على بُعد نحو 50 كيلومتراً من العاصمة باريس، يقع أحد أهم أسرار نجاح كرة القدم الفرنسية في العقود الأخيرة، إنه مركز «كليرفونتين» للأداء العالي، الصرح الذي أصبح رمزاً لتطوير المواهب وصناعة أجيال من النجوم الذين قادوا منتخب فرنسا لكرة القدم إلى قمة العالم.
ومنذ افتتاحه عام 1988، تحول المجمع الرياضي الحديث إلى حجر الأساس في مشروع كروي طويل الأمد، هدفه اكتشاف أفضل المواهب الشابة، وصقلها فنياً وذهنياً، وتجهيزها لتمثيل المنتخب الفرنسي بأعلى المستويات، حسب تقريراً نشرته صحيفة «آس».
وأوضحت خلاله أنه لم تكن فلسفة تطوير اللاعبين جديدة على فرنسا، إذ بدأت جذورها في ستينيات القرن الماضي مع تجربة نادي نانت تحت قيادة المدرب خوسيه أريباس، الإسباني المنفي من الحرب الأهلية.
وأسس أريباس نموذجاً مختلفاً للتكوين، يقوم على الجمع بين التدريب الرياضي والتعليم والانضباط الشخصي، بهدف صناعة لاعب كرة قدم متكامل وليس مجرد موهبة داخل الملعب.
وسرعان ما أصبحت تجربة نانت مصدر إلهام للعديد من الأندية الأوروبية، حتى إن مركز ميلانيلو الشهير في إيطاليا استلهم بعض أفكاره من هذا النموذج، الذي ساعد نانت على بناء فريق تاريخي تُوج بستة ألقاب للدوري الفرنسي، وقدم أسلوب لعب عرف لاحقاً باسم «لعبة نانت».
وفي نهاية الثمانينيات، قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم السير في طريق أكثر تنظيماً، فأنشأ مركز كليرفونتين قبل عشر سنوات من استضافة فرنسا لكأس العالم 1998.
وكان الهدف واضحاً، وهو البحث عن أفضل المواهب في مختلف أنحاء البلاد، وتجميعها تحت إشراف نخبة من المدربين والخبراء، ولذا جند الاتحاد الفرنسي أكثر من 300 متخصص لاكتشاف اللاعبين القادرين على الوصول إلى أعلى المستويات، مع توفير بيئة تجمع بين التعليم والتدريب، بعيداً عن الضغوط الإعلامية والتأثيرات الخارجية.
ولم يتأخر النجاح كثيراً، إذ جاءت ثماره بعد عقد واحد فقط، عندما توج المنتخب الفرنسي بكأس العالم 1998 على أرضه، ثم أضاف لقب كأس أوروبا 2000، ليصبح أول منتخب أوروبي يجمع بين اللقبين في فترة متتالية.
وشكل ذلك العصر الذهبي دليلاً على نجاح مشروع تطوير المواهب، بعدما أصبح المنتخب الفرنسي يمتلك قاعدة واسعة من اللاعبين أصحاب الجودة العالية.
ويلعب موقع كليرفونتين دوراً مهماً في اكتشاف المواهب القادمة من منطقة إيل دو فرانس، التي تعد أكبر مصدر للاعبين الفرنسيين المتجهين إلى الدوريات الأوروبية الكبرى.
ومن هذه البيئة خرجت أسماء صنعت تاريخ الكرة العالمية، مثل زين الدين زيدان، تييري هنري، كريم بنزيما، نيكولا أنيلكا، سمير نصري، حاتم بن عرفة، وكيليان مبابي.
وجميع هؤلاء مروا عبر منظومة التكوين الفرنسية التي لا تضع كرة القدم فوق التعليم، بل تسعى إلى بناء شخصية اللاعب داخل وخارج الملعب.
ولا يعتمد نجاح كليرفونتين على الجانب الفني فقط، بل يركز أيضاً على الجانب الذهني والانضباط والسلوك الاحترافي، ويخضع اللاعبون الشباب لمتابعة دقيقة من متخصصين في مختلف المجالات، قبل أن يعودوا إلى أنديتهم وهم أكثر جاهزية لخوض تجربة الاحتراف، وهو ما يفسر ظهور العديد من اللاعبين الفرنسيين في سن مبكرة بقدرات ناضجة.
واليوم، يواصل المنتخب الفرنسي حصد ثمار هذا المشروع، إذ يقترب من تحقيق إنجاز تاريخي بالتأهل إلى نهائي كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، بينما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من لاعبي الفريق الحاليين مروا عبر منشآت كليرفونتين في مرحلة من مسيرتهم.
ورغم التحديات المالية التي تواجه كرة القدم الفرنسية، خصوصاً أزمة حقوق البث التلفزيوني ورحيل أبرز المواهب إلى الدوريات الكبرى، يبقى كليرفونتين أحد أهم رموز النجاح الرياضي في العالم، فهو ليس مجرد مركز تدريب، بل مصنع للأبطال، والمكان الذي ساعد فرنسا على التحول من منتخب يبحث عن المجد إلى قوة كروية عالمية لا تتوقف عن إنتاج النجوم.
