لم تعد بطولة كأس العالم 2026 مجرد منافسة رياضية على المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة للجدل ونظريات المؤامرة، وحملات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل تصاعد غير مسبوق للانتقادات الموجهة إلى التحكيم وتقنية حكم الفيديو المساعد، إلى جانب اتهامات طالت الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بشأن نزاهة بعض القرارات.
ومنذ انطلاق البطولة رافقت كل محطة مهمة موجة من الجدل، سواء بسبب قرارات الحكام، أو تدخلات تقنية الفيديو، أو حتى انتشار المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، لتصبح النسخة الحالية مرآة تعكس حالة الاستقطاب والانقسام التي يعيشها العالم.
وكانت مواجهة مصر والأرجنتين في دور الـ16 أبرز نقطة انطلاق لسيل من الاتهامات، وبعد أن تقدمت مصر بهدفين دون رد، نجحت الأرجنتين في العودة بطريقة درامية، وسجلت ثلاثة أهداف خلال 13 دقيقة لتحجز بطاقة العبور، لكن النهاية لم تكن كروية فقط، إذ خرج المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن غاضباً، مؤكداً أن فريقه تعرض لظلم تحكيمي، مشيراً إلى إلغاء هدف بداعي مخالفة رصدتها تقنية الفيديو في لقطة سبقت الهجمة بمسافة كبيرة، إضافة إلى عدم احتساب ركلة جزاء قبل هدف إنزو فرنانديز الحاسم، وقال بعد اللقاء: «ربما أرادوا بقاء أبطال العالم في المنافسة، وربما أرادوا استمرار ميسي».
وفجرت تصريحات حسن موجة واسعة من نظريات المؤامرة، وتحول الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسير إلى هدف لغضب الجماهير، إذ تعرضت صفحاته الإلكترونية للتخريب، كما انتشرت حملات على مواقع التواصل تدعو إلى مقاطعته.
ومع استمرار مشوار الأرجنتين نحو النهائي ازدادت الشكوك والاتهامات، وانتشرت مزاعم عن تحقيقات مزعومة، تتعلق بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، كما أثار قرار مثير للجدل عبر تقنية الفيديو في ربع النهائي، أدى إلى طرد أبرز مهاجمي سويسرا، المزيد من علامات الاستفهام.
وامتلأت منصات التواصل بمنشورات تزعم أن البطولة معدة لميسي، فيما حصدت منشورات أخرى مئات الآلاف من التفاعلات، ووصل الأمر إلى إطلاق عريضة جماهيرية طالبت باستبعاد الأرجنتين من البطولة، وقع عليها أكثر من 12 مليون شخص.
وكانت تقنية حكم الفيديو المساعد محور معظم الأزمات التحكيمية في البطولة، ويرى منتقدون أن التقنية استخدمت بصورة غير متسقة، وأصبحت تتدخل في حالات بعيدة عن فلسفتها الأصلية، وهو ما ظهر في إلغاء هدف مصر أمام الأرجنتين، وإلغاء هدف كرواتيا أمام البرتغال، بسبب لمسة دقيقة التقطها مستشعر الكرة، ولم ترصدها العين المجردة، وحالات مراجعة استغرقت وقتاً طويلاً، وأثارت غضب الجماهير.
ومن أكثر الوقائع إثارة للجدل كانت البطاقة الحمراء التي تلقاها مهاجم الولايات المتحدة فولارين بالوغون بعد مراجعة تقنية الفيديو، والمفاجأة جاءت عندما ألغى «فيفا» عقوبة الإيقاف بعد تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تفاخر لاحقاً بدوره في إعادة اللاعب للمشاركة، وأثار القرار موجة انتقادات واسعة، خصوصاً أن الاتحاد الدولي كان قد أعلن سابقاً أن الإيقافات الناتجة عن البطاقات الحمراء غير قابلة للاستئناف.
ووصف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم القرار بأنه غير مسبوق، وغير مفهوم، وغير مبرر، بينما تصاعدت الدعوات لإجراء تحقيق بشأن مدى التزام «فيفا» بمبدأ الحياد السياسي، ولم تكن قضية بالوغون الأولى، ففي نوفمبر 2025 خفف «فيفا» جزءاً من عقوبة الإيقاف المفروضة على كريستيانو رونالدو، بعد طرده في تصفيات كأس العالم، ما سمح له بالمشاركة في دور المجموعات.
ويرى منتقدون أن مثل هذه القرارات تعزز الاعتقاد بوجود معاملة خاصة للنجوم الكبار، خصوصاً في ظل اعتماد «فيفا» نظام التسعير الديناميكي لتذاكر البطولة، والذي ترتفع خلاله الأسعار مع زيادة الطلب على المباريات.
ولم يقتصر الجدل على أرض الملعب، إذ شهدت البطولة انتشاراً واسعاً للصور ومقاطع الفيديو المزيفة، التي أنتجت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن أبرز الأمثلة صورة معدلة لرجل يشبه أدولف هتلر يحتفل بهدف لألمانيا، وصورة مزيفة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مرتدياً قميص كرواتيا، وفيديو مزيف يظهر مدرب هولندا رونالد كومان وهو يدلي بتصريحات عنصرية عقب الخروج أمام المغرب، وهذه المواد المزيفة أسهمت في نشر معلومات مضللة، وتأجيج العنصرية وكراهية الأجانب، وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية عبر منصات التواصل.
وتكشف أحداث كأس العالم 2026 أن كرة القدم لم تعد معزولة عن الواقع السياسي والاجتماعي والإعلامي، بل أصبحت مرآة تعكس الاستقطاب العالمي، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار المعلومات المضللة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والجدل الذي رافق البطولة لم يكن وليد قرارات تحكيمية فقط، بل جاء نتيجة تداخل الرياضة مع السياسة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، ليصبح أكبر حدث كروي في العالم ساحة تتقاطع فيها المنافسة الرياضية مع معارك الرأي العام ونظريات المؤامرة.
