10 مليارات دولار في خمسة أسابيع.. أسرار طفرة مونديال 2026

10 مليارات دولار في خمسة أسابيع.. أسرار طفرة مونديال 2026
10 مليارات دولار في خمسة أسابيع.. أسرار طفرة مونديال 2026

حول كأس العالم 2026 خمسة أسابيع من المنافسات إلى أكبر دورة مالية في تاريخ كرة القدم، بعدما اقتربت إيرادات البطولة من 10 مليارات دولار، مستفيدة من توسع عدد المنتخبات والمباريات، وضخامة السوق الأمريكية، وارتفاع أسعار التذاكر، ونمو عقود الرعاية وحقوق البث.

وكشفت صحيفة «ذا أثليتيك» أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ينتظر تسجيل أول حدث رياضي في التاريخ تصل إيراداته إلى 10 مليارات دولار، أي ما يقارب ضعف العوائد التي حققها مونديال قطر 2022 وبلغت نحو 5.8 مليارات دولار.

ووصف «فيفا» نتائجه المالية في 2022 بأنها إنجاز غير مسبوق، بعدما ارتفعت خلال البطولة عوائد البث والرعاية والتذاكر والضيافة، وتجاوزت حصيلة نسخة قطر ما تحقق في روسيا 2018 والبرازيل 2014، واقتربت من ضعف إيرادات مونديال جنوب أفريقيا 2010، التي بلغت 3.36 مليارات دولار.

وتوقع جياني إنفانتينو، رئيس «فيفا»، أن تتضاعف إيرادات قطر خلال نسخة 2026، لتصبح البطولة المقامة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أول حدث رياضي يتجاوز حاجز 10 مليارات دولار.

ومنحت استضافة البطولة في أمريكا الشمالية «فيفا» فرصة استثمار سوق رياضية ضخمة، خصوصًا أن الولايات المتحدة احتضنت 78 مباراة من أصل 104، إلى جانب جميع المباريات التي أعقبت دور الـ 16، وصولًا إلى النهائي بين إسبانيا والأرجنتين.

وساهم رفع عدد المنتخبات من 32 إلى 48 منتخبًا، وزيادة عدد المباريات بواقع 40 مواجهة مقارنة بالنسخ السابقة، في مضاعفة فرص بيع التذاكر والتسويق والرعاية والبث التلفزيوني.

وسجلت البطولة حضورًا جماهيريًا تراكميًا تجاوز ستة ملايين متفرج، رغم الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر، مستفيدة من استعداد الجمهور الأمريكي لدفع مبالغ مرتفعة مقابل حضور الأحداث الرياضية الكبرى.

وتوقع «فيفا» أن تبلغ عوائد التذاكر والضيافة خلال الدورة المالية الحالية نحو 3.5 مليارات دولار، أي ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق المسجل في دورة مونديال قطر 2022، مع طرح عدد من التذاكر يقارب ضعف ما كان متاحًا في النسخة الماضية.

واعتمد الاتحاد الدولي كذلك نظام التسعير المتغير، الذي يرفع قيمة التذاكر وفق حجم الطلب، إلى جانب إطلاق منصة رسمية لإعادة البيع يحصل من خلالها على عمولتين بنسبة 15% لكل منهما عند إعادة بيع التذكرة، وهي مصادر دخل لم تكن متاحة في مونديال 2022.

وأظهرت التقديرات المالية أن «فيفا» لا يتوقع تكرار عوائد التذاكر والضيافة نفسها في دورة 2027-2030، إذ رجح انخفاضها بنحو 938 مليون دولار، في اعتراف ضمني بصعوبة تكرار الإيرادات التي حققتها نسخة أمريكا الشمالية.

واستفاد المونديال أيضًا من قوة السوق التجارية في الولايات المتحدة، بعدما واجه «فيفا» صعوبات أكبر في جذب الرعاة خلال نسختي روسيا وقطر، بحسب مسؤول سابق مطلع على عملياته التجارية تحدث إلى «ذا أثليتيك».

وجذبت البطولة عددًا كبيرًا من الشركاء التجاريين العالميين، إذ تراوحت قيمة بعض عقود الرعاية الرئيسية بين 80 و100 مليون دولار سنويًا، في انعكاس واضح للقيمة التسويقية المتنامية لكأس العالم.

