2026 منافساتها في 19 يوليو على ملعب ميتلايف، بعدما توجت إسبانيا بلقبها العالمي الثاني للرجال، عقب فوزها على الأرجنتين بهدف في الوقت الإضافي، سجله فيران توريس في نهائي لم يصل إلى مستوى التوقعات، لكنه منح المنتخب الإسباني تتويجاً مستحقاً في النهاية.


وشهدت النسخة الأكبر في تاريخ المونديال مشاركة 48 منتخباً، وإقامة 104 مباريات على مدار خمسة أسابيع، وسط أرقام قياسية على مستوى المتابعة والعائدات المالية، حيث قدرت إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم بنحو 15 مليار دولار، وبينما ستبقى البطولة في ذاكرة الجماهير، بسبب لحظاتها الكروية، وشخصياتها البارزة، فإنها تركت خلفها خمسة دروس وقضايا، يستفاد منها في تحديد شكل كأس العالم في المستقبل.


نجاح الاستضافة المشتركة


دخلت كأس العالم 2026 التاريخ باعتبارها أول نسخة تستضيفها ثلاث دول هي: الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بعد أن كانت الاستضافة المشتركة مقتصرة سابقاً على تجربتي كوريا الجنوبية واليابان عام 2002.


ورغم الانتقادات المتعلقة بمسافات السفر الطويلة أثبت النموذج الثلاثي إمكانية نجاحه، كما منح البطولة تنوعاً ثقافياً واضحاً، بعدما حملت كل دولة مضيفة طابعها الخاص.


ويمهد هذا النجاح الطريق أمام مزيد من ملفات الاستضافة المشتركة مستقبلاً، خصوصاً مع مونديال 2030، الذي سيقام في إسبانيا والبرتغال والمغرب، مع إقامة مباريات احتفالية أيضاً في أمريكا الجنوبية، بمناسبة مرور 100 عام على انطلاق البطولة، ولكن التحدي الأكبر يبقى في إدارة الجانب اللوجستي، خصوصاً مع المسافات الشاسعة، التي واجهتها بعض المنتخبات خلال نسخة 2026.


توسع تاريخي أم زيادة أضعفت المنافسة؟


كان قرار زيادة عدد المنتخبات من 32 إلى 48 أحد أكثر الملفات إثارة للجدل قبل انطلاق البطولة، وبعد النهاية عاد النقاش مجدداً حول مدى تأثير هذا التوسع على جودة المنافسات.
ومن جهة منحت النسخة الموسعة فرصاً تاريخية لمنتخبات لم تكن تصل عادة إلى كأس العالم، مثل زيادة تمثيل أفريقيا، وضمان مقعد لأوقيانوسيا، كما صنعت قصصاً ملهمة مثل مشوار منتخب الرأس الأخضر، ولكن من جهة أخرى رأى كثيرون أن مرحلة المجموعات الطويلة، التي شهدت تأهل عدد كبير من المنتخبات، أثرت على مستوى بعض مباريات دور الـ32، حيث غابت الإثارة والجودة في العديد من المواجهات.


ويأتي ذلك في وقت يدرس فيه «فيفا» إمكانية رفع عدد المنتخبات إلى 64 في المستقبل، وهو اقتراح يواجه اعتراضات، بسبب زيادة عدد المباريات، والضغط البدني على اللاعبين.


حضور قوي للسياسة


رغم تأكيد «فيفا» دائماً على ضرورة فصل الرياضة عن السياسة فإن مونديال 2026 شهد حضوراً سياسياً لافتاً، ومن أزمة قيود السفر التي أثرت على بعض المشاركين، وصولاً إلى تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أزمة بطاقة فولارين بالوغون، بدا أن السياسة فرضت نفسها على أجواء البطولة، كما أثار مشهد بقاء ترامب على منصة التتويج بعد النهائي، وانتظاره قبل مغادرة المكان أثناء استعداد لاعبي إسبانيا لرفع الكأس، جدلاً واسعاً، واعتبره البعض مثالاً على محاولة السياسيين الظهور في قلب الأحداث الرياضية الكبرى، ويبقى التحدي أمام «فيفا» هو ضمان أن تبقى كرة القدم هي العنوان الرئيسي في البطولات المقبلة.


نهاية حقبة جيل الأساطير


كانت كأس العالم 2026 على الأرجح الفصل الأخير في مسيرة اثنين من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ، الأرجنتيني ليونيل ميسي، والبرتغالي كريستيانو رونالدو.


وشارك اللاعبان في خمس نسخ من كأس العالم منذ 2006، وهو رقم قياسي مشترك مع الحارس المكسيكي السابق غييرمو أوتشوا.


ومع اقتراب نسخة 2030 سيكون رونالدو في عامه الـ45، بينما سيبلغ ميسي 43 عاماً، ما يجعل عودتهما إلى المسرح العالمي شبه مستحيلة.


ولم يكن الثنائي وحده من يواجه نهاية المشوار الدولي، إذ قد تكون نسخة 2026 الأخيرة لعدد من النجوم الكبار، مثل كيفن دي بروين، لوكا مودريتش، نيمار، محمد صلاح، سون هيونغ مين، فيرجيل فان دايك، روبرت ليفاندوفسكي، وغيرهم من أبرز أسماء الجيل الحالي.


إرث دائم في أمريكا الشمالية


أكد مسؤولو كرة القدم في أمريكا الشمالية أن كأس العالم 2026 يجب ألا تكون مجرد حدث يستمر خمسة أسابيع، بل نقطة انطلاق لتطوير اللعبة.


ويتركز التحدي الأكبر في الولايات المتحدة وكندا على تحويل الاهتمام العالمي بالبطولة إلى نمو حقيقي لكرة القدم المحلية، سواء عبر زيادة شعبية الدوري الأمريكي أو دعم المواهب الشابة.


ورغم ارتفاع شعبية كرة القدم في أمريكا الشمالية فإنها لا تزال تواجه منافسة قوية من الرياضات التقليدية، إضافة إلى مشكلة ارتفاع تكاليف ممارسة اللعبة لدى الأطفال، بسبب نظام «الدفع مقابل اللعب»، الذي قد يحرم مواهب كثيرة من الاستمرار.


ويبقى نجاح المونديال الحقيقي مرتبطاً بقدرته على صناعة جيل جديد من اللاعبين والمشجعين، وليس فقط تحقيق أرقام قياسية في الإيرادات والمشاهدة.


وفي النهاية كان كأس العالم 2026 بطولة مليئة بالتناقضات، فقد قدمت لحظات تاريخية، وشهدت تتويج إسبانيا وصعود نجوم جدد، لكنها فتحت أيضاً ملفات شائكة حول التوسع والسياسة ومستقبل اللعبة.


وبينما ستتذكر الجماهير رحيل أساطير مثل ميسي ورونالدو فإن السؤال الأهم يبقى: هل ستترك هذه النسخة إرثاً حقيقياً لكرة القدم أم ستبقى مجرد أكبر بطولة من حيث الحجم والعائدات؟