ميسي عبقري يعيد اختراع نفسه في كل مرحلة

إذا نجح منتخب الأرجنتين في الاحتفاظ بلقب كأس العالم 2026، ليصبح أول منتخب يحقق هذا الإنجاز منذ البرازيل عام 1962، فإن ليونيل ميسي سيكون مجدداً محور الحكاية.

وفي السادسة والثلاثين من عمره؟ لا، في التاسعة والثلاثين، يواصل قائد الأرجنتين كتابة فصل جديد من مسيرة استثنائية، خلال مشاركته السادسة في كأس العالم، معادلاً الرقم القياسي في عدد المشاركات المونديالية إلى جانب البرتغالي كريستيانو رونالدو والمكسيكي غييرمو أوتشوا.

ورغم تقدمه في العمر، لا يزال ميسي يتصدر سباق الحذاء الذهبي بعدما سجل 8 أهداف وصنع 3 أخرى، لكنه يفعل ذلك هذه المرة بأسلوب مختلف تماماً عن ذلك الفتى الذي أبهر العالم بقميص برشلونة قبل أكثر من عقدين، وذلك حسب تقرير نشرته الـ«بي بي س».

ميسي أقل حركة

في مونديال 2026، لم يعد ميسي يعتمد على الركض المستمر، بل على قراءة اللعب وإدارة إيقاع المباراة، فقد قطع 47% من زمن مشاركاته سيراً على الأقدام، وهي النسبة الأعلى بين جميع لاعبي الميدان في البطولة، بينما بلغ متوسط المسافة التي يقطعها 8.2 كيلومترات فقط كل 90 دقيقة، مع انخفاض معدل انطلاقاته السريعة إلى 2.7 مرة في المباراة، مقارنة بـ5.3 مرات في مونديال 2022.

ورغم ذلك، يبقى تأثيره الهجومي استثنائياً، إذ سدد 33 كرة وصنع 21 فرصة، بإجمالي 54 مساهمة هجومية، وهو أعلى رقم يسجله لاعب في كأس العالم منذ الأسطورة دييغو مارادونا عام 1986، وخلال آخر 15 مباراة خاضها في كأس العالم، لم ينجح سوى منتخب بولندا في حرمان ميسي من التسجيل أو الصناعة، بعدما أسهم خلالها في 23 هدفاً، بتسجيله 16 وصناعته 7 أهداف.

5 نسخ مختلفة

لم يكن تطور ميسي مجرد تقدم طبيعي في العمر، بل سلسلة من التحولات التكتيكية التي جعلته يعيد ابتكار نفسه مرات عدة، وبدأ جناحاً سريعاً على الطرف الأيمن، قبل أن يتحول إلى قلب المنظومة الهجومية مع المدرب الهولندي فرانك ريكارد، الذي كان يؤمن بأن كثرة لمساته للكرة تعني مزيداً من النجاح للفريق.

ولكن التحول الأكبر جاء مع بيب غوارديولا، الذي نقله من الجناح إلى مركز المهاجم الوهمي، في قرار غيّر مفاهيم كرة القدم الحديثة، وبلغ ذروته في الانتصار التاريخي على ريال مدريد بنتيجة 6-2 عام 2009، ثم في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام مانشستر يونايتد.

وخلال تلك الحقبة، تحول ميسي إلى آلة تهديفية لا تتوقف، فسجل بين عامي 2011 و2013 ما مجموعه 96 هدفاً في 69 مباراة بالدوري الإسباني، وهي فترة رسخت هيمنته على الكرة الذهبية، التي توج بها ثماني مرات.

هداف وصانع ألعاب

مع رحيل تشافي وإنييستا عن برشلونة، تغيرت أدوار ميسي من جديد، ولم يعد مطالباً فقط بإنهاء الهجمات، بل بصناعتها أيضاً، فأصبح العقل المدبر للفريق.

وفي موسم 2019-2020، سجل 25 هدفاً وصنع 22، قبل أن يواصل هذا التحول في باريس سان جيرمان، حيث أنهى موسمه الأول بـ11 هدفاً و15 تمريرة حاسمة، في أول موسم يتفوق فيه عدد تمريراته الحاسمة على أهدافه، ووصفه أحد المحللين الأرجنتينيين حينها بأنه هداف تحول إلى نسخة من أندريس إنييستا.

قائد الأرجنتين

رحلة ميسي مع منتخب بلاده لم تكن سهلة، فقد خسر نهائي كأس العالم 2014، ثم نهائيي كوبا أمريكا 2015 و2016، قبل أن يعلن اعتزاله اللعب الدولي لفترة قصيرة.

ولكن العودة كانت مختلفة، وأصبح أكثر قوة في شخصيته القيادية، وقاد الأرجنتين إلى لقب كوبا أمريكا 2021، قبل أن يحقق حلمه الأكبر بالفوز بكأس العالم 2022، ليضع حداً لكل الانتقادات التي لاحقته لسنوات.

واليوم، في مونديال 2026، يظهر ميسي بصورة جديدة، لاعب يتحرك أقل، لكنه يرى الملعب بصورة أسرع من الجميع، ويوفر طاقته للحظة التي تحسم المباريات، ولعل وصف زميله السابق بابلو أيمار يلخص رحلته بأفضل صورة: «آخر نسخة من ميسي هي دائماً أفضل نسخة من ميسي».

وبين جناح صاعد ، ومهاجم وهمي، وصانع ألعاب، وقائد بطل للعالم، ثم قائد مخضرم يدير المباريات بعقله قبل قدميه، يواصل ليونيل ميسي إعادة تعريف معنى التطور، مؤكداً أن العظمة لا تكمن فقط في الموهبة، بل في القدرة على إعادة اختراع النفس مع كل مرحلة جديدة.