وضمت قائمة رعاة مونديال 2026 مجموعة من الشركات العالمية، بعقود وصلت قيمة بعضها إلى 100 مليون دولار، إلى جانب 14 شركة ضمن فئة الداعمين، بلغت قيمة بعض اتفاقياتها نحو 40 مليون دولار.

وأوضح فيل كارلينغ، المدير الإداري لكرة القدم في وكالة «أوكتاجون» الدولية المتخصصة في التسويق الرياضي والترفيه، أن وجود البطولة داخل السوق الأمريكية دفع العلامات التجارية المرتبطة بكرة القدم إلى المشاركة لحماية حضورها المحلي ومنع منافسيها من الاستفادة من الحدث.

وأضاف كارلينغ أن شركات لا تستثمر عادة في كرة القدم قررت الانضمام إلى البطولة بسبب إقامتها في الولايات المتحدة بالتزامن مع الذكرى الـ 250 لتأسيس البلاد، ما زاد القيمة التجارية للمونديال.

ومددت إحدى الشركات العالمية الكبرى شراكتها مع «فيفا» حتى عام 2030 قبل انطلاق البطولة، ضمن مجموعة من الشركات التي ضمنت استمرار ارتباطها التجاري بالنسخة المقبلة.

ورأى كارلينغ أن اتساع كرة القدم بوصفها ظاهرة رياضية وثقافية عالمية منح كأس العالم مكانة لا تقترب منها دورة الألعاب الأولمبية أو نهائي كرة القدم الأمريكية «السوبر بول» أو أي حدث رياضي آخر.

وبلغت إيرادات أولمبياد باريس 2024 ما يزيد قليلًا على خمسة مليارات دولار، بينما حققت بطولة أوروبا التي أقيمت في ألمانيا خلال العام نفسه نحو 2.9 مليار دولار، وهي أرقام تقل بفارق كبير عن الإيرادات المنتظرة لمونديال 2026.

وقدر «فيفا» عدد الأشخاص الذين تابعوا البطولة بمختلف الوسائل بنحو ستة مليارات شخص، وهو رقم يشمل المشاهدة والتفاعل والتغطية الإعلامية، بينما دعمت نسب المشاهدة التلفزيونية حجم الاهتمام المتزايد بكأس العالم.

وسجلت مباراة خروج المنتخب الأمريكي أمام بلجيكا في دور الـ 16 رقمًا قياسيًا بلغ 30 مليون مشاهد عبر شبكة «فوكس»، فيما تابع خسارة كندا أمام المغرب عبر «بيل ميديا» متوسط قدره 5.4 ملايين مشاهد، في أعلى نسبة مسجلة لمباراة للمنتخب الكندي.

واستقطبت مباريات منتخبات مثل البرتغال والنرويج نسب مشاهدة قاربت نصف سكان البلدين، بينما استحوذت مباراة السويد الأولى أمام تونس على 96% من جمهور التلفزيون المحلي، رغم إقامتها عند الرابعة صباحًا بتوقيت السويد.

وأكد بيير مايس، الخبير في بيع الحقوق التلفزيونية الأوروبية، أن كأس العالم تجذب أشخاصًا لا يتابعون كرة القدم بانتظام، ما يمنح البطولة جمهورًا يتجاوز قاعدة مشجعي اللعبة التقليديين.

ورفعت هذه الشعبية توقعات إيرادات حقوق البث خلال دورة 2023-2026 إلى 5.2 مليارات دولار، لتظل المصدر الأول لدخل «فيفا»، مع استهداف تجاوز ستة مليارات دولار خلال دورة 2027-2030.

وواجه «فيفا» في المقابل قيودًا داخل السوق الأوروبية، بعدما ألزمت المفوضية الأوروبية بإتاحة مباريات كأس العالم مجانًا لجميع المشاهدين وعدم وضعها خلف اشتراكات مدفوعة.

وقلصت هذه القيود قدرة الاتحاد الدولي على بيع الحقوق لأكبر الشبكات المدفوعة، وأبقت قنوات مثل «بي بي سي» و«آي تي في» في بريطانيا و«إيه آر دي» و«زد دي إف» في ألمانيا ضمن سوق محدودة المنافسة.

وتراجعت مساهمة أوروبا في إيرادات البث من 50% خلال دورة 2007-2010 إلى 31% فقط، بينما اتجه «فيفا» إلى البحث عن فرص أكبر في مناطق أخرى.

ونمت عوائد حقوق البث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 70% بين عامي 2014 و2022، مستفيدة من استضافة قطر للمونديال، في وقت يترقب فيه الاتحاد الدولي زيادة قيمة حقوق البطولة داخل أمريكا الشمالية.

ودفعت شركة «فوكس» 485 مليون دولار فقط للحصول على حقوق بث مونديال 2026 في الولايات المتحدة، بعد تمديد اتفاق سابق شمل بطولة 2022، رغم أن القيمة الحالية لهذه الحقوق قد تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار حال طرحها في مناقصة جديدة، وفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».

وواجه «فيفا» صعوبات في بيع حقوق البث داخل الصين والهند، إذ لم يبرم اتفاقًا لمدة ثماني سنوات مع إحدى الشركات الإعلامية في السوق الهندية إلا قبل انطلاق البطولة بعشرة أيام.

وربط الاتحاد الدولي خططه المستقبلية بزيادة عدد المباريات، بعدما ترك إنفانتينو احتمال توسيع مونديال 2030 إلى 64 منتخبًا قائمًا، رغم التحذيرات من تأثير زيادة الفرق في قيمة المباريات ومستوى الاهتمام بها.

وحذر مايس من أن رفع العدد من 32 إلى 48 منتخبًا قد يؤدي على المدى البعيد إلى تراجع جاذبية بعض المواجهات، لكنه يمنح «فيفا» على المدى القصير محتوى أكبر يمكن تسويقه إلى القنوات وزيادة عوائد الإعلانات من خلاله.

وساعدت الشعبية المتزايدة لكرة القدم على مستوى الأندية والبطولات الأوروبية «فيفا» في استثمار هذا الاهتمام داخل مسابقات المنتخبات، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الشعبية صنعته الأندية والاتحاد الأوروبي لكرة القدم خلال السنوات الماضية.

ويستهدف «فيفا» زيادة إيرادات دورة 2027-2030 بمقدار مليار دولار مقارنة بالدورة الحالية، وصولًا إلى مونديال المئوية الذي تستضيفه بصورة رئيسية إسبانيا والبرتغال والمغرب، إلى جانب إقامة مباريات في الأرجنتين وباراغواي وأوروغواي.

وتثير هذه الخطط سؤالًا حول قدرة نسخة 2030 على تكرار النجاح المالي لمونديال أمريكا الشمالية، في ظل اختلاف القوة الاقتصادية للأسواق المستضيفة وصعوبة فرض أسعار تذاكر مماثلة لتلك التي شهدتها الولايات المتحدة.

ورجح البروفيسور روب ويلسون، عميد جامعة إدارة أعمال كرة القدم في بريطانيا، أن يكون اختيار الدول المستضيفة عنصرًا رئيسيًا في نجاح نسخة 2026، بعدما اجتمعت أكبر بطولة رياضية في العالم مع أكثر الأسواق الرياضية نضجًا من الناحية التجارية.

وأشار ويلسون إلى أن مونديال السعودية 2034 قد يستفيد من استثمارات الصناديق السيادية، لكن إيرادات نسخة 2026 جاءت بصورة مباشرة من قوة السوق الأمريكية وقدرتها على توليد عوائد تجارية ضخمة.

وقدر كارلينغ أن الرعاة المحليين في الولايات المتحدة ربما أضافوا نحو 500 مليون جنيه إسترليني إلى إيرادات نسخة 2026، مؤكدًا صعوبة تكرار الرقم نفسه في إسبانيا والبرتغال والمغرب.

وبدأ «فيفا» بالفعل تأمين مجموعة من شركائه لمونديال 2030، ومن بينهم أديداس وهيونداي، كما يسعى إلى ربط عقود الرعاية بكأس العالم للسيدات 2027 وكأس العالم للأندية 2029.

ويخطط الاتحاد الدولي لزيادة عوائد حقوق التسويق خلال دورة 2027-2030 بنحو مليار جنيه إسترليني، رغم التحديات المرتبطة بابتعاد البطولة المقبلة عن السوق الأمريكية.

وتؤكد أرقام مونديال 2026 أن كأس العالم أصبحت أكبر من أي وقت مضى من حيث الحجم والانتشار والعوائد، فيما ينتظر «فيفا» واتحاداته الوطنية الأعضاء، وعددها 211 اتحادًا، إعلان الحصيلة النهائية التي قد تثبت وصول البطولة إلى أول 10 مليارات دولار في تاريخ الرياضة.